كيف يهدم المجتمع كرامة أفراده بالرعب من كلام الناس ؟

كيف يهدم المجتمع كرامة أفراده بالرعب من كلام الناس 

 

يحدد د. محمد كمال الشريف استشاري الطب النفس والمفكر الإسلامي في مقاله الأتي: كيف يهدم المجتمع كرامة أفراده بالرعب من كلام الناس؟ .. ثلاثة أساليب لا تتوافق مع القيم الإنسانية والدينية لدى الدين الإسلامي، يتعامل بها المجتمع مع أفراده لتوفيق اختياراتهم الحياتية وفق الرؤوية المجتمعية”.

كلام الناس:

والفرد في مجتمع التقاليد يعيش في رعب دائم من كلام الناس، ويكلف نفسه العنت والمصاعب كي يتجنب أن يصبح قصة تلوكها الألسنة، وبالطبع كلام الناس هنا لا يعنى به المدح والثناء، إنما هو الذم، والتشهير، والفضيحة.

وقد كان حديث الإفك مثالاً عليه، حيث روج له المنافقون الذين ما زالت التقاليد تحكم سلوكهم ودوافعهم، وتورط فيه بعض المسلمين أيضاً، فكان فرصة تعلم المسلمون فيها بالدرس العملي، كيف يتصرفون في مثل تلك الحالات.

وخلاصة حديث الإفك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة، وكان نصيب عائشة أن تخرج معه ترافقه، وكان قد فرض الحجاب الكامل على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث لا يراهن الرجال، ولا يرين الرجال، إلا للضرورة، وما سوى ذلك تكون مخاطبتهن من وراء حجاب – أي: ستارة – إلا على محارمهن، كإخوتهن، وآبائهن، وأخوالهن، وغيرهم.

وعندما أخذ الجيش يتجهز للعودة فقدت – عائشة رضي الله عنها – عقدها، وكانت حريصة عليه، وتوقعت أنه وقع منها عندما ذهبت لحاجتها، فغادرت هودجها الذي كانت تقيم فيه محجوبة عن الرجال، وذهبت تبحث عن عقدها، وفي تلك الأثناء، جاء الرجال المكلفون بوضع هودجها على الجمل، فوضعوه وهم يحسبون أنها بداخله، ولم يرتابوا؛ لأنها كانت نحيفة، خفيفة الوزن.. ورحل الجيش، وبقيت عائشة – رضي الله عنها – تبحث عن عقدها، وهي لا تعلم أن الجيش قد رحل.

ولما وجدت عقدها، رجعت إلى حيث كان الجيش، فلم تجد أحداً، فقعدت في المكان الذي كان فيه هودجها، تنتظر متوقعة أنهم سوف يفقدونها، ويرجعون إليها، وغلبتها عينها فنامت، وكان صفوان بن المعطل – أحد صحابة رسول الله – من وراء الجيش فمر بها فعرفها، وكان قد رآها قبل أن يفرض الحجاب على أمهات المؤمنين، فاسترجع قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، فاستيقظت عائشة – رضي الله عنها – عندما سمعت صوته، فخمرت وجهها بجلبابها، وأركبها على راحلته، وانطلق ماشياً يقود الراحلة.

تقول عائشة – رضي الله عنها -: والله ما تكلمنا بكلمة، حتى وصلا إلى حيث كان الجيش قد نزل يرتاح. فأشاع المنافقون في المدينة ما صوره لهم خيالهم المريض، مما قد يقع بين رجل وامرأة في خلوة الصحراء، وكانوا يظنون صفوان وعائشة مثلهم، لا يمتنعان عن الحرام إلا أمام الناس، فإذا أمنا عيون الناس أطلقا لنفسيهما العنان، ولم يدركوا أن الإسلام دين، والدين شيء آخر.
وشاعت الفضيحة أكثر من شهر، والنبي صلى الله عليه وسلم صابر على أذى الذين يخوضون في الإفك، ويتهمون زوجته وصاحبه، دون أن يكون هنالك ما يدعو للاتهام، وعائشة صابرة ما بين مرض وبكاء، حتى أنزل الله في براءتها قرآناً، يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ(12) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} }النور:11-13{ .

وكلام الناس محرم في الإسلام، لا يصلح وسيلة لضبط أخلاق الناس أبداً، ولا تبرره أية نية حسنة؛ لأن كلام الناس لا يعدو أن يكون: قيلاً وقالاً، وغيبةً، وقد يكون قذفاً، كما كان في حديث الإفك.

وقد حرم الله القذف، وجعل له حداً يعاقب به من يقع فيه، بأن يجلد ثمانين جلدة، وألا تقبل له شهادة أبداً، واعتبر فاسقاً إلا أن يتوب ويصلح، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} }النور: 4- 5{.

أما القيل والقال، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه حين قال: (إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). متفق عليه.

قال النووي – رحمه الله- شارحاً: و (قيل وقال) معناه: الحديث بكل ما يسمعه فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لا يعلم صحته، ولا يظنها، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.

لديك كنز من المعلومات في قسم بنون، ويرتبط باساليب فهم و تربية الاطفال و المراهقين، اذا كان لديك ابن او ابنه في سن الطفولة أو المراهقة او قريب من سن المراهقة، فمن المهم ان تتطلع على هذا القسم و به الكثير من المقالات المكتوبة بقلم المفكر الاسلامي واستشاري الامراض النفسية الدكتور محمد كمال شريف الرابط هنا. 

أما الغيبة فقد حرمها الله حرمة شديدة، وجعل جزاء الذي يقع فيها أن يؤخذ من حسناته وتعطى للذي وقعت عليه الغيبة، وشبهها القرآن بأكل لحم الذي اغتيب ميتاً، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} }الحجرات: 12{

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قيل: يا رسول الله! ما الغيبة؟ قال: (ذكرك أخيك بما يكره) ، قال: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)، (رواه الترمذي في أبواب البر والصلة، وقال: حسن صحيح).
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يعير المسلم أخاه، ويعيب عليه، وعن أن يتبع عورته، ويفضح عيوبه بين الناس.
فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فنادى بصوتٍ رفيعٍ قال: (يا معشر من أسلمَ بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحلهِ).

قال راوي الحديث: ونظر ابن عمر يوماً إلى البيتِ، أو إلى الكعبة، فقال: ما أعظمكِ! وأعظمَ حرمتكِ! والمؤمنُ أعظمُ حرمةً عند الله منكِ. (رواه الترمذي في أبواب البر والصلة، وقال هذا حديث حسن غريب).
وعن معاوية -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكَ إنِ اتبعتَ عوراتِ المسلمينَ أفسدتَهم، أو كدتَ أن تفسدهم)، (رواه النووي في رياض الصالحين، وقال: حديث صحيح).

ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى أن يستر بعضهم على بعض فقال:
(من نَفَّسَ عن مسلمٍ كربةً من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كانَ العبد في عون أخيه). (رواه الترمذي في أبواب البر والصلة، وقال هذا حديث حسن).

مواضيع مرتبطة

  السخرية والتعييب الاحتقار والازدراء

متى تباح الغيبة بحسب الامام النووي

انكار المنكر وسيلة لبناء المجتمع السوي

تنويه: الكلمات الملونة من كتابة محرر المقال وليس من نص مقال الكاتب..

اكتب تعليقك
تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.
عاجل