13 أكتوبر، 2018

اســـــــــــتجواب : مونودراما شعرية : تأليف / محمدسيد عمار

” يُفتح الستار ، المسرح عبارة عن حجرة واسعة ذات حوائط بيضاء وتبدو فارغة إلا من بعض القيود الحديدية المعلقة على الحائط وفي أحد أركان المسرح يوجد قفص حديدي مفتوح مما يستخدم في احتجاز السجناء ”

( يُسمع صوت أفكار من الخارج )
ص. أفكار : أنا لم أفعل شيئاً
لم أُجرم كي يأتي بي مخبركم للمخفر
” تندفع أفكار إلى داخل المسرح كأنما تم دفعها بعنف وهي سيدة ثلاثينية جميلة تحمل على رأسها سلة من الخوص مغطاة بغطاء أبيض متسخ ترتدي ملابس تناسب سيدة عربية فقيرة ”
أفكار : ( وهي تنظر للباب ) رفقاً بي فأنا لم أفعل شيئاً
” تعود نحو الداخل وتضع سلتها على الأرض ثم تبدأ في تفحص الحجرة وتدور على المسرح حتى تجلس خلف سلتها وتتحدث للجمهور ”
هو يوم مشئوم من أوله
وكيف يكون اليوم سعيداً حين تقابل في أوله مخبرْ ؟!
( تروي ما كان )
كنت أسير بحملي نحو السوق
أتحسس خطوي في غبش الصبح
أدعو الله لأصل سريعاً كي أجد مكاناً بين الباعة
وإذا بي أجده أمامي بسحنته المقلوبة
يسألني وهو يفتل شاربه
( تقلده ) ما اسمك أيتها المرأة ؟
أفكارٌ يا سيد
( تُقلده ) مهنتك ؟
بائعة خضار
( تقلده ) إلى أين ؟
إني ذاهبةٌ للسوق
( تقلده ) للسوق ! في هذا الوقت ؟!
كي أجد مكاناً يا سيد
( تقلده ) امرأةٌ في مثل جمالك قد يطمع فيها ذئاب الليل
نحن نسير بفضل حمايتكم في أمن وأمان
( تقلده ) متزوجةٌ أنتِ ؟
وعندي ثلاثة صبية
( تقلده ) وزوجك ؟
ماله ؟
( تقلده ) ماذا يعمل ؟
قعيداً بالبيت
( تقلده ) عليه اللعنة
أيترك مثل هذا الحسن للأسواق تدهسهُ ……. مغفل
( تغطي صدرها بكفيها وتتراجع للخلف )
خاف الله يا سيد
( تقلده وهو يسعل متجاوزاً الموقف )
في أي شيء تتاجرين ؟
( تجلس أمام السلة وترفع عنها الغطاء )
هذا فضلة خيرك باذنجان وكوسة
( تقلده ) باذنجان وكوسة
تخبرني امرأتي أن الأسعار ارتفعت حتى صارت ناراً
وأن التجار أصيبوا بداء الجشع .
حقاً يا سيد
( تقلده ) تعترفين !
ما أنا إلا بائعةٌ تأخذ من هذا تبيع لذاك
والفارق بين الأمرين قروشٌ معدودات
( للجمهور ) طالبني أن أزن له عدة أرطالٍ فوزنت
طالبته بالثمن فهددني بالسجن
قالت لي نفسي : لا تقفي أمامه
فالمخبر يمكن أن يجعل عيشك ناراً
يمكن أن يجعلك امرأة بطّالةْ ترتاد بيوتاً مشبوهة
يجعل أطفالك أعضاءً في تنظيم سري
زوجك يسرق بالإكراه ويسطو حتى لو كان قعيداً
( تشرد قليلاً )
فكرت بهذا لكني لم أقبل أن أُغْصب زرعي
لم أقبل أن يأخذ هذا ( تخفض صوتها ) البغل
ما أربحه من عملي في يومٍ كامل
ورفضت
فأمسك بي يسحبني نحو المخفر
وها أنا ذا أنتظر ما يُفعل بي
” تمسك بالخضر وتحاول رصه في السلة ”
لا شك بأن السوق امتلأ الآن بكل صنوف الباعة
يوشك نور الصبح بأن يتنفس
لن أجد مكاناً في السوق الآن
هذا إن تركوني أمضي
ص. خارجي : انتباااااااااه
( تقفز واقفة )
يا فرج الله يبدو أن الضابط قد جاء
” تمر برهة من الوقت وهي تنتظر في توتر ثم تسمع صرخة عالية جداً لشخص يُعذب تنتفض على إثرها أفكار في رعب ”
” تنظر لسقف الحجرة وهي تدور حول نفسها وتشير لنفسها وكأنها تسأل شخصاً غير مرئي إن كان يعنيها ”
أفكار : أنا ؟
“تعلو الصرخة نفسها فتجفل أفكار في رعب وهي تتحدث في سرعة ”
اسمي أفكار وأبيع الخضر بباب السوق
أسكن في قرية رأس القرد
لم أدخل مخفر منذ ولدت
أعمل في جد طول اليوم
وأعول ثلاثة أطفالٍ وأباهم
أستيقظ قبل الفجر بساعة
أتوضأ وأصلي ركعات لله
لا أدعو الله على أحدٍ
وأعد طعام الإفطار لزوجي وأبنائي
أخرج من بيتي لأسابق نور الصبح إلى السوق
أتشاجر مع بعض النسوة كالمعتاد لأجد مكاناً في صدر السوق
أقضي الساعات يقلبني رواد السوق بأعينهم
كذئاب تطمع في لحم فريسة
ونساء السوق المشتريات لخضري
يجلسن أمامي بالساعة يتفاوضن
لإنقاص قروش من ثمن البيع
أرجع للبيت بآخر كل نهار خائرة القوة
لأقوم بتنظيف البيت وأطفالي والزوج
وأعد طعاماً وأروح إلى التاجر
كي أبتاع خضار الغد
” وكأنما تستحضر التعب والإرهاق وهي تتحدث ”
إني امرأة قد كُتب عليها شقاء الدنيا يا سيد
” تجلس في تعبٍ وإرهاق ثم فجأة تعلو الصرخات السابقة فتتكور أفكار في أحد أركان المسرح في رعب ”
أفكار : قبضوا عليَّ أجد السير إلى السوق
( وقد تعلق بصرها بمكان مجهول )
لماذا ؟ لأبيعه للناس
شركائي ؟
بعض المال أقلبه في السوق لا يحتاج إلى شركاء
أقسم لا اكذب فبدايته كانت قرضاً من جارتنا أم علي
وظللت أسدده حتى أصبح مالي الخاص
أية شحنة ؟ تعني الكوسة والباذنجان
( تضرب على صدرها ) ديناميت !
” تسرع نحو السلة وتكشف ما بها من خضروات وهي تردد ”
ديناميت … ديناميت
” تأخذ واحدة من الكوسة وتكسرها بفمها كالقنبلة ثم تلقيها نحو الجمهور وتختبئ خلف السلة للحظات تترقب انفجاراً لم يحدث ثم ترفع رأسها وهي تضحك ببلاهة ”
إنها كوسة ……. كوسة ……. والله كوسة
ما كانت معدة للتفجير بل للحشو
لا أكذب
يمكن أن تُطهى مع اللحم
لا أكذب
توضع في طاجن في الفرن
لا أكذب
( وهي تصرخ ) اطْهِهَا بذوقك كيف تشاء
” تظهر مجموعة من الأشباح من خلف الجدران البيضاء وهي تخمش الجدران التي تبدو وقد صنعت من القماش وهي تصرخ كأنما تعذب وتظهر لأفكار تباعاً كلما هربت واتجهت لأحد الأركان حتى تسقط أفكار في منتصف المسرح وهي تسد أذنيها .
يسود صمتٌ للحظات ثم تقف أفكار وقد بدا الشرود عليها ثم تبدو وقد حزمت أمرها على شيء ثم تتجه نحو باب الحجرة وهي تنادي ”
أفكار : يا سيدي المخبر …… يا سيدي المخبر
إني تأخرت على السوق
جهزت لك أرطال الكوسة والباذنجان
خذهم واتركني يا سيد
خذهم واتركني أروح لبيتي وأطفالي
” تبكي في مرارة ”
من للزوج والأطفال ؟
فمن يُطعم لهم فماً ؟
ومن غيري يهدهدهم إذا نعسوا ؟
ومن يفتل لزوجٍ راقد بالبيتِ حبل الصبر ؟
ومن يمسح دموع القهر في عينيه حين يعود للماضي
فيذكر قوة ضاعت بداء الجرِ والشيلِ
” تنظر لأعلى ”
هل تسمعني يا سيد ؟
هل تسمعني ؟
” لا تتلقى رداً فتطرق أرضاً في حزن ثم تتحدث للجمهور ”
لعله لا يصدقني
ولكن كيف لا يصدقني ؟!
أليسوا هم ولاة الأمر
يقول جارنا المتعلم الأوحد بقريتنا
يقول : إذا تحدثتم فلا يعلو لكم صوتٌ
ففوق سماء قريتنا قمرٌ يلقط الأسماء
والأصوات والأخبار ينقلها لولاة الأمر
فنجعل همنا سراً ….. نداوي جرحنا سراً
ونطوي ليلنا بالجوع كي لا يحسبوا أنّا
نعيب على ولاة الأمر
فمن يدري بما يجري أسفل سقف منزلنا
ألا يدري بذنبي إذ أنا أجرمت !
” تقف مطرقة كأنما تستمع ”
وحقك يا طويل العمر لا أكذب
( في فزع ) لا لا ، أقسم بالله لا أعمل لأهدم هيبة الدولة
( وكأنما تستنكر الكلمة ) الدولة ….. الدولة
لفظٌ لست أسمعه إلا في مناسبة
كأن يأتي مرشح مجلس النواب قريتنا
– رأس القرد تعرفها –
ويعلو صوته المخنوق بعباراتِ عن حقي
وأبنائي على الدولة
يقول بأنه سيكلم الـ … لا أدري
هو رجلٌ كبيرٌ يخدم الفقراء في الدولة
ليجعل لي مساعدةً معاشاً يُطعم الأطفال
ويأخذ زوجي المشلول للمشفى
يعالجه يعيد إليه صحته
وهذا كله والله مجاناً من الدولة
أطير بقوله فرحاً
وأحمل زوجي المشلول نحو لجان قريتنا
ونٌعطي الصوت للسيد
وننتظر المعاش يجيء
فلا يأتي مرشحنا ولا الدولة
( صراخ عالي يرعبها فتصمت قليلاً )
لا حقدٌ ولا أضغان
فلست أبيع أوطاني ولكني أبيع الخضر يا سيد
” تخفت إضاءة المسرح ويضاء كشاف خلف أحد الجدران فيصنع ظلاً لشاب معلق من يديه لأعلى يعلو صراخه فتسرع أفكار وتنكمش أسفل الجدار المقابل لحظات ثم يخفت صوت الصراخ ويعلو صوت أفكار وهي تغني أغنية معبرة عن قهر الإنسان وأحلامه البسيطة وحين تنتهي تتحدث للجمهور ”
يا سادتي
إني امرأة من أفقر خلق الله وأتعسهم
لكني راضية بقضاء الله
حين بلغت العام السابع عشر
خافت أمي علي فأعطتني لأول خاطب
كانت تدفع حملاً عن كاهلها
كنا عشرة أبناءٍ أيتام
كانت أمي تعمل خادمة بالدور وكنت أساعدها
أذكر أني تعرضت كثيراً لتحرش أصحاب الحظوة
ممن كنا نخدمهم
جسداً برياً وجدوه مهيأً للقنص
فالمرأة حين تطاردها الحاجة تصبح صيداً
ولهذا خافت أمي علي فأعطتني لأول خاطب
وتزوجت
كان حنوناً
كان حمالاً بسيطاً في محطة القطار
كان يرجع في نهاية النهار مجهداً
أنزع الثياب عنه
أحتويه ويغتسل
كنت أدلكه وأغسل قدميه
أسمع أناته حين ينام فأبكي في صمت
كانت دنيانا رغم الفقر ورغم الألم سعيدة
كنت أحبه وكان يذوب بطرف ثيابي
لكن الأيام الحلوة لا تبقى على حالْ
ذات نهارٍ وجدوه مسجّى وفوقه بعض صناديق
حملوه إلى المشفى
وهناك قالوا ( تصمت برهة في حزن )
صار كسيحاً
أظلمت الدنيا في وجهي
وتهاوت كل الأسئلة على رأسي
من أين سأطعم أطفالي ؟
من أين أداوي زوجي ؟
وكيف تكون الدنيا بغير الزوج ؟
ومن سيعوض أطفالي بحنانِ مثل حنانه
قبلاته حين يغادرنا أول كل نهار
ضحكاته حين يعود إلينا يحمل قطع الحلوى وأرغفة الخبز
” فترة صمت ”
وخرجت إلى السوق وحيدة
يدفعني لهيب الأرصفة وخجلي
ونظرات الناس الجائعة إلى جسدي أن أهرب
ألقي حمل الأطفال وزوجي وأهرب
لكني حين أعود لقلبي ينهرني
فأدوس على خوفي وخجلي
أقف أمام النسوة في السوق
ونتشاجر من أجل مكان أفضل
أقف أمام رجال السوق ونظرات الرغبة في أعينهم
وأقاوم ضعفي حين أحن لحضن الزوج الدافئ
” تحيط جسدها بيديها ”
آه من برد الدنيا وزفزفة الريح بأضلاعي
آه حين تصير المرأة دون غطاء
أو سندٍ أو ركنٍ يؤويها
” تغمض عينيها وتضغط جسدها بيديها وكأنما تحميه من قوة غير مرئية ثم تستفيق بعد برهة ”
لست أدري كم سأبقى ها هنا
قد أخبروني أنني سأغادر المخفر
إذا ما حضرة الضابط أتى
( تحزم أمرها ) سوف أخرج
” تقوم وتتجه نحو الباب الذي ما إن تصله حتى تسمع صوت كلابٍ يبدو عالياً وشرساً فتتراجع وتخفت إضاءة المسرح وتضاء كل جدران المسرح من الخلف لتصنع ظلالاً لحالات مختلفة من التعذيب حيث يظهر شخص معلق ويجلد و شخص آخر ممدد ويصعق بالكهرباء وغيرهم خلف كل جدران المسرح مما يجعلها تعدو نحو كل جدار ثم تتراجع في خوف وذلك مع صوت صرخات عالية تجعل أفكار تسقط في منتصف المسرح على وجهها لفترة ثم تقوم وقد تجلى الرعب على وجهها بعد صمت كل الأصوات وإضاءة المسرح واختفاء الظلال ”
ويحي ما أبصرت ؟!
مخفرٌ هذا أم مجزر ؟
( ترفع وجهها للسماء )
يا الله …ما حكمتك في أن تصبح دنيانا غابة ؟
ما حكمتك في أن يقهر إنسانٌ إنسان ؟
” تغمض عينيها وتصمت للحظات وهي تتنهد ثم تفتح عينيها كمن تذكرت ”
أطفالي …….
تُرى كيف أنتم ؟
تراكم أكلتم ، شربتم ؟
وهل غادر كبيركم إلى المدرسة ؟
لا شيء يجعلني أتحمل هم الدنيا سواكم
( تتحدث للجمهور )
ذات مساءٍ ذهب ثلاثتهم في النومِ كملائكةٍ فقراء
فنظرت إليهم باسمة وأنا أتوسد صدر أبيهم
أخبرته أمنيتي أن يصبح أكبرهم شرطياً
لكنه شرطي لا يجري في الأسواق خلف
الساعين على الرزق
شرطيٌ لا يستقوى برتبته على الضعفاء
ولا يَغْنَى من رشوة من خرجوا على القانون
شرطي لا يكسر بابك في منتصف الليل
ولا يُفزع أطفالك
( كمن تتذكر ما هي فيه )
شرطيٌ لا يسحبك إلى المخفر إن أنت
رفضت مساومته ومنحته أرطال الكوسة سحتاً
( تعود إلى حلمها بالأطفال )
أما الأوسط فأريده أن يصبح جابياً
يقولون بأن الجابي راتبه بلا عددٍ
وكلما زاد ما يجبي يزيد الضعف راتبه
ويوم يصير ذا جاهٍ سأوصيه بألا يجبي أموالاً من الفقراء
سأخبره بأن عليه أن يجبي من السادة
فهم أولى بدفع جباية الدولة
وهم من يملك الدولة
” تبتسم في حنين ”
وأما أصغر الأطفال
أحلم أن أراه غداً رئيس المجلس البلدي
فساعتها ستصبح دنيتي عيداً من الفرحة
وسوف أقول يا ولدي بربك كن شديد الرفق بالباعة
فمنهم من له فضلٌ على أمك
وما أتاك من فضلٍ وأخوتك بفضل السوق
فلا تُفزع لهم قلباً …… ولا تقطع لهم عيشاً
وإن أحببت تجليهم من الشارع
فأبدلهم به سوقاً يصون كرامة الإنسان
هنا يضحك بسخرية وما أجمله إذ يضحك
يقول زوجي اليائس من الأحوال
وكيف سيصبح الأطفالُ أسياداً
وهم ذرية الشيال
بلادنا هذه أنثى معطرةٌ لمن يدفع
وميراثٌ لأهل الحكم والأنذال
وليس بأرضها حظٌ لمن كانوا هم الأذيال
سنبقى دائماً نجري من الأسواق في ذعرٍ
ويصفع وجهنا الشرطي في زهوٍ
ويسلخ جلدنا الجابي
بسيف المجلس البلدي
” فجأة تُسمع صرخات عاليةٌ تفزع على إثْرها أفكار وتتكور بجوار الحائط ثم تتوقف الصرخات وتنساب موسيقى هادئة لبرهة من الوقت تسند أفكار ظهرها للحائط وتلقي رأسها للخلف وتغمض عينيها ولكن الموسيقى تنتهي نهاية صاخبة تجعلها تقفز من مكانها مذعورة ”
( تفتح عينيها ) زعيمنا ! أنا سببت زعيمنا !
أتحولت تهمي من الكوسة إلى سباب زعيمنا
يا ويلتي ……. أنا لست أدري من يكون زعيمنا
( تحاول أن تقوم )
في مرةٍ شاهدت في التلفاز رجلاً عليه نضرة الشباب
فسألتهم عنه فقالوا رئيسنا
( تنظر للجمهور )
فقلت في عجبٍ : أهذا رئيسنا ؟!
قالوا لي هذا رئيسنا
فقلت قد أخبرتموني أنه كهلٌ عجوز
فقالوا إنه كهل عجوز
فقلت وليس برأسه بعضُ البياض !
فقالوا صبغة تجتث من الشعر البياض
قلت والوجه يبدو مثل بدرٍ في التمام !
قالوا : عزيزٌ وابن عز
يأكل ويشرب بالهناء والشفاء
فترى الدماء تكاد تطفح حمرة من وجنتيه
فدعوت أن يمنحه الله عافيةً تعين فخامته علينا
فنحن شعبٌ يريد أن يأكل ويشرب نائماً
ولسانه حاد كسيف إن غضب
يا رب هيئ للزعيم أموره
واجعله صافي البال لا يشيب ولا يشيخ
” تنطلق صرخات عالية ويسود جو من الرعب بارتعاش الإضاءة مما يجعل أفكار ترتعب وتحاول أن تسد أذنيها حتى تصرخ وجسدها يتلوى”
كفى كفى ( تتوقف الصرخات )
نعم سببته
ذات ظهيرة بالسوق كان الجو ليس يطاق
كأن الشمس قد صارت مظلتنا
وليس هناك بياعٌ ولا شارٍ
وهذا الزرع لن يبقى إلى الغد
ووصلت روحنا الحلقوم
( تجلس أمام سلتها )
وصار الصوت مبحوحاً
ونحن ننادي أشباحاً ولا تأتي
وفجأة يظهر الجابي طويلاً مثل يوم السوق
وبين يديه دفتره
يمد إلينا إيصالاً ويجبي منا أموالاً
رسوم جلوسنا في السوق
فقلت ارحمنا يا سيد
فلا بيع ولا ظل
وتأتي أنت كي تكمل لنا المأساة
فرد بصوته القاسي
( تقلده ) إذا لم تدفعي المعلوم
سوف يجيء في الحال رجالُ المجلس البلدي .
وما أدراك ما يفعل رجال المجلس البلدي
دفعت بلا مقاومة جنيهات وكانت كل ما أملك
ولم تمضِ سوى برهة وإذ بالناس
قد فزعوا كأن النار قد شبت بقلب السوق
وقد حملوا بضائعهم وساد الرعب أهل السوق
فعن قربٍ رأى الناس رجال المجلس البلدي
وبعض الشُرط قد هجموا على السوق
حملت خضاري المجهد من الشمس على رأسي
جريت وقلبي الموجوع يخفق مثل قاطرة
تجر همومها جراً ولا تدري بأي الأرض
سوف تنيخها القضبان
وبين الجري والهم وإذا بي أبصر الصورة
شباباً مثلما كان
كأن العمر لا يمشي سوى بملامح الفقراء
ورجلٌ أسفل الصورة ينادي
( تقلده ) يا أحبائي صباح الغد موعدنا
لننتخب الرئيس الحر في استفتاء
نعم لرئيسنا المحبوب
نعم لزيادة الإنتاج
نعم لدوام الاستقرار
نعم لسعادة الفقراء
وعند سعادة الفقراء لم أدرِ بغير لساني
الملعون يقذف أبشع الألفاظ
لعنت الناس إذ صمتوا على الحكامِ
وانصاعوا لمن سرقوا ومن قتلوا
لعنت الفقر إذ يأكل من الفقراء أعماراً
فلا يتذوقون العدل حتى الموتْ
” يحدث ارتعاش للإضاءة وتنكمش أفكار وتسمع صرخاتٍ عالية متتالية ثم تتوقف وتثبت الإضاءة فتبدأ أفكار في الخروج من حالة الفزع وهي ترفع رأسها لأعلى وتتحدث ”
كنت كذاهب العقل أو المكره
فامرأة يطاردها جباة المجلس البلدي
وتخنقها ديون الفقر والحاجة
وأربعة من الأفواه تشكو جوعها لله
فهل مثلي تحاسب إن هي لفظت
وسبت ربها خطأ ؟
” يظلم المسرح تماماً ثم تضاء بقعة في وسطه تسرع نحوها أفكار كأنما تأتنس بالضوء فتظلم البقعة وتضاء في موضع آخر فتسرع نحوها ويتكرر هذا الأمر أكثر من مرة في أكثر من بقعة على المسرح ويتم هذا على إيقاع ضحكة عالية حتى يضاء المسرح وتظهر أفكار وقد جلست ترتعد برهة ثم تنظر أفكار للجمهور في ذهول وهي تلطم خديها ”
أفكار : ويلي …… يا ويلي
أنا ؟! أقسم ما تلفظت بأن الناس مقهورون
أنا الفقيرة إلى الله صرت زعيمة للناس !
أأمرهم فيأتمرون ، أحرضهم فيتبعني قطيع الناس !
أنا يا سيدي امرأة لا أدري من الدنيا
سوى زوجي وأولادي
ومن السوق للبيت ومن بيتي إلى السوق
أحب الله والناس ولا أضمر لأحدٍ شرْ
ولست أحب قيل وقال
وقانعة وراضية وصابرةٌ
وأحمد ربنا دوماً على ما يأتي من خيرٍ ومن شرِ
وأقصى ما يفرحني رجوعي آخر اليوم
أحمل قوت أولادي
وألا يرتفع سعرٌ من الأسعار
” ضحكة عالية ويظهر الارتباك على أفكار ”
أنا لم أشكُ من شيءٍ
( صرخة عالية )
أفكار : ( في خوف ) لا لا تذكرت
ذات صباحٍ من أيامنا في السوق
والأيام في الأسواق تتشابه
فنفس صياحنا نعلن عن الأسعار
ونفس خصال وسماجة زبائننا
ونفس السحنة الغبراء لجابي المجلس البلدي
وفجأة رأيتها في السوق
بيضاءٌ تغطي وجهها الألوان
ملابسها معطرةٌ وزاهيةٌ وشفافة
لها كعبان من مرمر وصدرٌ رائعٌ مثمر
وشعرٌ مثل جدائل الصفصاف على الكتفين ينسدلُ
ويمشي خلفها رجلٌ يصورها
ومثل النمل حين تلوح ذراتٍ من السكر
تحلق حولها السوقة
فمنهم من يلاطفها
ومنهم من له غرضٌ فيتحرش
ومنهم من يمثل أنه يحمي مفاتنها ويتحرش
وبين جميع من بالسوق لمحتني وسألتني عن الأسعار
رددت سؤالها بسؤال
هل أنتِ موظفة هنا بالمجلس البلدي ؟
فهزت رأسها نفياً وقالت :
بل أعمل مراسلة
وجئت أعد تقريراً عن الأسعار
فقلت وهل سيسمعني رئيس المجلس البلدي ؟
فضحكت ملء شفتيها وقالت :
كل أرائك ستأتي بنشرة الأخبار
فقلت لعل مسئولاً سيسمعني ويرفق قلبه بالناس
شكوت أمام كاميراتها من الأسعار
وجور المجلس البلدي
وقلت يا سادتي الكبراء
من منكم يعيش ببيته ديناً
ويُطعم طفلة دينا
وبين الجابي والجلاد يقضي عمره ديناً
أنا أنثى تضيع كرامتي بالسوق
تحت نعال جابيكم وشرطتكم
وأرضع صبيتي ذلاً كي أبقى مُسالمة بناظركم
أُعلِّم صبيتي دوماً بأن الخوف مأمنهم
وأن المشي ملتصقاً إلى الحائط يؤمّنهم
إذا سارت بنهر الشارع العسكر
ولا أبغي سوى إحسانكم للناس
فنحن وقود دولتكم
نموت أمامها دوماً إذا ما خانها الحراس
وكالثيران تقتلنا سواقيكم
ونعمى في مسالكها لكي نسقي حدائقكم
أغيثونا فمن كان له بقرٌ يطعمه ليحلبه
” يهتز المسرح فجأة وترتعش الإضاءة وتُسمع أصوات مزعجة وتسرع أفكار تلف المسرح وكأنها تبحث عن مكان آمن ثم يبدو وكأن قوة كبيرة تجذبها نحو الحائط حتى تلتصق وتظهر أيادي تمسك بذراعيها ووجهها للجمهور ويظلم المسرح إلا من بؤرة إضاءة مسلطة على أفكار وهي تصرخ وكأنها تُعذب ”
( تصرخ بشدة ) آآآآه ……. آآآآه ….. آآآآه
” تظل الأيدي تجذبها بقوةٍ رويداً رويداً حتى تغوص داخل الحائط وهي تقاوم بشدةٍ وتطلق صرخةً عاليةً ثم تُظلم بؤرة الإضاءة ”

( إظــــــــلام )

” تمت

ـ محمد سيد محمد إبراهيم عمار
ـ اسم الشهرة : محمد سيد عمار .
ـ شاعر و كاتب مسرحي وسينارست .
ـ يعمل أخصائي تربية مسرحية وإعلام بوزارة التربية والتعليم المصرية .
ـ عضو إتحاد كُتَّاب مصر .
ـ عضو الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر دورتي 2014 – 2015.
ـ محاضر مركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة .
ـ مولود في المنيا في 16/1/1973 .

  • معلومات التواصل :
    ـ هاتف 01006350264 – 01114723886
    ـ ايميل [email protected]
تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

بالفيديو| الممثل الذى ظهر عاريا على خشبة المسرح بتونس

منذ شهر تقريبا ظهرت الفنانة رانيا يوسف بفستان عارى اظهر كل جسدها . بمهرجان القاهرة السينما…