‫‫‫‏‫3 أسابيع مضت‬

أكتوبر سـوار الذهب ورجبُه

أكتوبر سـوار الذهب ورجبُه

  • حافظ سوار الذهب على وحدة الجيش أولاً وساهم في التوفيق بين القوى السياسية المتناحرة.
  • نجح سوار الدهب إلى حد كبير في قيادة الفترة الانتقالية في السودان بأمان.
  • رحم الله سوار الذهب، وتقبّله في الصالحين، يوم لا تنفع رتبٌ عسكريةٌ، ولا ألقاب ودرجات، إلا من رحم ربك.

بقلم: عبد الوهاب الأفندي

كانت مصادفةً ذات مغزى أن نعى الناعي عبد الرحمن سوار الدهب، الرئيس السوداني الأسبق، عليه رحمة الله، قبل ثلاثة أيام من الذكرى الرابعة والخمسين لثورة أكتوبر السودانية الرائدة في إطاحة الدكتاتوريات العسكرية في المنطقة.

ذلك أن المشير سوار الدهب كان قد لعب الدور الحاسم في إنجاح انتفاضة السودان الثانية في مارس/ آذار – إبريل/ نيسان 1985 (الموافق لشهر رجب عام 1405هـ). ولم تفت تلك المصادفة على بعض المعلقين، وهو أمر طبيعي بسبب الترابط بين الثورتين.

فعندما خرجت الجموع تطالب بإسقاط نظام جعفر نميري في بدايات شهر رجب الخير، كانت أولى شعاراتها التبشير بعودة أكتوبر، أي استعادة ثورة أكتوبر التي أسقطت نظام الفريق إبراهيم عبود عام 1964.

كان استلهام ثورة أكتوبر في رجب أمراً تلقائياً من جهة، وواعياً من جهة أخرى، فقد كانت مصادفةً أن شرارة الانتفاضتين كانت احتجاجات طلابية، دعمتها وتضامنت معها جهاتٌ نقابيةٌ ومدنية، في مقدمتها نقابات الأطباء والمحامين وأساتذة الجامعات والعاملين في المصارف.

ولاحقاً القوى الحزبية. كان الفرق في تمحور احتجاجات رجب حول مطالب اقتصادية، بينما لم تكن الظلامات الاقتصادية بين هموم المتظاهرين ضد نظام الفريق عبود الذي شهدت سنواته الأخيرة رخاءً غير مسبوق في تاريخ السودان. مفارقة أخرى هي أن عدداً من القيادات التي شاركت في ثورة أكتوبر، خصوصاً بين المحامين والسياسيين، شاركت أيضاً في القيادة في انتفاضة رجب.

كان للجيش دور في الثورتين، ولكن مع الاختلاف، فقد نجحت ثورة أكتوبر بضغوط من الضباط متوسطي الرتب، إذ رفض كثيرون منهم الانصياع للأوامر بقمع الثورة، بينما كانت قيادة الجيش العليا هي التي اتخذت جماعياً قرار دعم الانتفاضة الشعبية، وخلع الرئيس نميري الذي كان وقتها في زيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية.

ولعله أول رئيس يتم خلعه وهو في ضيافة البيت الأبيض، بينما كانت المظاهرات تمرّ تحت لافتات الترحيب بـ “السيد والسيدة بوش” التي ظللت شوارع الخرطوم، احتفاء بجورج بوش الأب، نائب الرئيس وقتها، في أثناء زيارته السودان قبل أقل من أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات، وهذا مما يشكك في الأسطورة المتداولة بأن أميركا هي التي تعطي المُلك وتمنعه.

وهنا يأتي دور المشير سوار الدهب، والذي كان قد تولّى وزارة الدفاع وقيادة الجيش قبل أشهر معدودة من الانتفاضة، بعد أن ظل قبل ذلك ضابطاً محترفاً غير مسيّس إلى درجة كبيرة. وكانت له في ماضيه سوابق قد تبدو ذات طابع سياسي/ مسيّس، لكنها كانت أقرب إلى الاحترافية المبدئية منها إلى الانحياز السياسي الصارخ.

فعندما جرت محاولة انقلابية ضد نميري، قادها أحد أجنحة الحزب الشيوعي في يوليو/ تموز 1971، رفضت الحامية التي يقودها في مدينة الأبيض في غرب السودان (مسقط رأسه) إعلان الولاء للانقلابيين الجدد، ولعلها كانت الوحيدة التي فعلت. وكان هذا الموقف سيكلفه غالياً لولا أن الانقلاب فشل في يومه الثالث.

لكن نظام نميري بدلاً من أن يكافئه على ولائه، أقاله في العام التالي من الجيش، ما دفعه إلى السفر إلى قطر حيث عمل بصفة استشارية فيها. ويبدو أن الرئيس نميري ندم على ما فعل، فأعاده إلى الجيش بعد سنوات، حيث ترقّى فيه إلى أرفع الرتب، وتولّى قيادته.

ولكنه بمجرد الوصول إلى القمة وجد نفسه أمام تحدٍ غير مسبوق، يفرض عليه اتخاذ قراراتٍ قد تقود البلاد إلى المجهول، خصوصاً وأنها كانت تواجه حرباً أهلية مدمرة، وشبح مجاعاتٍ، وعزلة إقليمية، واقتصاداً على حافة الانهيار.

ويتهم منتقدون كثيرون المشير سوار الدهب، عليه رحمة الله ورضوانه، بأنه دفع دفعاً إلى الدور الذي اشتهر به، وأن الدفع باتجاه قرار خلع الرئيس نميري جاء من ضباط آخرين، هم من أجبروا سوار الدهب على اتخاذ هذا الخيار. وهناك قدر من الصّحة في هذا، لأن سوار الدهب كان يشعر بحرج ديني وأخلاقي من الحنث بقسم الولاء الذي قطعه للنظام.

فوق ذلك، كان الجميع يتخوفون من العواقب المجهولة، في ظل اعتقاد (ثبت خطؤه فيما بعد)، بامتلاك جهاز الأمن الذي كان يسيطر عليه نائب الرئيس وقتها، اللواء عمر محمد الطيب، أسلحةً حديثةً تتفوّق على ما عند الجيش، ما كان يهدّد بحربٍ أهلية أخرى تعقد الحرب المشتعلة أصلاً في الجنوب.

وقد كان هناك اضطرابٌ وخلافٌ داخل الجيش، حيث يروي ضباطٌ شاركوا في مداولات ليلة الخامس من إبريل/ نيسان الطويلة أن قيادة الجيش العليا طلبت منهم، في أول الأمر، التزام مواقعهم وعدم الاصطدام بالجماهير الثائرة، لكن هؤلاء تساءلوا عن كيفية التصرّف في حالة اعتدت الشرطة والأجهزة الأمنية على المواطنين.

ولم تكن هناك إجابة مقنعة. وفي وقت متأخر من الليل، تم استدعاء الضباط مرة أخرى إلى القيادة، حيث أبلغوا بأن الجيش قرّر أن “ينحاز” إلى الشعب. ولم يصدر بيان الجيش إلا في حوالي العاشرة من صباح 6 إبريل/ نيسان، بعد أن حاصر مباني جهاز الأمن، وأصدر قراراً بحل الجهاز وتسريح أفراده.

ولكن هذا يزيد من قيمة الدور الذي لعبه سوار الدهب، بدلاً من أن يبخّسه، فمن الواضح أن قيادته المتّزنة الحكيمة لعبت دوراً مهماً في تجنّب المزالق والأعمال المتهورة، فقد حافظ على وحدة الجيش أولاً، كما أنه ساهم في التوفيق بين القوى السياسية المتناحرة، رافضاً دعوات بعض الراديكاليين بافتعال صراعٍ مع القوى الإسلامية.

ولعل الانتقادات التي وجهت إلى سوار الدهب لرفضه ضغوط زملائه في القيادة العسكرية، وعدد من القوى السياسية بتمديد الفترة الانتقالية كانت محقّة نوعاً ما، لأن تمديد الفترة الانتقالية كان أحرى بإعطاء وقتٍ أطول للتوافق على دستورٍ يؤسس قاعدة صلبة للتحول الديمقراطي في السودان، ويساهم في معالجة حرب الجنوب. ولكن هذا الوضع كان أيضاً يحمل مخاطر اقتصادية وسياسية وعسكرية، لم تكن قيادة الجيش بمفردها بقادرة على مواجهتها.

مهما يكن، نجح سوار الدهب إلى حد كبير في قيادة الفترة الانتقالية بأمان، نازعاً كل فتائل التفجير، وأشرف على انتخاباتٍ لقيت القبول من الغالبية ومن العالم، ثم سلّم السلطة لمن انتخبهم الشعب، وأن ينسحب بهدوء من الساحة السياسية. وباختصار، تصرّف كجندي محترف: وجد نفسه في قلب معركةٍ لم يسع لها، فخاض المعركة برباطة جأش وهدوء، حتى أنجز المهمة، ثم انصرف. وهكذا تذكّره العالم وعرفه.

لقد سعدتُ بمعرفة فقيدنا وقليلٍ من صحبته. ولعله يكاد الوحيد من حكام السودان السابقين الذي تعرّفت عليه على مستوىً إنساني بحت، بعيداً عن كل معاملات رسمية، أو هالة سلطةٍ كان هو بالفعل أزهد الناس فيها. فكان نعم الجليس.

ألا رحم الله عبده عبد الرحمن، وتقبّله في الصالحين، يوم لا تنفع رتبٌ عسكريةٌ، ولا ألقاب ودرجات، إلا من رحم ربك.

* د. عبد الوهاب بدرخان أكاديمي سوداني، أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر: العربي الجديد

تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

إكتب تعليقك هنا

‫شاهد أيضًا‬

الجنيه المصري ونبوءة صندوق النقد الدولي

الجنيه المصري ونبوءة صندوق النقد الدولي ذهبت توقعات الصندوق سدى فانهار سعر صرف الجنيه مقاب…