ربع الساعة الأخير

ربع الساعة الأخير

  • يرجح أننا نعيش ربع الساعة الأخير قبل الوصول إلى ساعة الصفر والانفجار الكبير!
  • لماذا أصبح الإحباط اليوم هو السمة المسيطرة على العقل الجمعي العربي؟!
  • هل نحن على أبواب ثورة عارمة في بلاد العرب، وقودها الجوع والقهر والاستبداد والفساد؟
  • الأسلوب الفاعل في استقطاب الأتباع لحركات التغيير يعتمد على تشجيع النزاعات والاتجاهات التي تملأ عقل المحبط.

بقلم: حلمي الأسمر

(1)

من الصعب أن تجد اليوم إنساناً عربياً راضياً عن نفسه، وعن مجتمعه. في وقت مضى كنت تسمع جواباً مطمئناً، حينما تسأل عربياً: “كيف حالك؟”، فيبادرك: الحمد لله، “ماشي الحال”. يندر اليوم ألا تسمع تنهيدة طويلة، تتبعها شكوى، وتذمّر، وإحباط كثير.
والإحباط كما يرى فيلسوف علم الاجتماع الأميركي، إيريك هوفر، في كتابه “المؤمن الصادق” هو المحرّك الأهم للثورة، فالمحبطون هم وقود الحركات الجماهيرية، والإحباط هو في حد ذاته يكفي لتوليد معظم خصائص “المؤمن الصادق”.

بل إن الأسلوب الفاعل في استقطاب الأتباع لحركات التغيير يعتمد أساساً على تشجيع النزاعات والاتجاهات التي تملأ عقل المحبط. الإحباط اليوم هو السمة المسيطرة على العقل الجمعي العربي، إنْ بسبب الإخفاقات السياسية، أو الأزمات الاقتصادية، أو القمع المستشري، والفساد الذي تضخّمت مؤسسته، فَعَلَت على كل المؤسسات.

اقرأ/ي أيضا: هل زيارة البابا للإمارات هي استمرار لأساسيات وسياسات الحروب الصليبية الغربية

فغابت العدالة، وساد الظلم والقهر، واستأثرت عصابات الحكم ومن يحيط بها بكل شيء، ولم تترك للملايين من الناس غير الفتات الذي لا يكاد يسد جوعها، ورافقت هذا كله وقاحة سياسية غير مسبوقة!

فأصبحت المجاهرة بالعلاقات مع العدو الصهيوني ظاهرةً غير مجلبة للعار، بل تمادت غالبية الأنظمة بعملية “التنسيق الأمني” مع العدو للاستقواء على شعوبها، وقهرها، وملاحقة أي نَفَسٍ رافض للتطبيع معه، وأضحت عملية استعانة منظوماتها الأمنية بخبرات العدو وبرامجه التجسّسية على المواطن أمراً عادياً وعلنياً.

الأدهى والأمرّ من هذا كله توحش هذه الأنظمة في محاصرة المقاومة النظيفة للعدو، فأدرجتها في قوائم الإرهاب، ولم يعد ثمّة من سماء يحتمي بها “الفدائي” الحقيقي، إلا غزة المحاصرة جواً وبحراً وبراً، وما تسمح به ظروف قطر وتركيا وهما قُطران يعيشان حالةً غير مسبوقة من الاستهداف.

اقرأ/ي أيضا: خفايا الحملة الصليببية لترامب

أما إيران، فتلك حكاية أخرى، إذ أصبحت الشيطان الذي يريد أن يخرّب “السلطة الفلسطينية” بتقوية منافستها في غزة، وبالتالي عرقلة “المسيرة السياسية” التي تأبى أن تسير إلا باتجاه مصالح العدوة، والصورة هنا معقدة أكثر من أن توصف بكلمات قليلة.

(2)

في وقت سابق، كانت القراءات المعمّقة للحالة العربية تفضي إلى توقّع نشوء الموجة الثانية من موجات الربيع العربي، بسبب بقاء الأسباب والبيئة التي فجرت الموجة الأولى.

لكنني اليوم بتُّ على قناعةٍ بأن ما سيأتي يتجاوز حجم “الموجة” ليس بسبب بقاء أسباب ثورات الربيع فحسب، بل بسبب تفاقم الحالة على غير صعيد، ومستوى وقاحة الاستبداد وتوحشه، على نحو لم نكن نحلم أن نراه حتى في أسوأ كوابيسنا.

اقرأ/ي أيضا: السياسة في حياتنا

فلم يعد ثمّة من خطوط حمراء للمستبد العربي، ومن يرصد خطاب الاستبداد وأفاعيله يصَب بالدوار، لفرط استهانة المستبد بمشاعر شعبه، واستخفافه بهم، وبهذا القدر نفسه من انهيار الخطوط الحمراء للمستبد.

انهارت تلك الخطوط لدى ضحاياه، فصِرتَ ترى ألواناً من الجرأة غير المسبوقة في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الشعبي ومنصاتهما، وغدت “إطالة اللسان!” على رموز الحكم والنظام الرسمي أمراً عادياً جداً، ربما لفرط القهر والظلم الذي هدم قلاع الخوف.

اقرأ/ي أيضا: صفقة القرن “دولة واحدة بنظامين” بدل حل الدولتين

وأودى بكل تحفظ لدى الإنسان المحبط من كل شيء، فهو يشعر أنه يعيش على الحافّة، ولا يدري حين يصبح هل يرى المساء، أم لا، بل ازدادت أعداد من لا يجدون شيئاً يخافون عليه، فانطلقت ألسنتهم بالتعبير عما هم فيه من قهر من دون حسابٍ للعواقب.

وسهلت عملية الانفجار المعرفي وسهولة النشر والتعبير، في إخراج مكنونات الصدور، فكل مواطن عربي اليوم يمتلك محطة بثٍّ فورية، على “تويتر” أو “فيسبوك” أو “واتساب”، ويمكنه أن يقول ما يريد، أو حتى يبث بالصوت والصورة كل ما يعتمر في داخله من غليان..

فهل نحن على أبواب ثورة عارمة في بلاد العرب، وقودها الجوع والقهر والاستبداد والفساد؟

ليس الجواب صعباً، وهو نعم بالتأكيد، لكن الغامض في المشهد هو “متى” فقط، فبرميل البارود الذي تجري عملية ملئه بهمة ونشاط يحتاج إلى شعلةٍ صغيرةٍ كي ينفجر، وأعمى البصر والبصيرة من لا يرى توفر كل عناصر الانفجار، ولكن المشكلة الكبرى هنا هي في صعوبة تشخيص شكل هذه الثورة ومداها، وحجمها، والمشكلة الأكبر هي في غياب رمز أو زعيم أو قائدٍ يمكنه أن يصبح ملهما، أو قاطف ثمار لكل هذا الوقود، وفي كيفية ترشيده كي لا يتحوّل إلى فوضى عارمة، تأكل في طريقها كل شيء، وتنتج حمامات دم وخراباً شاملاً ومخيفاً.

اقرأ/ي أيضا: عداء اليهود وليس معاداة السامية

ربما لم يفت الوقت على تجنيب الأمة مثل هذه النتيجة، فقليلٌ من الإصلاح يكفي ربما لتدارك الأمر، وتهدئة النفوس، وتأجيل الانفجار. ولكن لا يبدو في الأفق أي أملٍ بهذا الأمر، فسادة النظام العربي الرسمي سائرون في غيهم، ربما لأن الدكتاتور أعمى بطبعه، وربما لأنه يشعر أنه يقود خرافاً ودواجن طيّعة، وربما هو مطمئنٌ لدعم “الخارج” له وتشجيعه على المضي في استعباد شعبه، وربما وربما..

لكن ما هو مرجح أننا نعيش ربع الساعة الأخير قبل الوصول إلى ساعة الصفر والانفجار الكبير، والله أعلم.

* حلمي الأسمر كاتب وصحفي من الأردن
المصدر: العربي الجديد – لندن

 

مقترجات:

رسالة مهاتير محمد اليمنية للسعودية

الجزائر: «نصف تنازل» يعني «نصف حلّ»

«حكمة جبران».. واقتصاد لبنان

جرائم إسرائيل بين إدانة أممية وحصانة أميركية

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.