سياقات العمل الإسلامي: الإصلاح والقمع والحرب الأهلية

الساعة 251 أكتوبر 2018آخر تحديث :
سياقات العمل الإسلامي: الإصلاح والقمع والحرب الأهلية
  • الإسلاميون ليسوا كتلةً صمّاء بل لاعب لا تختلف تحركاته عن غيره من اللاعبين السياسيين.
  • ثلاثة سياقات هامة تنوعت فيها خيارات الإسلاميين طوال الأعوام الماضية.
  • الإسلاميون لا يعملون في فراغ وتحرّكاتهم محكومة بطبيعة السياق الذي يعملون وينشطون به.
  • العلاقة بين سياقات العمل الإسلامي وسلوك الإسلاميين ليست ميكانيكية بل تفاعلية بين عوامل كثيرة.

 

عن دمج الإسلاميين وإقصائهم

بقلم: خليل العناني

شهدت السنوات السبع الماضية تحولاتٍ وتغيرات عديدة في ساحة الحركات الإسلامية في المنطقة العربية. وساهمت عوامل عديدة في إعادة تشكيل هذه الساحة، وهو ما أثر بشكل كبير على حسابات الإسلاميين، وخياراتهم واستراتيجياتهم التي اختلفت من بلد إلى آخر، حسب سياق كل بلد وظروفه.

وإن كان من درس مهم يمكن الخروج به من هذه التفاعلات والتحولات، فهو أن الإسلاميين ليسوا كتلةً صمّاء جامدة، وإنما مجرد لاعب سياسي لا يختلف كثيراً، في حساباته وتحركاته، عن غيره من اللاعبين السياسيين، سواء في اليمين أو اليسار.

وأنهم ليسوا استثناء، بل تسري عليهم أحكام الدهر ونوائبه بين صعود وهبوط، ووحدة وانقسام، كما تسري على غيرهم.

وقد لعبت السياقات التي يتحرّك ويتفاعل بها الإسلاميون، ولا تزال، دوراً مهما في تحديد خياراتهم واستراتيجياتهم، وهي سياقات أنتجتها عوامل محلية وإقليمية ودولية. وهنا يمكن الحديث عن ثلاثة سياقات مهمة، تنوعت فيها خيارات الإسلاميين طوال الأعوام الماضية.

الأول هو السياق الانتقالي أو الإصلاحي، والذي تمتعت فيها الحركات الإسلامية بدرجة ما من درجات الدمج والقبول داخل اللعبة السياسية، كما هي الحال في المغرب وتونس والجزائر، وهو ما ساهم في إقدام الحركات والأحزاب الإسلامية على تقديم رؤى فكرية وسياسية متقدمة ومتنوّعة.

تتجاوز أطروحاتها الكلاسيكية، خصوصا فيما يتعلق بقضايا شائكة، كالعلاقة بين الدين والسياسية، وقضايا الحريات الفردية، وحقوق الإنسان، والعلاقة مع الآخر والموقف من المرأة والأقليات. وذلك من دون إغفال أن هذه السياقات ليست بالضرورة ديمقراطية كاملة، أو يحكم بها الإسلاميون بشكل كامل.

الثاني هو السياق القمعي/ السلطوي الذي تتراوح تفاعلاته ما بين الإقصاء الجزئي للإسلاميين (حالة الأردن) والاقصاء الكامل والاستئصال (حالتي مصر وسورية).

وهو سياق خبرناه على مدار السنوات الماضية، ورأينا ما أفضى إليه، سواء من انقسامات وتحزبات داخل الحركات والأحزاب الإسلامية، أو من تشدّد وصعود للأصوات والأجنحة المحافظة داخل هذه الأحزاب والحركات.

وقد دفع هذا السياق الإسلاميين ناحية خيارات متناقضة ما بين التسليم بالواقع والقبول به والتعايش معه، ورفضه ومواجهته سواء سياسياً (مصر والأردن) أو عسكرياً (سورية).

وكان المستفيد الوحيد من هذا السياق التيارات الراديكالية العنيفة، مثل “القاعدة” و”داعش”، والتي سيطرت على المشهد الإسلامي في هذه البلدان جميعاً خلال السنوات الماضية، بشكل أفاد الأنظمة السلطوية القمعية، وساهم في زيادة دعمها الإقليمي والدولي، باعتبارها تشن حرباً على الإرهاب.

الثالث هو سياق الصراع المسلح والحرب الأهلية، وهو السياق الذي لم يترك للإسلاميين خياراً سوى الانخراط في تفاعلاته ودينامياته، حتى لا يتم التخلص منهم، أو أن تتجاوزهم الحسابات السياسية للأطراف المتصارعة، وذلك على نحو ما يحدث في اليمن وليبيا وبالطبع سورية.

وقد أنتج هذا السياق خليطاً من الاستراتيجيات والتكتيكات لدى الحركات والأحزاب الإسلامية، بحسب ظروف كل بلد.

ففي الحالة اليمنية، على سبيل المثال، اضطر التجمع اليمني للإصلاح إلى الانخراط في عملية تفاوضية متغيرة ومتقبلة، تارة مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وأخرى مع الحوثيين، وثالثة ضدهم كما هي الحال الآن.

في حين لعبت علاقته بالدول المجاورة المنخرطة في الصراع، خصوصا السعودية، دوراً مهماً في تحديد خياراته واستراتيجيته خلال الأعوام الماضية. واضطر الحزب للانخراط في صفوف المقاومة الشعبية لمواجهة الحوثيين، ووقف زحفهم باتجاه أهم المدن اليمنية، خصوصا عدن وتعز.

وفي الحالة الليبية، انخرط الإسلاميون في مواجهة عسكرية عبر مليشيات وأذرع مسلحة، لمواجهة التمرّد الذي يقوده خليفة حفتر في مدن الشرق، خصوصا بنغازي.

ورغم انفتاح الإسلاميين على خيارات الحل الأممي والدولي، إلا أن ثمة إصراراً من دول إقليمية، مثل مصر والإمارات، على استئصالهم تماماً من المشهد السياسي الليبي.

وفي سورية، لا يختلف الوضع كثيراً، حيث لا توجد حركة إسلامية واحدة لم تحمل السلاح في مواجهة جرائم الحرب والإبادة التي يشنها نظام بشار الأسد ضد السوريين.

لا تعني السياقات السابقة قطعاً أنها المحدّد الوحيد، أو الرئيسي، لتحرّكات الإسلاميين واستراتيجياتهم، وكأنه مفعول بهم، من دون إرادة ذاتية، أو رؤى مستقلة.

لكن غاية القول هنا إن الإسلاميين لا يعملون في فراغ، وإن قراراتهم وتحرّكاتهم تظل محكومةً ومسكونةً بطبيعة السياق الذي يعملون وينشطون به. كما أنه يجب التنويه إلى أن العلاقة بين هذه السياقات وسلوك الإسلاميين ليست خطية أو ميكانيكية، وإنما هي علاقة جدلية تفاعلية، تتداخل فيها عوامل كثيرة، لا مجال هنا لتفكيكها وتفصيلها، وربما بحاجة إلى حديث آخر.

  • د. خليل العناني أستاذ العلوم السياسية الزائر بجامعة جونزهوبكنز الأميركية.

المصدر: «العربي الجديد»

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة