ميكادو: جنون القوة الذي يصيب إسرائيل يدفعها إلى الهاوية

الساعة 2529 أبريل 2019آخر تحديث :
ميكادو: جنون القوة الذي يصيب إسرائيل يدفعها إلى الهاوية

ميكادو: جنون القوة الذي يصيب إسرائيل يدفعها إلى الهاوية

حاوره: سليمان أبو ارشيد عرب48 

  • الانتخابات أثبتت انزياح مركز الثقل الإسرائيلي بشكل كامل نحو اليمين
  • الحديث عن يمين أيديولوجي يعبر عن غالبية سكانية تتماثل مع قيم العسكرة الكولونيالية
  • الحريديون باتوا جزءًا من اليمين الأيديولوجي يؤمنون بإسرائيل قوية وكولونيالية وكاملة

****

ميكادو

في مقال له تحت عنوان على “هامش الانتخابات الإسرائيلية” يمر د. ماهر الشريف على كتاب “إسرائيل: وقائع كارثة معلنة، وربما لا يمكن تفاديها”، الذي صدر مؤخرًا باللغة الفرنسية ، للكاتب الإسرائيلي اليساري، المناهض للصهيونية، ميخائيل فارشفسكي (ميكادو)، ليتوقف عند استنتاج الكاتب بأن المشروع القومي لإقامة دولة يهودية ولّد “نظامًا يمارس ممارسات فاشية ويستند إلى نزعة عسكرية عدوانية تهدد أمن أولئك الذين من المفترض أن يمثلهم ويحميهم”، وأن إسرائيل باتت “تمثّل خطرًا مميتًا لأكبر جماعة يهودية على كوكبنا”.

ويستذكر الشريف كتابًا سابقًا للكاتب بعنوان “على الطريق إلى قبر مفتوح: أزمة المجتمع الإسرائيلي”، الذي يشير إلى أن إسرائيل “تسارع إلى قبر مفتوح”، وتشهد عملية تحلل سياسي واجتماعي وأخلاقي، لا تعبّر عنها “النزعة العسكرية والمسيانيّة القومية التي تسيطر على الخطاب السياسي الراهن فحسب، وإنما أيضًا تفسخ كل ما يميّز مجتمعًا متحضرًا من وجود قوانين، وأعراف ديمقراطية، وحقوق عامة، وقواعد ناظمة”.

ولفهم انتصار اليمين في إسرائيل واستقراره في السلطة منذ سنة 1999، يستعين الكاتب الفلسطيني بتحليل ميكادو، الذي يرى أنّ نهج اليمين الإسرائيلي أنهى نظامًا في الحكم ووضع أسس نظام جديد، يقوم على الإنهاء المبرمج لدور المحكمة العليا، كضامنة للحريات الأساسية، ومحاربة وسائل الإعلام، واعتبار السكان العرب مواطنين من الدرجة الثانية، وإقرار جملة من القوانين العنصرية والتعسفية، كما يقوم هذا النظام الجديد في الحكم على تعزيز الطابع الديني للمجتمع وانتشار ظاهرة الفساد على نطاق واسع، والتحالف مع الحكومات الأكثر رجعية في العالم.

حول الكتاب ونتائج انتخابات الكنيست، التقينا بمؤلفه، ميكادو، الذي يعتبر من أبرز الناشطين المعادين للصهيونية في إسرائيل، وكان هذا الحوار.

المحاور: أنت تتنبأ بكارثة لا يمكن تفاديها في وقت نرى إسرائيل في أوج قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، كيف ذلك؟

ميكادو: الكتاب الذي صدر باللغة الفرنسية لا يجدّد شيئا للجمهور المحلي، فهو يصف تدهور الدولة بكل ما يتعلق بنزع القفازات في الحرب على المؤسسة القضائية وإزالة القناع الذي كان يتيح لإسرائيل لعب لعبة “الدولة اليهودية الديمقراطية” وإظهارها على حقيقتها.

ربما هذا هو الشيء الإيجابي الوحيد الذي يمكن أن نقوله عن نتنياهو، إنه لا يختبئ وراء أقنعة وهو يفعل ذلك في كل المجالات، وأيضًا، في مجال التحالفات الدولية، فهو لا يخجل بأن تقيم إسرائيل تحالفات مع الحكومات الأكثر فاشية في العالم، إنّ إسرائيل اليوم دولة رجعية أكثر مما كانت عليه في السابق وهي تفخر بذلك.

أما بخصوص سؤالك حول قوة إسرائيل، فإنّ “جنون القوة” (وأنا لا أتحدث عن الحكومة فقط، بل عن جزء كبير من الجمهور) الذي يصيب هذا النوع من الدول يعمي بصيرتها ويجعلها تركض إلى الهاوية، المثال التقليدي هو ألمانيا النازية، ولكن ذلك لن يحدث غدًا أو بعد غد، ولكنّه يشكل نهاية محتومة.

المحاور: يبدو أنّنا في مرحلة تتميز بكثير من الشفافية والوضوح في العلاقات الداخلية والدولية والعربية، أيضًا؟

ميكادو: نعم، التحالفات التي كانت تقوم في الخفاء أصبحت علنية والحديث لا يقتصر عن أنظمة استبدادية وفاشية في بقاع مختلفة من العالم كانت إسرائيل تمارسها خلسة، بل مع دول عربية كذلك، مثل السعودية والأردن ودول الخليج، دفعت سياسة نتنياهو بالعلاقات والتحالفات السرية معها إلى العلن وفي وضح النهار.

المحاور: تتحدث في كتابك عن تحول إسرائيل إلى نظام أبرتهايد؟

ميكادو: أصدقاؤنا في جنوب أفريقيا كانوا يقولون لنا لا تستعملوا مصطلح “أبرتهايد” فهو حالة خاصة بنا، ولكن عندما زارنا القسّ دزموند توتو في البلاد، قال إن ما يحدث هنا أسوأ من الأبرتهايد.

إنه نظام كولونيالي مطعّم بالفاشية، وأنا لا أستخدم هذا المصطلح جزافًا، كما لا أنفرد بهذا التشخيص، فرئيس الوكالة اليهودية الأسبق والوزير الأسبق، إبراهام بورغ، يتحدث بشكل دائم عن نظام فاشي في إسرائيل وكذلك الحائز على جائزة إسرائيل والخبير العالمي بالفاشية في أوروبا في الثلاثينيات، زئيف شتيرنهال.

هنا يوجد مضامين كولونيالية ومضامين فاشية وتطهير عرقي، أيضًا، ولكن، بالمجمل، فالنظام هو نظام كولونيالي بكل ما يتعلق بالخصائص والتاريخ والمؤسسات والسلوك والعقلية الاستعمارية، وينتمي، وفق التعريف العلمي، أولًا وأخيرًا، إلى عائلة الأنظمة الكولونيالية.

المحاور: بالانتقال إلى نتائج الانتخابات قلت في كتابك (صدر قبل الانتخابات) إنّ اليمين عزّز من أسس نظامه منذ عام 1999، هل هناك تغييرات بنيوية أدت إلى تعزيز سلطة اليمين؟

ميكادو: هناك تغييرات ديمغرافية كتب الكثير عنها في وسائل الإعلام، الفئات الاجتماعية التي تشكل قاعدة انتخابية لمعسكر اليمين تتمتع بنسبة زيادة طبيعية أكبر، في المقابل، يتضاءل “معسكر اليسار”، لأنّ الجيل المثقف والليبرالي يهاجر. وللمفارقة التاريخيّة، فإنّ برلين هي التي تشكل اليوم المركز الثقافي اليهودي، وليس تل أبيب أو نيويورك.

ولكن، بالمجمل، فإنّ المجتمع الإسرائيلي منقسم منذ حرب لبنان حرب لبنان عام 1982 إلى نصفين، كان النصف الأكبر حتى عام 2000 هو النصف المعتدل، الأمر الذي انقلب بعد الـعام 2000 ولكن بقي الفارق بسيطًا، إلا أن الانتخابات الأخيرة أثبتت أنّ اليمين يمتلك أغلبيّة صلبة بين الجمهور وبين الأحزاب السياسية.

في الماضي، كنّا نقول إنّه تصويت احتجاجي ضد (رئيس الحكومة الإسرائيلية الأوّل) دافيد بن غوريون وضد سطوة حزب العمل وضد “المعبروت” (مخيّمات تجميع اللاجئين اليهود) وقد كان ذلك صحيحًا لكثير من الوقت، ولكنّنا اليوم أمام يمين أيديولوجي يشكل غالبية سكانية تتماثل مع قيم العسكرة الكولونيالية العنصرية التي تتبناها الحكومة بشكل واضح، وهي قيم لم يتنصل منها حزب الجنرالات المنافس (“كاحول لافان”).

صحيح أنّ الحزب المذكور أراد التخلص من نتنياهو بسبب الفساد وبسبب أسلوب حكمه، إلا أنّه، من ناحية قيمية، لا يوجد بينهما أي فرق.

عرب 48: أنت تقول إنّ حزب الجنرالات الذي قاده بيني غانتس هو يمين، أيضًا؟

ميكادو: بالتأكيد، هم يريدون دولة أقلّ فسادًا وحكومة أكثر نظافة، لأنهم يدركون، أيضًا، أنّ ذلك سيودي بإسرائيل إلى كارثة في النهاية، نظام يتصرف فيه رئيس الحكومة مثل ملك فوق القانون هو نظام ليس جيدًا لإسرائيل وهذا ما حرك الجنرالات ومصوتيهم.

عرب 48: يبدو أنّ اليمين بات يرتكز إلى كتل ديمغرافيّة ثابتة، تتشكل من الشرقيين والحريديين والروس، وهو ما يجعل مسألة تغيير السلطة شبه مستحيلة؟

ميكادو: أنا أرى أن التغيير أيديولوجي أكثر مما هو سوسيولوجي، قد يكون هناك تأثير للتقسيمات الديمغرافية (شرقيون، روس، حريديون)، لكنّ التغيير هو أيديولوجي أساسا ويتمثل بانزياح مركز الثقل الإسرائيلي بشكل واضح إلى اليمين.

في السابق كان يمكن وصف موقف الحريديين بالنفعية وانتهاز الفرص والركض وراء الميزانيات، إلا أن هذا التوصيف لم يعد صالحًا، اليوم هم شركاء أيديولوجيون بالقيم الفاسدة لليمين غير المتدين، إنّه تحالف يقوم ليس على المصالح فقط، بل على الأيديولوجيا المشتركة، إنهم يمين بشكل واضح.

المحاور: ولكنهم غير صهيونيين؟

ميكادو: لن يقولوا إنهم صاروا صهاينة، لأن ذلك لا يناسبهم تاريخيًا، ولكنهم، بالتأكيد، صهاينة متطرفون، وهم مع دولة إسرائيل قوية، كولونيالية وكاملة.

المحاور: ماذا عن المصوّتين الروس؟

ميكادو: نحن نقترب من الجيل الثالث، والحديث عن مليون ونصف مليون روسي هاجروا مع بداية الثمانينيات وحتى أواسط الألفينيّات، لقد أصبحوا إسرائيليين في كل شيء، ولكن يتميزون بأمرين، الأول أنّهم علمانيون جدًا وغير متدينين، وهو الوتر الذي يعزف عليه ليبرمان للحفاظ على بعض التصويت القطاعي في أوساطهم؛ والثاني أن المستوى التعليمي والثقافي لديهم أعلى من المعدّل العام، وحتى الجيل الأول الذي عانى من ضائقة اقتصادية كان مستعدًا لبذل كل شيء ليتمكن أبناؤه من الحصول على الثقافة اللائقة، فكانت المرأة الروسية مستعدة أن تعمل “خادمة” في البيوت لأجل أن تعلم ابنها أو ابنتها في “أكاديمية الموسيقى”.

المحاور: ولكن غالبيتهم يصوتون لليمين؟

ميكادو: هم يصوتون لليمين مثل غالبية المجتمع الإسرائيلي، ربما أكثر قليلا، ليبرمان تحدث بالروسية متوجها لكبار السن ولكن مخزون الأصوات الروسي الذي كان يصوت له غير قائم اليوم، والدليل أنّ حزبه كان على حافة نسبة الحسم.

المحاور: ولكنهم يصوتون لليمين؟

ميكادو: نعم، ليكود.

المحاور: الشرقيون يشكلون قاعدة ثابتة لليمين، حتى لو كان عمير بيرتس أو آفي غباي في رئاسة حزب العمل، أو تم دفع الأعضاء الشرقيين إلى قاع قائمة الليكود، أو إخفاؤهم من الدعاية الانتخابية مثلما حدث مع ميري ريغيف؟

ميكادو: هم ليكود في غالبيّتهم، وهذا هو نجاح نتنياهو الكبير، حيث تمكن من تحويل الليكود إلى بيت كل من هو غير “يسار” واستطاع، بواسطة التخويف والقوة، خلق أغلبيّةٍ له ولليكود في كل أنحاء الدولة.

المحاور: هو نجح، أيضًا، بفعل عزل العرب ونزع الشرعية عن أحزابهم؟

ميكادو: أحد الأشياء الجميلة التي حدثت في الانتخابات قبل الأخيرة كان تشكيل القائمة المشتركة، التي خلقت دينامية وجوًا من التفاؤل وحققت إنجازًا انتخابيًا، أيضًا، وجعلت العرب يستطيعون القول نحن أمامهم، نحن العرب وليس الشيوعيين أو التجمعيين أو غيرهم. كما أن تشكيلها جاء ردًا على محاولات نزع الشرعية وإلغاء الصوت العربي، مثلما كان تفكيكها، الذي يتحمل مسؤوليته أحمد طيبي وأيمن عودة، إنجازا لهذه المحاولات.

هذا علمًا بأنّ نسبة التصويت المنخفضة بين العرب مردها ليس فقط خيبة الأمل من تفكيك المشتركة وأداء الأحزاب العربية، بل هي ناتجة عن ازدياد القناعة بانحسار فاعلية العمل البرلماني في ضوء تصاعد محاولات نزع الشرعية الذي توج بـ”قانون القوميّة” العنصري، ما يضع الأحزاب العربية أمام حاجة لإعادة تلمس طريقها المستقبلي.

ميخائيل فيرشافسكي: أحد مؤسسي حركة “ماتسبين” المعادية للصهيونية ومحرّر مجلتها التي عرفت بها منذ عام 1971، اعتقل أكثر من مرة لرفض الخدمة الإجبارية خلال حرب لبنان 1982- 1983 وحكم عليه بالسجن لمدة سنة بعد إغلاق مركز المعلومات البديلة الذي كان يديره عام 1987، له العديد من الكتب وعشرات المقالات السياسية بأكثر من لغة.

المصدر: عرب 48

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة