سقوط الدبلوماسية الأميركية وتبعاته

الساعة 2517 أغسطس 2018آخر تحديث :
سقوط الدبلوماسية الأميركية وتبعاته

تبرز الولايات المتحدة في عهد ترامب كدولة ساعية للسيطرة بلا رؤية.

يفرض ترامب جباية ومواقف أحادية وبعد التصعيد يبحث عن حلول وتفاوض ومساومات ولقاءات كما فعل مع كوريا واقترح على إيران.

الأزمة السعودية الكندية.. حصار قطر.. حرب اليمن مؤشرات على نمط إدارة العلاقات بين الدول في الزمن الجديد.

 

بقلم: شفيق ناظم الغبرا

ندخل في مرحلة تتميز بالعصبية والتسرع كما والفعل وردات الفعل. الأزمات الأميركية مع الدول التي تحيط بها ومع الدول في العالم بما فيها أوروبا والصين ثم إيران وتركيا هي الاخرى قابلة للاشتعال.

ساد الثقافة العالمية في منتصف القرن العشرين ولبداية التسعينيات خطاب تحدث عن الإمبريالية والهيمنة الأميركية التي أدت لحروب مثل كوريا وفيتنام والانقلابات في العالم، اذا بنا الآن نشهد حالة شبيهة عبر السعي الأميركي للهيمنة وإخضاع العالم لمطالب ورغبات الولايات المتحدة.

هكذا تبرز الولايات المتحدة في عهد ترامب كدولة ساعية للسيطرة بلا رؤية. إن بعض أقل المشكلات تأثيرا كما وأكثرها تعقيدا يمكن أن تخرج عن السيطرة لتتحول لأزمة تؤثر على ملايين الناس.

وعند التدقيق في سياسات ترامب تجاه كندا والصين والمكسيك وتركيا والخليج، سنكتشف انه يقوم بفرض جباية وفرض مواقف بصورة أحادية ثم يبدأ بعد التصعيد بالبحث عن حلول وتفاوض ومساومات ولقاءات كما فعل مع كوريا واقترح على إيران.

هذه الأبعاد المتوترة وصفة أكيدة لامكانية تحول بعض لحالة استنزاف مفتوحة. في البيئة الجديدة حتى العلاقات الغربية العربية كتلك التي ميزت السعودية مع كندا على مدى عقود عدة تحولت لازمة كبرى.

فالأزمة السعودية الكندية ثم حصار قطر وحرب اليمن دليل على نمط إدارة العلاقات بين الدول في الزمن الجديد. لهذا نحن في عالم غير مستقر لأن الدبلوماسية والعمل الهادئ خلف الكواليس لم يعودا مفعلين.

إن مدرسة ترامب هي العنصر المشجع على التوتر الدولي لأنها تقوم على سرعة الإنفعال والاشتعال والتورط، وقد وجدت هذه المدرسة صدى لها بين عدد من الدول. إن سلوك ترامب معدٍ لغيره من القادة في العالم.

تشكل الأزمة الأميركية المشتعلة مع تركيا والتي جاءت بعد الازمة الأميركية الإيرانية تأكيدا لمدى استفحال صناعة الأزمات في النظام الأميركي في عهد ترامب.

الموقف الأميركي الأخير من تركيا (دولة ناتو) مرتبط بتوقيف تركيا للقس الأميركي ومرتبط أيضا بصفقة الصواريخ التركية الروسية وبإمكانية قيام تركيا (ودول كثيرة أخرى) بمساعدة إيران على تجاوز العقوبات الأميركية المفروضة عليها.

بل يمكن القول بأن جزءا من الازمة الأميركية التركية يعود لطبيعة موقفها من القدس والمسألة الفلسطينية. كانت الولايات المتحدة في السابق تحل هذه المشكلات بصورة هادئة وبدبلوماسية، وكانت في السابق الولايات المتحدة مقتنعة بالمساحة التي تملكها الدول في الاختلاف معها.

أما الآن فالولايات المتحدة تبحث عن التطابق، وهذا دفعها لشن الحرب الاقتصادية على دول شتى، في هكذا أجواء يصبح من الطبيعي تدمير العلاقات بين الدول والشعوب.

بنفس الوقت أوروبا مرعوبة من السياسات الأميركية وذلك لخطرها عليها، فانهيار تركيا واقتصادها (كما وإيران) سيؤثر على الاقتصاد الاوروبي وسيعقد قضية الهجرة من البلاد الإسلامية نحو اوروبا.

لهذا بالتحديد ستكون اوروبا وخاصة المانيا في الصف المعارض للكثير من السياسات الأميركية التي تسعى لضرب منافسيها بوسائل لا هي شرعية ولا هي أخلاقية. وهذا يفسر الموقف الألماني تجاه الليرة التركية والإقتصاد التركي.

ويحق لنا ان نتساءل: ماذا جرى للولايات المتحدة لتدمن على استخدام العقوبات مع الحلفاء قبل الأعداء؟

فهناك جنون جديد اسمه العقوبات والمقاطعة والمحاصرة. إن هذا النمط من العقوبات، خاصة في ظل معارضة دولية متنامية، سوف يؤدي لبروز تحالفات جديدة ومحاور اقتصادية أجدد. ان معارضة الدول للسياسات الأميركية سيقلل من أثر هذه العقوبات التي تطيح بالحد الادنى من الثقة بدور الولايات المتحدة.

يجب أن نتذكر بأن أصعب عقوبات في التاريخ الحديث هي تلك التي وضعت على العراق في زمن الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ومع ذلك كانت تلك العقوبات مخترقة على كل صعيد.

إن معارضة الأوروبيين لوضع العقوبات على ايران، كما أن موقف الشركات الصينية والروسية والتركية حول العقوبات المفروضة على إيران سيؤثر بالمعادلة. المقصود هنا بأن ايران لن تترك لوحدها وذلك لمنع تملصها من الاتفاق النووي الذي يمهد لتصنيعها لأول قنبلة نووية.

في المقابل نجح ترامب في إقناع قطاع كبير من الأميركيين بأنه منقذهم الاقتصادي والقادر على تأمين اقتصاد رفاه، وهذا صحيح في جانب، فالاقتصاد الأميركي في حالة أفضل من السابق، لكن ترامب يوجه رسائل مليئة بالعنصرية والاستخفاف بالقانون لقطاع كبير من الأميركيين.

إن سياسات ترامب ضد الاقليات ولغته الفظة وأسلوبه العدائي هو الآخر يثير التناقضات من حوله. هكذا يستحوذ ترامب على الكثير من التأييد والكثير من الكراهية بنفس الوقت، انه الرئيس الذي يثار حوله كل شيء كل يوم، ولهذا فالشعب الأميركي يعاني من انقسامات هي الأعمق في تاريخه منذ الحرب الأهلية الأميركية في أواسط القرن التاسع عشر.

سيحاول العالم التفاهم مع الولايات المتحدة، لكن الفارق هذه المرة هو أن التفاهم مع قوة تبدو عمياء مختلف عن التفاهم، كما كان الامر في السابق وفي زمن الرئيس أوباما ورؤساء أميركيين آخرين، مع دولة كبرى تتحمل المسؤولية ولديها رؤية وتمارس الدبلوماسية.

قد تجد تركيا انه من الأفضل لها التفاهم مع الولايات المتحدة، وقد تجد إيران بأن التعامل مع الولايات المتحدة أفضل من مواجهتها، لكن الولايات المتحدة فقدت في العامين الاخيرين الكثير من المصداقية والدور والتأثير كما ان المواجهات مع الكثير من السياسات الأميركية واقعة لا محالة.

العالم يتغير، وقد تبدو أميركا غير عابئة بالعالم، غير مهتمة بنتائج سياساتها بل غير مهتمة بآراء الناس والشعوب، يكفي أن نستعرض قرار الولايات المتحدة بتطبيق منع شامل لدخول عدد من الجنسيات التي تنتمي لدول وشعوب عربية وإسلامية لنكتشف المدى الذي تتحرك عبره سياسة ترامب الجديدة.

لهذا من الطبيعي ان تشهد هذه المرحلة الكثير من التراجع في المكانة الأميركية، وفي قدرة أميركا على اقناع الدول أو التأثير عليها و جرها لمواقفها، لكن من الطبيعي، في بيئة دولية مثل هذه، أن يندلع مزيد من الاشتباكات والنزاعات والحروب.

٭ د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

المصدر: القدس العربي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة