بين «دنيا» البصرة و«خرابها»

الساعة 2510 سبتمبر 2018آخر تحديث :
يعجّ العراق
احتجاجات البصرة العراق
  • البصرة من أعرق حواضرنا نافست الكوفة في وضع قواعد النحو العربي، ووهبت الأدب العربي أسماء هامة.
  • لم تعد البصرة دنيا مذ آلت أمور العراق إلى ميليشيات الفساد الطائفية: مضرب المثل في سرقة المال العام!
  •  صوّب طغاة العراق الجُدد السابحون في نعيم المنطقة الخضراء بنادقهم صدور عارية ليوقعوا قتلى وجرحى في صفوف المحتجين على خراب وفساد وعبث.

 

بقلم: حسن مدن

أتينا مرة على ذكر معلومة مضمونها أنه من الأقوال الشائعة في بلدان الخليج العربي قول شهير هو: «الدنيا بصرة»، يقال للتعبير عن حال الفرح والبهجة والرخاء ويسر الحال، فحين يجري الحديث عن أوقات أو فترات زمنية توفر فيها شيء من هذا، يقال «كانت الدنيا بصرة».

وأصل هذا التعبير عائد إلى ما كانت عليه البصرة من ازدهار تجاري وثقافي وفني في مراحل سابقة، وليست بعيدة كثيراً بالمناسبة، فالحديث هنا إنما يدور عن مطالع القرن العشرين ومنتصفه، حين كانت البصرة محط أنظار أهل الخليج من تجار اللؤلؤ، ومن المهتمين بالثقافة والفن، ومن الناس الراغبين في فسح للترفيه والأنس، لم تكن متاحة في بلدانهم آنذاك.

وحين يرد اسم البصرة تنبعث في الذهن صورة تلك المدينة الجميلة التي ترتاح على شط العرب وتطوقها غابات النخيل الكثيفة التي تطبع المدينة بروح هي منذورة لها.

وليست مصادفة أن البصرة هي المدينة التي نشأت على أرضها أهم الحركات الفكرية والفلسفية في التاريخ العربي الإسلامي التي أضفت على العراق وعلى الحضارة العربية الإسلامية، في أوقات ازدهارها، ما عرفت به من خصوبة في الفكر ومن احتكام إلى العقل.

وحين نذكر البصرة، فإننا بصدد واحدة من أهم وأعرق الحواضر العربية والإسلامية التي تنافست مع الكوفة في وضع قواعد النحو العربي، ووهبت الأدب العربي، وعلى مر التاريخ أسماء مهمة.

منها الحسن البصري الفقيه المشهور والجاحظ الكاتب الموسوعي، وإن ننسى فلا ننسى الحلاج الذي أتى البصرة مع والده وهو في العشرين من عمره، وفيها أخذ مبادئ التصوف عن عمرو المكي.

ومن يستطيع أن يكتب تاريخ الحداثة الشعرية العربية دون التوقف عند البصرة التي أعطتنا شعراء كباراً من وزن بدر شاكر السياب الذي جعل من نهر صغير فيها اسمه بويب ذاكرة شعرية يعرفها كل قراء ومتذوقي الشعر في العالم العربي من أدناه حتى أقصاه؟

لم تعد البصرة دنيا كما كانت منذ أن آلت الأمور فيها، وفي العراق، إلى ميليشيات الفساد الطائفية، التي صارت مضرب المثل في سرقة المال العام الذي أتخمت به جيوبها وحساباتها في المصارف، وأعادت العراق عقوداً إلى الوراء في كافة مظاهر الحياة فيه.

فإذا بمدينة كانت مشعة بالنور والثقافة، ومحاطة بالمياه، بلا كهرباء ولا ماء، وانهار فيها مستوى البنية التحتية إلى الحضيض.

وكما يفعل الطغاة في كل مكان، لم تجد نخبة المحاصصة الطائفية القابضة على مقاليد السلطة وخزائن المال في العراق وسيلة للتعامل مع أبناء البصرة الذين نفد صبرهم، فخرجوا إلى الشوارع بقبضات وصدور عارية، سوى لغة العنف والدم.

فصوّب طغاة العراق الجُدد، السابحون في نعيم خطهم الأخضر نيران بنادقهم نحو تلك الصدور العارية ليوقعوا القتلى والجرحى في صفوفهم، غير آبهين بحل ما خرج الناس يحتجون عليه من خراب وفساد وعبث.

  • د. حسن مدن كاتب بحريني.

المصدر: صحيفة «الخليج» الإماراتية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة