انكار المنكر وسيلة لبناء المجتمع السوي

محمد كمال الشريف24 أكتوبر 2018آخر تحديث :
انكار المنكر وسيلة لبناء المجتمع السوي

انكار المنكر وسيلة لبناء المجتمع السوي

 

نستأنف معكم في هذه السلسة مجموعة مقالات مرتبطة ببعضها لتشكيل رؤية حول الممارسات السلوكية الصحيحة اسلاميا وايضا نفسيا لبناء مجتمع سوي. ويحدد الدكتور محمد كمال الشريف استشاري الطب النفس والمفكر الإسلامي في سلسلة مقالات له مستوحاة من كتابه تربية الطفل والمراهق رؤية نفسية اسلامية : كيف يهدم المجتمع كرامة أفراده؟ .. ثلاثة أساليب لا تتوافق مع القيم الإنسانية والدينية لدى الدين الإسلامي، يتعامل بها المجتمع مع أفراده لتوفيق اختياراتهم الحياتية وفق الرؤوية المجتمعية”.

ولكن يجب التميز بين الغيبة وبين انكار المنكر

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، رواه مسلم.
وقال أيضاً: (والذي نفسي بيده! لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعثَ عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)، رواه الترمذي، وقال حديث حسن.

وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إنّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله، وشريبه، وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض)، ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ {78} كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ {79} تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ {80} وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ {81} لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ {82}} المائدة :78{. ثم قال: (كلا والله! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم)، رواه أبو داوود والترمذي، وقال حديث حسن. هذا لفظ أبي داود.

ولفظ الترمذي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)، فجلس رسول الله عليه وسلم وكان متكئاً، فقال: (لا والذي نفسي بيده! حتى تأطروهم على الحق أطراً)، وقال النووي مفسّراً: (قوله: تاطروهم، أي: تعطفوهم، ولتقصرنه، أي لتحبسنّه). (رياض الصالحين رقم 196).

والكفر والاستهزاء بآيات الله هما أشد المنكرات، وأقبحها، وقد قال الله تعالى مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم في مكة: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} }الأنعام:68{.

وقال أيضاً مخاطباً المؤمنين جميعهم في المدينة المنورة، حيث كان يعيش معهم اليهود والمنافقون: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} {النساء:140{.

وقد قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي: غير الكفر {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يتجنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، فكّل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم، حتى لا يكون من أهل هذه الآية).

أما ابن كثير – رحمه الله – فقال في تفسير الآية نفسها: (أي: إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله، ويستهزأ، وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فلقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} في المأثم، كما جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدةٍ يُدار عليها الخمر)، رواه ابن حجر في فتح الباري وقال: إسناده جيد.

فإنكار المنكر في المجتمع الإسلامي شيء مختلف تماماً عن كلام الناس، وعن الغيبة، والتعييب، والتعيير في مجتمعات التقاليد، و الإسلام لا يرضى أن نقع في الغيبة، أو نفضح مسلماً استتر بمعصيته إن أطلعنا نحن عليها من أجل أن ننكر المنكر؛ لأن الغيبة وفضيحة المسلم منكر في حد ذاته، وقد يكون أكبر بكثير من المنكر الذي نريد أن ننكره.

وكلام الناس في مجتمعات التقاليد يعبر عما في نفوس الناس من مشاعر عداوة، وبغضاء، وحسد، وشماتة تجاه بعضهم بعضاً، فتراهم يجدون لذة ومتعة في تتبع عورات الآخرين، والحديث عن عيوبهم وأخطائهم، وتمضية الأوقات الممتعة في المجالس، والأمسيات، وأحاديث الجارات. إن كلام الناس ليس كإنكار المنكر يهدف بإخلاص إلى إعادة العاصي الذي وقع في المنكر إلى تقوى الله وطاعته، إنما يستشعر من يخوض في أعراض الناس أنه خير منهم طالما أنهم لهم عيوب مع أنه له عيوب مثلهم، وإن كانت ما تزال مستورة عن الناس، لم تصل عيونهم إليها بعد.

إن إنكار المنكر في المجتمع المسلم تبدأ أول درجة فيه من استشعار عدم الرضا عما فعله مسلم آخر من معصية، أو عما وقع فيه منافق، أو كافر من إلحاد، وعناد.

والدرجة الثانية بعد الإنكار القلبي: أن يتوجه المرء بالنصيحة المخلصة للذي وقع في المنكر، وأن يذكره بالله، ويدعوه إلى تقواه، وهو يستشعر حب الخير له، والرحمة له، والخشية أن ينساق هذا الإنسان وراء الشيطان، فيكون من أهل النار.
إن المودة والرحمة هما اللتان تحركان المؤمن كي ينكر على مؤمن آخر معصية وقع فيها، ولكي ينهاه عنها، ويأمره بالمعروف من طاعة الله؛ لذا كان إنكار المنكر، والنهي عنه، والأمر بالمعروف في المجتمع نصيحة في الوجه، وليس غيبة وراء الظهر، وكان موعظة حسنة مع الستر، ولم يكن فضيحة، وإخباراً للناس عما اكتشف من أخطاء أخيه المسلم، وكان موقفاً واضحاً من المنكر، فلا يجلس المؤمن في مجالس المنكر والمعصية، بخلاف كلام الناس الذي يكون في الوجه حسناً، ومن وراء الظهر تعييباً وانتقاصاً، أي: يكون نفاقاً اجتماعياً، ويكون المرء فيه ذا وجهين، أو أكثر.

إن الفرق كبير جداً ما بين كلام الناس وإنكار المنكر؛ لأن كلاً منهما يصدر عن روح هي نقيض الأخرى، ويعبر عن أخلاق وقيم هي على النقيض مما يعبر عنه الآخر.

وإنكار المنكر لا يعني كراهية المسلم الذي وقع فيه، والحقد عليه، ومقاطعته مقاطعة تامة، بحيث يصير المجتمع مجتمعين: الأول: جماعة الطائعين، والثاني: جماعة العصاة، فيشعر العاصي أنه لا ينتمي إلى فئة الطائعين، فلا يبق لرأيهم فيه وصداقتهم له أية قيمة في نظره؛ لأنهم يعاملونه على أنه ليس منهم، ولا يلمس منهم المودة والرحمة التي يجب أن يحملها المسلم للمسلم، الطائع منهم والعاصي على حد سواء.

إن التطرف في إنكار المنكر، وبلوغ الأمر حد الكراهية والقطيعة يفقد المجتمع المسلم الفائدة التربوية المرجوة من هذا الإنكار للمنكر، فيجب الحرص على التوازن، والاعتدال، وتنقية المشاعر تجاه من نأمرهم بالمعروف، أو ننهاهم عن المنكر.

لديك كنز من المعلومات في قسم بنون، ويرتبط باساليب فهم و تربية الاطفال و المراهقين، اذا كان لديك ابن او ابنه في سن الطفولة أو المراهقة او قريب من سن المراهقة، فمن المهم ان تتطلع على هذا القسم و به الكثير من المقالات المكتوبة بقلم المفكر الاسلامي واستشاري الامراض النفسية الدكتور محمد كمال شريف الرابط هنا

تنويه: الكلمات الملونة من كتابة محرر المقال وليس من نص مقال الكاتب..

موضوعات تهمك:

متى تباح الغيبة بحسب الامام النووي

لماذا ننجب أولادنا؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة