هل يمكن تغيير السلطة سلمياً في بلادنا؟

هل يمكن تغيير السلطة سلمياً في بلادنا؟

  • هذا الفصل الراهن الذي تواجهه انتفاضة السودان رغم هوله وبشاعته ليس نهاية المطاف..
  • لأن وحدات من الجيش النظامي والشرطة تعاطفت مع المتظاهرين فقد جُردتا من الأسلحة وأطلق العنان للجنجويد الجدد.
  • نال الفريق حميدتي ما لم يكن يحلم به، إذ استقبله محمد بن سلمان بشكل رسمي في محادثات يظللها علمي بلديهما كأي رئيسين.

* * *

بقلم | نهلة الشهال

والسؤال يصلح أصلاً لكل مكان. في فرنسا مثلاً، بلد الثورات وبلد الحريات، عوملت حركة “السترات الصفراء” الاحتجاجية والمطلبية بمزيج من التجاهل والقمع والتشنيع.. والكثير الكثير من الكذب والتلفيق من قبل المسئولين.

وهي لم تكن ثورة، ولم تكن تطالب باسقاط النظام. عشرات فقدوا عيناً أو يداً بسبب قنابل من نوع شديد الايذاء ألقتها عليهم الشرطة في الشوارع والساحات العامة، وهو سياق غير مسبوق في هذه البلاد.

هناك ضحايا فقدوا حياتهم في إطار هذا القمع، وهناك مئات الجرحى وآلالاف ممن أوقفوا أو تعرضوا لملاحقات قضائية. وقد أصاب الجنون الطبقة الحاكمة فلوحت بانزال الجيش، لولا أنه ما زال هناك في فرنسا سلطات دستورية عليا ضربت على أصابع الحاكم قبل أن يفعل.

استمرت الاحتجاجات بزخم هائل منذ تشرين الثاني /نوفمبر 2018، وحرّكت الملايين احياناً، ومئات الالوف على أية حال، كل يوم سبت ولمدة ستة اشهر.

ثم بدأت بالخفوت، ليس لأنها حققت بعض مطاليبها، بل لعجزها عن تحقيق أي مطلب! هل هذا انتصار للسلطة؟ هل يُثبت أن الحركة الاحتجاجية والمطلبية تلك كانت مجرد “فقاعة”؟

بل هو يدفع الى التساؤل الذي بدأ به هذا الكلام.

حققت انتفاضات الجزائر والسودان السلميتان انتصارات: تراجع بوتفليقة في الجزائر بعد مناورات ومحاولات التفاف، ثم أقيل ثم اوقفت عصابته. وهذا ثمين.

ودخل النظام القائم على إثر ذلك في أزمة حادة تمثلت بصراعات بين أقطابه وبعجزه عن تنفيذ مخططه القاضي باجراء انتخابات رئاسية في تموز / يوليو القادم، مثلما قرر منفرداً وضد إرادة الناس، مقزّماً المشكلة، متجاهلاً أنها ليست في شخص الرئيس.

وأقيل عمر البشير في السودان، وبدا العسكريون الذين انقلبوا عليه مترددون ومنقسمون فيما بينهم حول كيفية إدارة الموقف، ولاسيما انهم واجهوا انتفاضة شعبية عارمة تمتلك إطاراً متبلوراً يعرف ماذا يريد: السلطة للمدنيين.

ناوروا هم أيضاً كثيراً فاستقبلوا ممثلين عن “قوى إعلان الحرية والتغيير” وادّعوا انهم يفاوضونهم للتوصل الى صيغة توافقية. ثم راحوا يرسلون إشارات تمهد لانطلاق نيتهم الفعلية، وهي قمع كل هؤلاء وقتل من تطاله ايديهم والقاء جثثهم في النيل!

وكان ذلك يتبلور طردياً مع وصول أموال هائلة من السعودية والامارات وُضعت في المصرف المركزي السوداني كودائع أو كدعم. ففي 21 نيسان /إبريل اعلنت الرياض عن تقديم دعم مالي قيمته ثلاثة مليار دولار للسودان.

فأصدر المجلس العسكري بياناً يقول “السودان يقف مع المملكة ضد كافة التهديدات والاعتداءات الإيرانية والمليشيات الحوثية”، و”أنّ القوات السودانية ستظلّ موجودة وباقية في السعودية واليمن وسنقاتل لهذا الهدف”.

وهذا ما كان الاميران الخليجيان يريدان سماعه، ولاسيما ان هناك فعلاً قوات سودانية تقاتل في اليمن، لأن لا الاماراتيون ولا السعوديون يقاتلون بانفسهم! ثم خاف الأميران من تداعيات يمكن أن تقع في غير مصلحتهما، فاستدعيا رئيس المجلس العسكري ونائبه الى الرياض بعد أبوظبي.

الأول لحضور قمم مكة الثلاثة، والثاني للعمرة! ووبخاهما على وجلهما. وكان خبراء يقدّمون من جهتهم وفي الظل النصائح الميدانية في كيفية فض الاعتصامات.

ونال الفريق حميدتي ما لم يكن يحلم به، إذ استقبله محمد بن سلمان بشكل رسمي في محادثات يظللها علمي بلديهما كأي رئيسين.
حميدتي هذا يقود تنظيماً عسكرياً نشأ كميليشيا وظيفتها الترويع بالقتل والاغتصاب الجماعيين: “الجنجويد” سيئة الذكر، التي برعت في مهمتها خصوصاً في دارفور مطلع القرن الحالي.

وهو يقول بكل أناقة أنه يسعى لـ”فرض هيبة الدولة بالقانون”، وأن انقضاض ميليشياه (التي صار اسمها “قوات الدعم السريع” وصارت وحدة رسمية وإن منفصلة عن الجيش) على المعتصمين السلميين كان للحيلولة دون “قيام نظام آخر أكثر شمولية من نظام البشير الشمولي”.

ولأن وحدات من الجيش النظامي والشرطة كانتا متعاطفتين مع المتظاهرين، وغير موثوقتين بالتالي، فقد جُردتا من الأسلحة، وأطلق العنان للجنجويد الجدد.

حسناً، هذا في الوقائع.

يضاف اليها أن الجنرال البرهان رئيس المجلس العسكري الذي كان قد أعلن عن وقف التفاوض مع “قوى الحرية والتغيير” وإلغاء كل الاتفاقات السابقة معها واجراء انتخابات بعد تسعة أشهر يشرف عليها المجلس العسكري لوحده، عاد لدعوة تلك القوى الى التفاوض “بدون شروط مسبقة”، بعد “التأديب” الذي وُجه لها وذهب ضحيته ما يفوق المئة بينهم نساء واطفال كانوا في ساحة الاعتصام وأحرقت خيامهم فوق رؤوسهم.

لعل “قوى إعلان الحرية والتغيير” و”تجمع المهنيين” قد راهنوا على أمثلة سابقة في تاريخ السودان الحديث أُبطلت فيها انقلابات عسكرية بالاضراب العام، وبشكل سلمي..

لعلهم راهنوا على التحرك المهول الذي استمر منذ 19 كانون الاول / ديسمبر 2018 ولم يخفت، بل تصاعد محافظاً على سلميته.

لعلهم راهنوا على افتقاد هؤلاء الضباط لأي قاعدة شعبية وافترضوا أنهم سيحسبون ألف حساب في بلد تنتشر فيه التمردات والاسلحة، أو راهنوا على انفجار صراعاتهم البينية، كما الضباع، أو على انشقاق صغار الضباط الخ..

لعل ما فاتهم أن عالم اليوم – وبغض النظر عن خصائص السودان – تحكمه القوة العارية الفجة، وأن روسيا والصين كلاهما يحسبان فقط حساب مصالحهما في السودان وفي سواه وهما لا تكترث لمصالح الناس وتقترب من الاطمئنان للمجلس العسكري.

لعلهم لم يقدّروا حق قدره مبلغ شره بن سلمان وبن زايد للسلطة وكونهما متخلصان من كل الاعتبارات – كلها فعلاً – التي حكمت آباءهما وسيرت خطاهم، عراة إلا من المال والسلاح، فيتعاملان مثلاً مع إسرائيل كحليف موثوق.

لم يقدّروا مبلغ الوحشية.

لكن، وعلى أية حال، وأياً كان مآل الحراك الشعبي العارم والمدهش – والمجزرة المرتكبة حالياً ليست نهاية المطاف – يبقى انه “من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأصابه”.

* د. نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية رئيسة تحرير “السفير العربي”.

المصدر: السفير العربي

موضوعات تهمك:

معضلة المدني والعسكري والديني عربيا

سلمان العودة وآخرون.. لماذا لم تفرج السعودية عن علماء الشريعة حتى الآن؟

آن لهذا التخبط أن يتوقف

ماذا تغير الحالة العربية: صراع النخب والشعب؟

اكتب تعليقك
تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.
عاجل