هل من ربيع جديد؟

هل من ربيع جديد؟

مظاهرات تواجهها أنظمة مستعدة وتحالفات إقليمية تريد وأد فكرة الثورة وشعوب تستذكر بمرارة تجارب الثورات المضادة!
حتى الآن لم تتكون الكتلة الحرجة التي تمثل نقطة اللاعودة في الحراك الشعبي ولا يبدو أن استجابة الأنظمة ستختلف كثيراً عما سبق.
هل يسود المنطق وتدرك الأنظمة أن الشعوب يسهل التفاهم معها بعقد اجتماعي يوفر الحياة الكريمة والحد الأدنى من العدالة؟
أزمة السودان الاقتصادية الخانقة وصلت مستوى لا يجد معه المواطن العادي ما يخسره بخروجه للمطالبة بإسقاط النظام.
ترشُح بوتفليقة لولاية خامسة جعل المواطنين يقولون كفى في ظل ظروف اقتصادية خانقة.
العربي الحر الذي يطلب الحرية والعدالة لم يمت فما زالت الروح التي انطلقت مع الربيع العربي تدب في وعي الملايين رغم اختلاف الفصول.

بقلم: ماجد الأنصاري


سريعاً تطورت الأحداث في السودان وتبعتها الجزائر، من جديد مظاهرات شعبية تجتاح عواصم عربية مطالبة بالإصلاح وبرحيل الوجوه التي تسيدت المشهد لعقود، لكن البيئة هذه المرة مختلفة تماماً.


هذه المظاهرات تواجهها أنظمة مستعدة وتحالفات إقليمية حريصة على وأد فكرة الثورة وشعوب تستذكر بمرارة تجارب الثورات المضادة، فهل يمكن أن يكون هناك ربيع ثان في ظل هذه الظروف؟

هناك بلا شك ظروف خاصة بكل من السودان والجزائر ولكنها لا تختلف كثيراً عن ظروف تونس ومصر وبقية دول الربيع العربي إبان الثورات، أزمات اقتصادية وتكريس للقمع واستمرار لقيادات أمضت عقوداً في مناصبها.

وبالتالي، لا تختلف الدوافع وظروف الداخل لكن ظروف الخارج مختلفة، فلم يعد الاستقرار هو الأصل في المنطقة فالعديد من دول المنطقة غدت دولاً هشة أو فاشلة.

اقرأ/ي أيضا: «المؤرخ» ضاحي خلفان يندد باحتلال المسلمين للأندلس!

وهناك تحالف تشكل على فكرة محاربة الحراك الشعبي والإصلاح السياسي أصبح لديه مشروع هيمنة جديد قائم على تكريس الأنظمة القمعية ودعمها ومحاولة إسقاط أي قوة داعمة للتغيير.

المفارقة أن السودان والجزائر كانتا مرشحتين لحدوث هبات شعبية خلال الربيع لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فالسودان التي كانت تواجه حروباً أهلية عدة لم تكن الأجواء مهيأة لذلك وفي الجزائر كانت تجربة حقبة التسعينيات المريرة كفيلة بإطفاء فتيل الحراك.

إذن ما الذي اختلف اليوم؟

بالنسبة للسودان كانت الأزمة الاقتصادية الخانقة هي الدافع الرئيس مع وصول تداعياتها إلى مستوى لا يجد المواطن العادي ما يخسره حال خروجه للمطالبة بإسقاط النظام.

اقرأ/ي أيضا: الإمارات والسردية الصهيونية

في الجزائر كانت ترشُح بوتفليقة لولاية خامسة كفيلا بأن يقول المواطنون كفى خاصة في ظل ظروف اقتصادية خانقة، لكن حتى الآن لا يبدو أن الكتلة الحرجة التي تمثل نقطة اللاعودة في الحراك الشعبي قد تكونت، من ناحية أخرى لا يبدو أن استجابة الأنظمة ستختلف كثيراً عما سبق.

بيان الرئيس السوداني لم يشر إلى تنحيه أو حتى عدم نيته الترشح بل أعلن حالة الطوارئ في البلاد، صحيح أنه قام بتغيير حكومي شامل لكن مازال ذلك في إطار الحفاظ على النظام كما هو.

في الجزائر لا يبدو أن النظام يلتفت للمظاهرات التي بدأت تحشد أعداداً لا بأس بها ولكن هناك أمور تستحق المتابعة في المشهد فالإعلام الرسمي مثلاً ينقل أخبار المظاهرات بشكل غير معتاد في مثل هذا الوضع.

اقرأ/ي أيضا: مؤتمر وارسو: تناقضات وأبعاد

إذن أين تمضي الأمور؟ هناك ثلاثة سيناريوهات أمامنا:

السيناريو الأول هو أن تفلح التظاهرات في البلدين في حشد أعداد أكبر سريعاً وتلجأ الأنظمة للممارسات القمعية المعتادة ما يأخذ البلدين إلى حالة تغيير سياسي ليست بالضرورة باتجاه إصلاحي بل قد تكون لصالح الدولة العميقة كما حدث في تجارب سابقة.

السيناريو الثاني هو أن تنطفئ جذوة التظاهرات كما بدأت وكما حدث مع أصحاب السترات الصفراء وأن تقدم الأنظمة على إجراءات محدودة تكون كفيلة بكبح جماح من لم يخرج بعد للتظاهر.

اقرأ/ي أيضا: خفايا الحملة الصليببية لترامب

السيناريو الثالث هو أن تتحول المظاهرات السلمية إلى عمل مسلح نتيجة المواجهات مع الأجهزة الأمنية.
في السودان تبدو الأمور مرشحة للتصعيد وخاصة بعد بيان الرئيس وعليه ربما يكون السيناريو الأول أو الثالث أقرب للحدوث هناك وسيعتمد ذلك على التعاطي الأمني مع الأحداث بعد فرض حالة الطوارئ وما زال الباب مفتوحاً أمام تراجع النظام في الوقت المناسب وإنْ كان لا يوجد ما يبشر بذلك.

في الجزائر يبدو الوضع مختلفاً حيث مازال الوقت مبكراً للحديث عن مظاهرات شاملة كما أن النظام لديه العديد من الخيارات لتفادي الأزمة بدءًا من انسحاب بوتفليقة وانتهاءً بتنويع دائرة المرشحين ولو شكلياً.

لذا يبدو السيناريو الثاني أقرب مع توقع أن ترتفع وتيرة المظاهرات لتعود بعد فترة فتخبو، ولكن لا بد من الإشارة إلا أن كمية المتغيرات في الحالتين كبيرة جداً في الوقت الحالي ما يصعب التنبؤ.

لا شك أن الحماس المثالي لفكرة الثورة لم يعد كما هو لدى الكثير من المراقبين العرب، فالحلم الطوبائي بالثورة التي تقود العالم العربي إلى مستقبل ملؤه العدل والاستقرار والازدهار وأدته الثورات المضادة.

اقرأ/ي أيضا: محاكم التفتيش الحديثة

لكن ما يحدث هذه الأيام دلالة واضحة على أن العربي الحر الذي يطلب الحرية والعدالة لم يمت، تلك الروح التي انطلقت مع الربيع العربي ما زالت تدب في وعي الملايين ما اختلفت عليها الفصول.

كلنا أمل أن تسود لغة المنطق وأن تدرك الأنظمة التي تواجه المظاهرات أن الشعوب يسهل التفاهم معها بعقد اجتماعي ليس مثالياً ولكنه يوفر الحياة الكريمة ويضمن الحد الأدنى من العدالة، واحفظ اللهم السودان والجزائر والشعوب الصامدة في كل مكان.

  • د. ماجد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر.
    المصدر: الشرق – الدوحة
اكتب تعليقك
تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.
عاجل