‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

ننشر لكم ثمانية عشر قصيدة ( من الأعمال الكاملة .لأمل دنقل )

ننشر لكم ثمانية عشر قصيدة ( من الأعمال الكاملة .لأمل دنقل )

 

ننشر لكم اليوم ثمانية عشر قصيدة من قصائد الشاعر الجنوبى الراحل امل دنقل على امل ان نداوم نشر دواوين كبار شعراء العروبة فى الفصحى والعامية والشعر الشعبى الخليجى .

وامل دنقل هو شاعر مصري مشهور قومي عربي، ولد في أسرة صعيدية في عام 1940 بقرية القلعة، مركز قفط بمحافظة قنا في صعيد مصر. وتوفي في 21 مايو عام 1983م عن عمر 43 سنة.

وصدر لة الاعمال الكاملة عن وزارة الثقافة فى اكثر من طبعة وهو من اشهر شعراء عصرة وانضجهم فنيا وتجربتة الشعرية العبقرية مازالت بكرا وتحتاج الى الدراسة والتحليل بقدر جمالها وروعتها ومع القصائد المختارة لعلها تروق لكم ( المحرر)

 


(لا تصالحْ!  )


..
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما – فجأةً – بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ – مبتسمين – لتأنيب أمكما.. وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(
إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك “اليمامة
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!
(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
“..
ما بنا طاقة لامتشاق الحسام..”
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن “الجليلة
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: “انتبه“!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضلعين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا – بهجةُ الأهل – صوتُ الحصان – التعرفُ بالضيف – همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي – الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ – مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(
في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
(9)
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ

 

 

 

( ماريا )

ماريّا ؛ يا ساقية المشرب
اللّيلة عيد
لكنّا نخفي جمرات التنهيد !
صبى النشوة نخبا .. نخبا
صبى حبّا
قد جئنا اللّيلة من أجلك
لنريح العمر المتشرّد خلف الغيب المهلك
في ظلّ الأهداب الإغريقيّة !
ما أحلى استرخاءه حزن في ظلّك
في ظلّ الهدب الأسود
……………….
ماذا يا ماريّا ؟
الناس هنا كالناس هنالك في اليونان
بسطاء العيشة ، محبوبون
لا يا ماريّا
الناس هنا – في المدن الكبرى – ساعات
لا تتخلّف
لا تتوقّف
لا تتصرّف
آلات ، آلات ، آلات
كفى يا ماريّا
نحن نريد حديثا نرشف منه النسيان !
……………………..
ماذا يا سيّدة البهجة ؟
العام القادم في بيتي زوجة ؟ !
قد ضاعت يا ماريّا من كنت أودّ
ماتت في حضن آخر
لكن ما فائدة الذكرى
ما جدوى الحزن المقعد
نحن جميعا نحجب ضوء الشمس و نهرب
كفى يا ماريّا
نحن نريد حديثا نرشف منه النسيان
………………
قولي يا ماريّا
أوما كنت زمانا طفلة
يلقي الشعر على جبهتها ظلّه
من أوّل رجل دخل الجنّة واستلقى فوق الشطآن
علقت في جبهته من ليلك خصله
فضّ الثغر بأوّل قبله
أو ما غنّيت لأوّل حبّ
غنّينا يا ماريّا
أغنية من سنوات الحبّ العذب
……………………
……………………
…………………..
ما أحلى النغمة
لتكاد تترجّم معناها كلمة .. كلمة
غنّيها ثانية … غنّي
(
أوف .
لا تتجهّم
ما دمت جواري ، فلتتبسم
بين يديك و جودي كنز الحبّ
عيناي اللّيل .. ووجهي النور
شفتاي نبيذ معصور
صدري جنّتك الموعودة
و ذراعي وساد الربّ
فينسّم للحبّ ، تبسّم
لا تتجهّم
لا تتجهّم )
……………………..
ما دمت جوارك يا ماريّا لن أتجهّم
حتّى لو كنت الآن شبابا كان
فأنا مثلك كنت صغيرا
أرفع عيني نحو الشمس كثيرا
لكنّي منذ هجرت بلادي
و الأشواق
تمضغني ، و عرفت الأطراق
مثلك منذ هجرت بلادك
و أنا أشتاق
أن أرجع يوما ما للشمس
أن يورق في جدبي فيضان الأمس
…………………..
قولي يا ماريّا
العام القادم يبصر كلّ منّا أهله
كي أرجع طفلا .. و تعودي طفله
لكنّا اللّيلة محرومون
صبى أشجانك نخبا .. نخبا
صبى حبّا
فأنا ورفاقي
قد جئنا اللّيلة من أجلك !

 

 

( قالت )

قالت : تعال إليّ
واصعد ذلك الدرج الصغير
قلت : القيود تشدّني
و الخطو مضنى لا يسير
مهما بلغت فلست أبلغ ما بلغت
وقد أخور
درج صغير
غير أنّ طريقه .. بلا مصير
فدعي مكاني للأسى
وامضي إلى غدك الأمير
فالعمر أقصر من طموحي و الأسى قتل الغدا
***
قالت : سأنزل
قلت : يا معبودتي لا تنزلي لي
قالت : سأنزل
قلت : خطوك منته في المستحيل
ما نحن ملتقيان
رغم توحّد الأمل النبيل
… …
نزلت تدقّ على السكون
رنين ناقوس ثقيل
و عيوننا متشابكات في أسى الماضي الطويل
تخطو إليّ
و خطوها ما ضلّ يوما عن سبيل
و بكى العناق
و لم أجد إلاّ الصدى
إلاّ الصدى

 

 

 

( الوقوف على قدم واحدة )

كادت تقول لى ((من أنت ؟))
.. .. .. ..
(..
العقرب الأسود كان يلدغ الشمس ..
وعيناه الشّهيتان تلمعان ! )
_
أأنت ؟!
لكنّى رددت باب وجهى .. واستكنت
(..
عرفت أنّها ..
تنسى حزام خصرها .
فى العربات الفارهة !
***
أسقط فى أنياب اللحظات الدنسة أتشاغل بالرشفة من كوب الصمت المكسور
بمطاردة فراش الوهم المخمور
أتلاشى فى الخيط الواهن :
ما بين شروع الخنجر .. والرقبة
ما بين القدم العاربة وبين الصحراء الملتهبة
ما بين الطلّقة .. والعصفور .. والعصفور !
***
يهتزّ قرطها الطويل ..
يراقص ارتعاش ظلّه ..
على تلفّتات العنق الجميل
وعندما تلفظ بذر الفاكهة
وتطفىء التبغة فى المنفضة العتيقة الطراز
تقول عيناها : استرح !
والشفتان .. شوكتان !!
***
(
تبقّين أنت : شبحا يفصل بين الأخوين
وعندما يفور كأس الجعة المملوء ..
فى يد الكبير :
يقتلك المقتول مرتين!
أتأذنين لى بمعطفى
أخفى به ..
عورة هذا القمر الغارق فى البحيرة
عورة هذا المتسول الأمير
وهو يحاور الظلال من شجيرة إلى شجيرة
يطالع الكفّ لعصفور مكسّر الساقين
يلقط حبّة العينين
لأنه صدّق _ ذات ليلة مضت _
عطاء فمك الصغير ..
عطاء حلمك القصير ..

 

( الى صديفة دمشقية )

 

إذا سباكِ قائدُ التتار
وصرتِ محظية..
فشد شعرا منك سعار
وافتض عذرية..
واغرورقت عيونك الزرق السماوية
بدمعة كالصيف ، ماسية
وغبت في الأسوار ،
فمن ترى فتح عين الليل بابتسامة النهار؟
***
مازلتِ رغم الصمت والحصار
أذكر عينيك المضيئتين من خلف الخمار وبسمة الثغر الطفولية..
أذكر أمسياتنا القصار
ورحلة السفح الصباحية
حين التقينا نضرب الأشجار
ونقذف الأحجار
في مساء فسقية !
****
قلتِ – ونحن نسدل الأستار
في شرفة البيت الأمامية:
لاتبتعد عني
انظرْ إلى عيني
هل تستحق دمعةً من أدمع الحزن؟
ولم أجبكِ، فالمباخر الشآمية
والحب والتذكار
طغت على لحني
لم تبق مني وهم ، أغنية !
وقلتُ ، والصمت العميق تدقه الأمطار
على الشوارع الجليدية:
عدتُ إليك..بعد طول التيه في البحار
أدفن حزني في عبير الخصلات الكستنائية
أسير في جناتك الخضر الربيعية
أبلٌ ريق الشوق من غدرانها ،
أغسل عن وجهي الغبار!!
نافحتُ عنك قائد التتار
رشقتُ في جواده..مدية
لكنني خشيت أن تَمسّكِ الأخطار
حين استحالت في الدجى الرؤية
لذا استطاع في سحابة الغبار
ان يخطف العذراء….تاركا على يدي الأزرار
كالوهم ، كالفريه !
………. ………… ………
(……
ما بالنا نستذكر الماضي ، دعي الأظفار
لا تنبش الموتى ، تعرى حرمة الأسرار…..)
****
يا كم تمنت زمرة الأشرار
لو مزقوا تنورة في الخصر…بُنيّة
لو علموك العزف في القيثار
لتطربيهم كل امسية
حتى إذا انفضت أغنياتك الدمشقية
تناهبوك ؛ القادة الأقزام..والأنصار
ثم رموك للجنود الانكشارية
يقضون من شبابك الأوطار
****
الآن…مهما يقرع الإعصار
نوافذ البيت الزجاجية ،
لن ينطفي في الموقد المكدود رقص النار
تستدفئ الأيدى على وهج العناق الحار
كي تولد الشمس التي نختار
في وحشة الليل الشتائية!

( ضد من )

 

في غُرَفِ العمليات,
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ,
لونُ المعاطفِ أبيض,
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات,
الملاءاتُ,
لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن,
قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ,
كوبُ اللَّبن,
كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
فلماذا إذا متُّ.. يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
بشاراتِ لونِ الحِدادْ?
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ,
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ,
***
ضِدُّ منْ..?
ومتى القلبُ – في الخَفَقَانِ – اطْمأَنْ?!
***
بين لونين: أستقبِلُ الأَصدِقاء..
الذينَ يرون سريريَ قبرا
وحياتيَ.. دهرا
وأرى في العيونِ العَميقةِ
لونَ الحقيقةِ
لونَ تُرابِ الوطنْ!

( خمس اغنيات الى حبيبى )

 

لى جناح طائر
مسافر..
مسافر..
تأتيك خمس أغنيات حب
تأتيك كالمشاعر الضريرة
من غربة المصب
إليك: يا حبيبتي الاميره
الأغنية الأولى
مازلت أنت…..أنت
تأتلقين يا وسام الليل في ابتهال صمت
لكن أنا ، أنا هنـــــــا:
بلا (( أنا ))
سألت أمس طفلة عن اسم شارع
فأجفلت……….ولم ترد
بلا هدى أسير في شوارع تمتد
وينتهي الطريق إذا بآخـر يطل
تقاطعُ ،
تقاطع
مدينتي طريقها بلا مصير
فأين أنت يا حبيبتي
لكي نسير
معا……،
فلا نعود،
لانصل.
الأغنية الثانية
تشاجرت امرأتان عند باب بيتنا
قولهما علي الجدران صفرة انفعال
لكن لفظا واحدا حيرني مدلوله
قالته إحداهن للأخرى
قالته فارتعشت كابتسامة الأسرى
تري حبيبتي تخونني
أنا الذي ارش الدموع ..نجم شوقنا
ولتغفري حبيبتي
فأنت تعرفين أن زمرة النساء حولنا
قد انهدلت في مزلق اللهيب المزمنة
وانت يا حبيبتي بشر
في قرننا العشرين تعشقين أمسياته الملونة
قد دار حبيبتي بخاطري هذا الكدر
لكني بلا بصر:
أبصرت في حقيبتي تذكارك العريق
يضمنا هناك في بحيرة القمر
عيناك فيهما يصل ألف رب
وجبهة ماسية تفنى في بشرتها سماحة المحب
أحسست أني فوق فوق أن اشك
وأنت فوق كل شك
وإني أثمت حينما قرأت اسم ذلك الطريق
لذا كتبت لك
لتغفري
الأغنية الثالثة
ماذا لديك يا هوى
اكثر مما سقيتني
اقمت بها بلا ارتحال
حبيبتي: قد جاءني هذا الهوى
بكلمة من فمك لذا تركته يقيم
وظل ياحبيبتي يشب
حتى يفع
حتى غدا في عنفوان رب
ولم يعد في غرفتي مكان
ما عادت الجدران تتسع
حطمت يا حبيبتي الجدران
حملته ، يحملني ،
الى مدائن هناك خلف الزمن
اسكرته ، اسكرني
من خمرة أكوابها قليلة التوازن
لم افلت
من قبضة تطير بي الى مدى الحقيقة
بأنني أصبت،….اشتاق يا حبيبتي

 

 

 

 

 

 

 

( الجنوبى )

صورة
هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي
هذه الصورة العائلية
كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس
أتذكر
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفاً أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر
أختي الصغيرة ذات الربيعين
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها
المنطمس
أو كان الصبي الصغير أنا ؟
أم ترى كان غيري ؟
أحدق
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
و العيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرتُ عني غريباً
ولم يتبق من السنوات الغريبة
الا صدى اسمي
وأسماء من أتذكرهم -فجأة
بين أعمدة النعي
أولئك الغامضون : رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجها فوجها فيجتمع الشمل كل صباح
لكي نأتنس.
وجه
كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير
ونصف الرغيف
ونصف اللفافة
والكتب المستعارة
هجرته حبيبته في الصباح فمزق شريانه في المساء
ولكنه يعد يومين مزق صورتها
واندهش.
خاض حربين بين جنود المظلات
لم ينخدش
واستراح من الحرب
عاد ليسكن بيتاً جديداً
ويكسب قوتاً جديدا
يدخن علبة تبغ بكاملها
ويجادل أصحابه حول أبخرة الشاي
لكنه لا يطيل الزيارة
عندما احتقنت لوزتاه، استشار الطبيب
وفي غرفة العمليات
لم يصطحب أحداً غير خف
وأنبوبة لقياس الحرارة.
فجأة مات !
لم يحتمل قلبه سريان المخدر
وانسحبت من على وجهه سنوات العذابات
عاد كما كان طفلاً
سيشاركني في سريري
وفي كسرة الخبز، والتبغ
لكنه لا يشاركني .. في المرارة.
وجه
ومن أقاصي الجنوب أتى،
عاملاً للبناء
كان يصعد “سقالة” ويغني لهذا الفضاء
كنت أجلس خارج مقهى قريب
وبالأعين الشاردة
كنت أقرأ نصف الصحيفة
والنصف أخفي به وسخ المائدة
لم أجد غير عينين لا تبصران
وخيط الدماء.
وانحنيت عليه أجس يده
قال آخر : لا فائدة
صار نصف الصحيفة كل الغطاء
و أنا … في العراء
وجه
ليت أسماء تعرف أن أباها صعد
لم يمت
هل يموت الذي كان يحيا
كأن الحياة أبد
وكأن الشراب نفد
و كأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد
عاش منتصباً، بينما
ينحني القلب يبحث عما فقد.
ليت “أسماء
تعرف أن أباها الذي
حفظ الحب والأصدقاء تصاويره
وهو يضحك
وهو يفكر
وهو يفتش عما يقيم الأود .
ليت “أسماء” تعرف أن البنات الجميلات
خبأنه بين أوراقهن
وعلمنه أن يسير
ولا يلتقي بأحد .
مرآة
هل تريد قليلاً من البحر ؟
إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي
البحر و المرأة الكاذبة.
سوف آتيك بالرمل منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه.
.
.
هل تريد قليلاً من الخمر؟
إن الجنوبي يا سيدي يتهيب شيئين :
قنينة الخمر و الآلة الحاسبة.
سوف آتيك بالثلج منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه
.
.
بعدما لم أجد صاحبي
لم يعد واحد منهما لي بشيئ
هل نريد قليلاً من الصبر ؟
لا ..
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة و الأوجه الغائبة.

 

 

( المقهى الصغير )

 

لم يعد يذكرنا حتّى المكان !
كيف هنا عنده ؟
و الأمس هات ؟
قد دخلنا ..
لم تنشر مائدة نحونا !
لم يستضفنا المقعدان !!
الجليسان غريبان
فما بيننا إلاّ . ظلال الشمعدان !
أنظري ؛
قهوتنا باردة
ويدانا – حولها – ترتعشان

وجهك الغارق في أصباغه
رسما
(
ما ابتسما ! )
في لوحة خانت الرسّام فيها ..
لمستان !
تسدل الأستار في المسرح
فلنضيء الأنوار
إنّ الوقت حان
أمن الحكمة أن نبقى ؟
سدة !!
قد خسرنا فرسينا في الرهان !
قد خسرنا فرسينا في الرهان
مالنا شوط مع الأحلام
ثان !!
نحن كنّا ها هنا يوما
و كان وهج النور علينا مهرجان
يوم أن كنّا صغارا
نمتطي صهوة الموج
إلى شطّ الأمان
كنت طفلا لا يعي معنى الهوى
و أحاسيسك مرخاه العنان
قطّة مغمضة العينين
في دمك البكر لهيب الفوران
عامنا السادس عشر :
رغبة في الشرايين
و أعواد لدان
ها هنا كلّ صباح نلتقي
بيننا مائدة
تندي .. حنان
قدمان تحتها تعتنقان
و يدانا فوقها تشتبكان
إن تكلّمت :
ترنّمت بما همسته الشفتان الحلوتان
و إذا ما قلت :
أصغت طلعة حلوة
وابتسمت غمّازتان !
أكتب الشعر لنجواك
(
و إن كان شعرا ببغائيّ البيان )
كان جمهوري عيناك ! إذا قلته : صفّقتا تبتسمان
و لكن ينصحنا الأهل
فلا نصحهم عزّ
و لا الموعد هان
لم نكن نخشى إذا ما نلتقي
غير ألاّ نلتقي في كلّ آن
ليس ينهانى تأنيب أبي
ليس تنهاك عصا من خيزران !!
الجنون البكر ولّى
و انتهت سنة من عمرنا
أو .. سنتان
و كما يهدأ عنف النهر
إنّ قارب البحر
وقارا .. واتّزان
هدأ العاصف في أعماقنا
حين أفرغنا من الخمر الدنان
قد بلغنا قمّة القمّة
هل بعدها إلاّ … هبوط العنفوان
افترقنا ..
(
دون أن نغضب )
لا يغضب الحكمة صوت الهذيان
ما الذي جاء بنا الآن ؟
سوى لحظة الجبن من العمر الجبان
لحظة الطفل الذي في دمنا
لم يزل يحبو ..
و يبكو ..
فيعان !
لحظة فيها تناهيد الصبا
و الصبا عهد إذا عاهد : خان
أمن الحكمة أن نبقى ؟
سدى
قد خسرنا فرسينا في الرهان
***
قبلنا يا أخت في هذا المكان
كم تناجى ، و تناغى عاشقان
ذهبا
ثمّ ذهبا
و غدا ..
يتساقى الحبّ فيه آخران !
فلندعه لهما
ساقيه ..
دار فيها الماء
مادار الزمان !!

 

 

 

( استريحى )

 

 

استريحي
ليس للدور بقيّة
انتهت كلّ فصول المسرحيّة
فامسحي زيف المساحيق
و لا ترتدي تلك المسوح المرميّة
و اكشفي البسمة عمّا تحتها
من حنين .. و اشتهاء .. و خطيّة
كنت يوما فتنة قدسّتها
كنت يوما
ظمأ القلب .. وريّه
***
و بكى قلبك حزنا
فغدا دمعة حمراء
بين الرئتين
و أنا ؛ قلبي منديل هوى
جففت عيناك فيه دمعتين
و محت فيه طلاء الشّفتين
و لوته ..
في ارتعاشات اليدين
كان ماضيك جدار فاصلا بيننا
كان ضلالا شبحيّه
فاستريحي
ليس للدور بقيّة
أينما نحن جلسنا
ارتسمت صورة الآخر في الركن القصيّ
كنت تخشين من اللّمسة
أن تمحي لمسته في راحتي
و أحاديثك في الهمس معي
إنّما كانت إليه ..
لا إليّ
فاستريحي
لم يبق سوى حيرة السير على المفترق
كيف أقصيك عن النار
و في صدرك الرغبة أن تحتلاقي ؟
كيف أدنيك من النهر
و في قلبك الخوف و ذكرى الغارق ؟
أنا أحببتك حقّا
إنّما لست أدري
أنا .. أم أنت الضحيّة ؟
فاستريحي ، ليس للدور بقيّة

 

 

( مقابلة خاصة مع ابن نوح )

 

جاء طوفانُ نوحْ!
المدينةُ تغْرقُ شيئاً.. فشيئاً
تفرُّ العصافيرُ,
والماءُ يعلو.
على دَرَجاتِ البيوتِ
الحوانيتِ
مَبْنى البريدِ
البنوكِ
التماثيلِ (أجدادِنا الخالدين) –
المعابدِ
أجْوِلةِ القَمْح
مستشفياتِ الولادةِ
بوابةِ السِّجنِ
دارِ الولايةِ
أروقةِ الثّكناتِ الحَصينهْ.
العصافيرُ تجلو..
رويداً..
رويدا..
ويطفو الإوز على الماء,
يطفو الأثاثُ..
ولُعبةُ طفل..
وشَهقةُ أمٍ حَزينه
الصَّبايا يُلوّحن فوقَ السُطوحْ!
جاءَ طوفانُ نوحْ.
هاهمُ “الحكماءُ” يفرّونَ نحوَ السَّفينهْ
المغنونَ- سائس خيل الأمير- المرابونَ- قاضى القضاةِ
(..
ومملوكُهُ!) –
حاملُ السيفُ – راقصةُ المعبدِ
(
ابتهجَت عندما انتشلتْ شعرَها المُسْتعارْ)
جباةُ الضرائبِ – مستوردو شَحناتِ السّلاحِ
عشيقُ الأميرةِ في سمْتِه الأنثوي الصَّبوحْ!
جاءَ طوفان نوحْ.
ها همُ الجُبناءُ يفرّون نحو السَّفينهْ.
بينما كُنتُ..
كانَ شبابُ المدينةْ
يلجمونَ جوادَ المياه الجَمُوحْ
ينقلونَ المِياهَ على الكَتفين.
ويستبقونَ الزمنْ
يبتنونَ سُدود الحجارةِ
عَلَّهم يُنقذونَ مِهادَ الصِّبا والحضاره
علَّهم يُنقذونَ.. الوطنْ!
..
صاحَ بي سيدُ الفُلكِ – قبل حُلولِ
السَّكينهْ:
انجِ من بلدٍ.. لمْ تعدْ فيهِ روحْ!”
قلتُ:
طوبى لمن طعِموا خُبزه..
في الزمانِ الحسنْ
وأداروا له الظَّهرَ
يوم المِحَن!
ولنا المجدُ – نحنُ الذينَ وقَفْنا
(
وقد طَمسَ اللهُ أسماءنا!)
نتحدى الدَّمارَ..
ونأوي الى جبلٍِ لا يموت
(
يسمونَه الشَّعب!)
نأبي الفرارَ..
ونأبي النُزوحْ!
كان قلبي الذي نَسجتْه الجروحْ
كان قَلبي الذي لَعنتْه الشُروحْ
يرقدُ – الآن – فوقَ بقايا المدينه
وردةً من عَطنْ
هادئاً..
بعد أن قالَ “لا” للسفينهْ
..
وأحب الوطن!

( مقتل القمر )

 

 

وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس
في كل مدينة ،
((
قُتِل القمر ))!
شهدوه مصلوباً تَتَدَلَّى رأسه فوق الشجر !
نهب اللصوص قلادة الماس الثمينة من صدره!
تركوه في الأعواد ،
كالأسطورة السوداء في عيني ضرير
ويقول جاري :
-((
كان قديساً ، لماذا يقتلونه ؟))
وتقول جارتنا الصبية :
– ((
كان يعجبه غنائي في المساء
وكان يهديني قوارير العطور
فبأي ذنب يقتلونه ؟
هل شاهدوه عند نافذتي _قبيل الفجر _ يصغي للغناء!؟!؟))
….. …….. …….
وتدلت الدمعات من كل العيون
كأنها الأيتام – أطفال القمر
وترحموا
وتفرقوا…..
فكما يموت الناس…..مات !
وجلست ،
أسألة عن الأيدي التي غدرت به
لكنه لم يستمع لي ،
…..
كان مات !
****
دثرته بعباءته
وسحبت جفنيه على عينيه
حتى لايرى من فارقوه!
وخرجت من باب المدينة
للريف:
يا أبناء قريتنا أبوكم مات
قد قتلته أبناء المدينة
ذرفوا عليه دموع أخوة يوسف
وتفرَّقوا
تركوه فوق شوارع الإسفلت والدم والضغينة
يا أخوتي : هذا أبوكم مات !
ماذا ؟ لا…….أبونا لا يموت
بالأمس طول الليل كان هنا
يقص لنا حكايته الحزينة !
يا أخوتي بيديّ هاتين احتضنته
أسبلت جفنيه على عينيه حتى تدفنوه !
قالوا : كفاك ، اصمت
فإنك لست تدري ما تقول !
قلت : الحقيقة ما أقول
قالوا : انتظر
لم تبق إلا بضع ساعات
ويأتي!
***
حط المساء
وأطل من فوقي القمر
متألق البسمات ، ماسىّ النظر
يا إخوتي هذا أبوكم ما يزال هنا
فمن هو ذلك المُلْقىَ على أرض المدينة ؟
قالوا: غريب
ظنه الناس القمر
قتلوه ، ثم بكوا عليه
ورددوا (( قُتِل القمر ))
لكن أبونا لا يموت
أبداً أبونا لايموت !

 

( من أوراق أبو نواس)

الورقة الأولى )
ملك أم كتابة ؟
صاح بي صاحبي , و هو يلقى بدرهمه في الهواء
ثمّ يلقفه ..
(
خارجين من الدرس كنّا .. و حبر الطفولة فوق الرداء
و العصافير تمرق عبر البيوت ،
و تهبط فوق النخيل البعيد ! )
… … … …
ملك أم كتابة ؟
صاح بي .. فانتبهت ، ورفّت ذبابة
حول عينين لامعتين ..
فقلت : ” الكتابة
..
فتح اليد مبتسما ؛ كان وجه المليك السعيد
باسما في مهابة !
***
ملك أم كتابة ؟
صحت فيه بدوري ..
فرفرف في مقلتيه الصبا والنجابة
و أجاب : ” الملك
دون أن يتلعثم .. أو يرتبك
و فتحت يدي ..
كان نقش الكتابة
بارزا في صلابة !
دارت الأرض دوراتها ..
حملتنا الشواديف من هدأ النهر
ألقت بنا في جداول أرض الغرابة
نتفرّق بين حقول الأسى .. و حقول الصبابة .
قطرتين , التقينا على سلّم القصر ..
ذات مساء وحيد
كنت فيه : نديم الرشيد
بينما صاحبي .. يتولّى الحجابة !!
يوقظون أبي !
خارجيّ
أنا .. !
مارق
من ؟ أنا !
صرخ الطفل في صدر أمّي
(
و أمّي محلولة الشعر واقفة في ملابسها المنزليّة )
إخرسوا
واختبأنا وراء الجدار
اخسروا
تسلّل في الحلق خيط من الدم
كان أبي يمسك الجرح ،
يمسك قامته .. و مهابته العائليّة !
يا أبي
اخرسوا
و تواريت في ثوب أمّي ، و الطفل في صدرها مانبس
ومضوا بأبي تاركين لنا اليتم متشحا بالخرس
(
الورقة الرابعة )
… … … …
صادرته العسس
… … … …
(
الورقة الخامسة )
و أمّي خادمة فارسيّة
يتبادل سادتها النظرات لاردافها ..
عندما تنحني لتضيء اللّهب
***
نائما كنت جانبها ، ورأيت ملاك القدس
ينحني ، و يربّت وجنتها
و تراخى الذراعان عنّي قليلا
و سارت بقلبي قشعريرة الصمت
أمّي ; و عاد لي الصوت
و أمّي ؛ و جاوبني الموت
أمّي ؛ و عانقتها .. و بكيت
و غام بي الدمع حتّى احتبس !
***
(
الورقة السادسة )
لا تسألني إن كان القرآن
مخلوقا أو أزليّ
بل سلني إن كان السلطان
لصّا .. أو نصف نبيّ
(
الورقة السابعة )
كنت في كربلاء
قال لي الشيخ أن الحسين
… … …
و تساءلت كيف السيوف استباحت بني الأكرمين
فأجاب الذي بصّرته السماء
… … …
إن تكن كلمات الحسين
و سيوف الحسين
و جلال الحسين
سقطت دون أن تنقذ الحقّ من ذهب الأمراء
أفتقدر أن تنقذ الحقّ ثرثرة الشعراء
و الفرات لسان من الدم لا يجد الشفتين ؟ !
***
مات من أجل جرعة ماء
فاسقني يا غلام صباح مساء
اسقني يا غلام ..
علّني بالمدام ..
أتناسى الدماء !
فاسقني يا غلام صباح مساء
اسقني يا غلام ..
علّني بالمدام ..
أتناسى الدماء !
فاسقني يا غلام صباح مساء
اسقني يا غلام ..
علّني بالمدام ..
أتناسى الدماء !

 

 

 

 

 

( بكائية ليلية )

 

للوهلة الأولى
قرأت في عينية يومه الذي يموت فيه
رأيته في صحراء ” النقيب ” مقتولا ..
منكفئا .. يغرز فيها شفتيه ،
و هي لا تردّ قبلة ..لفيه !
نتوه في القاهرة العجوز ، ننسى الزمنا
نفلت من ضجيج سياراتها ، و أغنيات المتسوّلين
تظلّنا محطّة المترو مع المساء .. متعبين
و كان يبكى وطنا .. و كنت أبكي وطنا
نبكي إلى أن تنصبّ الأشعار
نسألها : أين خطوط النار ؟
و هل ترى الرصاصة الأولى هناك .. أم هنا ؟
و الآن .. ها أنا
أظلّ طول اللّيل لا يذوق جفني وسنا
أنظر في ساعتي الملقاة في جواري
حتّى تجيء . عابرا من نقط التفتيش و الحصار
تتّسع الدائرة الحمراء في قميصك الأبيض ، تبكي شجنا
من بعد أن تكيسّرت في ” النقب ” رأيتك !
تسألني : ” أين رصاصتك ؟
أين رصاصتك
ثمّ تغيب : طائرا .. جريحا
تضرب أفقك الفسيحا
تسقط في ظلال الضّفّة الأخرى ، و ترجو كفنا !
و حين يأتي الصبح – في المذياع – بالبشائر
أزيح عن نافذتي السّتائر
فلا أراك .. !
أسقط في عاري . بلا حراك
اسأل إن كانت هنا الرصاصة الأولى ؟
أم أنّها هناك ؟؟

 

 

( خطاب غير تاريخى )

 

أنتَ تَسْترخي أخيراً..
فوداعاً..
يا صَلاحَ الدينْ.
يا أيُها الطَبلُ البِدائيُّ الذي تراقصَ الموتى
على إيقاعِه المجنونِ.
يا قاربَ الفَلِّينِ
للعربِ الغرقى الذين شَتَّتتْهُمْ سُفنُ القراصِنه
وأدركتهم لعنةُ الفراعِنه.
وسنةً.. بعدَ سنه..
صارت لهم “حِطينْ“..
تميمةَ الطِّفِل, وأكسيرَ الغدِ العِنّينْ
(
جبل التوباد حياك الحيا)
(
وسقى الله ثرانا الأجنبي!)
مرَّتْ خيولُ التُركْ
مَرت خُيولُ الشِّركْ
مرت خُيول الملكِ – النَّسر,
مرتْ خيول التترِ الباقينْ
ونحن – جيلاً بعد جيل – في ميادينِ المراهنه
نموتُ تحتَ الأحصِنه!
وأنتَ في المِذياعِ, في جرائدِ التَّهوينْ
تستوقفُ الفارين
تخطبُ فيهم صائِحاً: “حِطّينْ“..
وترتدي العِقالَ تارةً,
وترتدي مَلابس الفدائييّنْ
وتشربُ الشَّايَ مع الجنود
في المُعسكراتِ الخشِنه
وترفعُ الرايةَ,
حتى تستردَ المدنَ المرتهنَة
وتطلقُ النارَ على جوادِكَ المِسكينْ
حتى سقطتَ – أيها الزَّعيم
واغتالتْك أيدي الكَهَنه!
***
(
وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عَنه..)
(
نازعتني – لمجلسِ الأمنِ – نَفسي!)
***
نم يا صلاحَ الدين
نم.. تَتَدلى فوقَ قَبرِك الورودُ..
كالمظلِّيين!
ونحنُ ساهرونَ في نافذةِ الحَنينْ
نُقشّر التُفاحَ بالسِّكينْ
ونسألُ اللهَ “القُروضَ الحسَنه“!
فاتحةً:
آمينْ.

 

( الطيور )

 

(1)
الطيورُ مُشردةٌ في السَّموات,
ليسَ لها أن تحطَّ على الأرضِ,
ليسَ لها غيرَ أن تتقاذفَها فلواتُ الرّياح!
ربما تتنزلُ..
كي تَستريحَ دقائقَ..
فوق النخيلِ – النجيلِ – التماثيلِ
أعمِدةِ الكهرباء
حوافِ الشبابيكِ والمشربيَّاتِ
والأَسْطحِ الخرَسانية.
(
اهدأ, ليلتقطَ القلبُ تنهيدةً, والفمُ العذبُ تغريدةً
والقطِ الرزق..)
سُرعانَ ما تتفزّعُ..
من نقلةِ الرِّجْل,
من نبلةِ الطّفلِ,
من ميلةِ الظلُّ عبرَ الحوائط,
من حَصوات الصَّياح!)
***
الطيورُ معلّقةٌ في السموات
ما بين أنسجةِ العَنكبوتِ الفَضائيِّ: للريح
مرشوقةٌ في امتدادِ السِّهام المُضيئةِ
للشمس,
(
رفرفْ..
فليسَ أمامَك
والبشرُ المستبيحونَ والمستباحونَ: صاحون
ليس أمامك غيرُ الفرارْ..
الفرارُ الذي يتجدّد. كُلَّ صباح!)
(2)
والطيورُ التي أقعدتْها مخالَطةُ الناس,
مرتْ طمأنينةُ العَيشِ فَوقَ مناسِرِها..
فانتخَتْ,
وبأعينِها.. فارتخَتْ,
وارتضتْ أن تُقأقَىَء حولَ الطَّعامِ المتاحْ
ما الذي يَتَبقى لهَا.. غيرُ سَكينةِ الذَّبح,
غيرُ انتظارِ النهايه.
إن اليدَ الآدميةَ.. واهبةَ القمح
تعرفُ كيفَ تَسنُّ السِّلاح!
(3)
الطيورُ.. الطيورْ
تحتوي الأرضُ جُثمانَها.. في السُّقوطِ الأخيرْ!
والطُّيُورُ التي لا تَطيرْ..
طوتِ الريشَ, واستَسلَمتْ
هل تُرى علِمتْ
أن عُمرَ الجنَاحِ قصيرٌ.. قصيرْ?!
الجناحُ حَياة
والجناحُ رَدى.
والجناحُ نجاة.
والجناحُ.. سُدى!

( البكاء بين يدى زرقاء اليمامة )

 

أيتها العرافة المقدَّسةْ ..
جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
أسأل يا زرقاءْ ..
عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة
عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..
فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !
عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!
أسأل يا زرقاء ..
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !
عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟
كيف حملتُ العار..
ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !
تكلَّمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ
لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..
تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !
تكلمي … لشدَّ ما أنا مُهان
لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..
ولا احتمائي في سحائب الدخان !
..
تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة
( –
كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق
فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ
وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة ..
رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..
وارتخت العينان !)
فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟
والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..
والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟
* * *
أيتها النبية المقدسة ..
لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..
لكي أنال فضلة الأمانْ
قيل ليَ “اخرسْ ..”
فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !
ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان
أجتزُّ صوفَها ..
أردُّ نوقها ..
أنام في حظائر النسيان
طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .
وها أنا في ساعة الطعانْ
ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ
دُعيت للميدان !
أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..
أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،
أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي .. تكلمي ..
فها أنا على التراب سائلٌ دمي
وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا .
أسائل الصمتَ الذي يخنقني :
ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! ”
أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!”
فمن تُرى يصدُقْني ؟
أسائل الركَّع والسجودا
أسائل القيودا :
ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! ”
ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! ”
أيتها العَّرافة المقدسة ..
ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..
فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !
وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..
والتمسوا النجاةَ والفرار !
ونحن جرحى القلبِ ،
جرحى الروحِ والفم .
لم يبق إلا الموتُ ..
والحطامُ ..
والدمارْ ..
وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ
ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،
وفي ثياب العارْ
مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !
ها أنت يا زرقاءْ
وحيدةٌ … عمياءْ !
وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ
والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !
فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها
كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.
في أعين الرجال والنساءْ !؟
وأنت يا زرقاء ..
وحيدة .. عمياء !
وحيدة .. عمياء !

 

تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

إكتب تعليقك هنا

‫شاهد أيضًا‬

بيت الكتب بالأسكندرية يناقش اصدارات ( ن ) للنشر20 نوفمبر

يتم مناقشة وتوقيع مجموعة من الروايات الادبية التى صدرت مؤخرا عن دار ( ن) للنشر وذلك بمكتبة…