من أجل «ربيع» أفضل

من أجل «ربيع» أفضل

  • فوجئ النظام بأن الحراك الشعبي المصرُّ على سلميّته يجرّد استخدام القوّة من مبرّراته.
  • صبر الشعب وانتظر طويلاً لكن الأنظمة منشغلة بمقوّمات سلطتها أكثر من وضع البلاد على طريق تنمية واعدة.
  • ليس لدى الأنظمة الحاكمة رهان على مستقبل أفضل أو رؤية تضع حدّاً لتبديد قدرات البلاد وثرواتها.
  • هناك إنكارٌ مطلق لوجود أسباب موضوعية مبرِّرة للثورات وقد قيل وقتها إن الانتفاضات كانت متوقّعة، بل إن الشعوب تأخرت في التحرّك.
  • الجميع كان يعلم أن ذلك الاستقرار كان مزيّفاً وشكلياً أو مجرّد صورة تحميها القبضة الأمنية.

بقلم: عبد الوهاب بدرخان

السؤال المطروح حالياً بقوّة: هل يتجدّد الربيع العربي؟ وقد شكّل الحراكان الشعبيان في الجزائر والسودان دافعاً لهذا التساؤل الذي يشي بأن هناك مَن لا يزالون يتعاملون مع ما شهده العرب في 2011 على أنه واحد من احتمالَين: إمّا أنه عدوى لحدث طرأ في تونس، أو أنه نتيجة «مؤامرة» خارجية.

وفي ذلك إنكارٌ مطلق لوجود أسباب موضوعية مبرِّرة للثورات والانتفاضات التي حصلت، وقد قيل وقتها إن تلك الهبّات كانت متوقّعة، بل إن الشعوب تأخرت في التحرّك.

اقرأ/ي أيضا: ألم يبلغ السيل الزبى بعد؟

أما تفسير تزامن الحراكات بأنه مجرد «عدوى» فقد لا يكون خاطئاً لكنه ينطوي على تسخيف لمعاناة مزمنة عاشتها شعوب تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا.

وأمّا الحديث عن تحريك خارجي فيتجاهل كل الاحتجاجات الداخلية السابقة التي عمدت الأنظمة إلى قمعها، وكل التحذيرات التي تلقتها من الخارج في شأن تقصيرها وهروبها من الإصلاحات الواجبة.

لا شك أن الإخفاقات والخيبات في مرحلة «ما بعد الثورات» عزّزت حجة الأنظمة الأخرى التي ناوأتها لأسباب شتّى، أهمها أنها جاءت بالإسلاميين إلى الحكم!

اقرأ/ي أيضا: السلطويات العربية حين تفرض الانتقام فولكلورا شعبيا

بل أعطتها ذريعة لدعم «الثورات المضادة» وتعويم «الدولة العميقة» باعتبار أن هذه كانت تؤمن على الأقل استقراراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً أخطأت الشعوب بإسقاطه حين خرجت مطالبة بـ«إسقاط النظام».

لكن الجميع كان يعلم أن هذا الاستقرار كان مزيّفاً وشكلياً أو مجرّد صورة تحميها القبضة الأمنية. وبمعزل عن الحالات التي انزلقت إلى حروب أو شبه حروب أهلية كما في سوريا وليبيا واليمن، يتبيّن الآن أن حتى ذلك الاستقرار المفترض الذي يعتدّ به لدحض أي دافع للاعتراض سقط من تلقائه في بلاد النيلين، حيث عزّ الخبز على الناس، ثم في الجزائر حيث أخطأ النظام نفسه في إدارة الانتخابات الرئاسية.

اقرأ/ي أيضا: الجزائر وعقدة التداول على السلطة

لكن الجديد في هذين الحراكَين أن النظام والشعب تعلّما من الدروس القاسية التي وفّرتها التجارب السابقة لـ«الربيع العربي». فالأسهل عند أي نظام أن يفعّل قدرته على العنف ليسحق بسرعة أي تحدٍّ يتصاعد ضدّه في الشارع، غير أن النظام فوجئ بأن الحراك الشعبي المصرُّ على سلميّته يجرّد استخدام القوّة من مبرّراته.

فرغم أن شعار «إسقاط النظام» لم يغب إلا أنه في هاتين الحالَين كان مرفقاً باقتراحات سياسية تؤكّد وعي الحراك بأهمية الحفاظ على الدولة والدفاع عنها، وتطرح بديهية أن النظامَين قويّان لكنهما ترهّلا، ولذا أصبح الإصلاح استحقاقاً لا يمكن تأخيره.

اقرأ/ي أيضا: ربع الساعة الأخير

وإذا اتضحت الحاجة إلى ضرورة تعاون النظام والمعارضة، خصوصاً المعارضة الجادّة، في مهمات إنقاذية، فإن النظام لا يستطيع البقاء بمجرّد التخويف من أن بديله سيكون الفوضى بل عليه أن يضمن أن استمراره على نهجه لن يقود إلى الفوضى.

في كلا البلدين، هناك فسحة واضحة مهما كانت ضيقة لتغليب مصلحة البلاد على مصلحة النظام وشخوصه، وهناك فرصة لم تفت لإظهار أن «ربيعهما» يمكن أن يكون مختلفاً.

اقرأ/ي أيضا: السياسة في حياتنا

في الأولى كما في الثانية صبر الشعب وانتظر طويلاً، لكن اتضح منذ زمن أن الأنظمة منشغلة بمقوّمات سلطتها أكثر مما هي مهتمّة بوضع البلاد على طريق تنمية واعدة، والأخطر أن ليس لديها رهان على مستقبل أفضل أو رؤية تضع حدّاً لتبديد قدرات البلاد وثرواتها.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني
المصدر: العرب – الدوحة

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.