31 يوليو، 2018

مقاومة مرنة: كيف يُصلح حزب الله وحماس ذات البين

حركة حماس

مارين كوس مركز جارنيجي 23\7\2018

ملخّص

اعتمد كل من حركة حماس وحزب الله نهجاً مرناً للمحافظة على نفوذهما السياسي، ما سمح لهما بمواجهة التقلّبات التي مرّت بها علاقتهما خلال السنوات الأخيرة.

منذ أن اكتسب مايُسمّى بالربيع العربي زخماً في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العام 2011، سادت علاقة أشد اضطراباً بين تنظيمَين إسلاميين مقاومَين كان بينهما اصطفافٌ على امتداد تاريخهما، وهما حزب الله الشيعي اللبناني وحركة حماس السنّية الفلسطينية.

وكان لصعود الإخوان المسلمين في عهد الرئيس السابق محمد مرسي في مصر، والذي لم يُعمّر طويلاً، أن دفع حماس إلى توطيد روابطها مع القاهرة، ماتسبّب بتباعد متنامٍ أوقعَ شرخاً بين حماس من جهة، وحزب الله وحليفَيهما المشتركَين تقليدياً إيران وسورية من جهة ثانية. ومنذ فترة قصيرة فقط، بدأ التنظيمان المقاوِمان الإسلاميان بالسعي إلى التقارب.

ويمكن أن يُعزى هذا التحول إلى تطلّع كل من حزب الله وحماس إلى الحفاظ على مواقع نفوذهما في لبنان والأراضي الفلسطينية على التوالي.

 

تفسيرات مرنة للمقاومة الإسلامية

ظهر حزب الله وحماس في ثمانينيات القرن العشرين، وينظر كل منهما إلى نفسه بأنه تنظيم إسلامي مقاوِم، ولطالما كانا حليفَين، إلا أنهما يختلفان في توجّهاتهما الدينية.

فالفكر السياسي لحزب الله مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم ولاية الفقيه الذي أطلقه آية الله روح الله الخميني في إيران. ووفقاً لهذا المفهوم،
يجب أن يتولّى فقيه إسلامي بارز يتمتع بسلطة مطلقة، منصب القائد السياسي الأعلى للدولة الإسلامية بانتظار عودة الإمام الثاني عشر الذي يُعتقَد أنه راهناً في الغيبة بموجب العقيدة الشيعية الاثني عشرية.

أما حماس فتنظيم سنّي يستند فكره السياسي إلى آراء جماعة الإخوان المسلمين التي ترى في الإسلام الحل للمشاكل السياسية والاجتماعية. وهو مايظهر واضحاً من خلال الشعار الأساسي “الإسلام هو الحل” الذي استخدمته جماعة الإخوان المسلمين المصرية مراراً وتكراراً في حملاتها.

على الرغم من الاختلاف بينهما في وجهات النظر الدينية، تتشارك حماس وحزب الله بعض المعتقدات، تحديداً قبول الاجتهاد، أي التفسير العقلاني للمصادر الإسلامية الأساسية الذي يساعد على جعل فكرهما السياسي قابلاً للتكيّف. وبناءً عليه، لايُطبّق حزب الله وحماس المصادر الإسلامية الأساسية بطريقة حَرْفية أو ثابتة ، إنما يُعيدان تفسيرها. هذا فضلاً عن أن مفهوم المقاومة هو عنصر محوري في هويّتَي التنظيمين منذ تأسيسهما.

 

لقد أدّت ثلاثة عوامل دوراً حاسماً في ظهور حزب الله:

أولاً، كان المسلمون الشيعة في لبنان مهمَّشين اقتصادياً وسياسياً في المرحلة التي أعقبت استقلال البلاد، وأبدوا بالتالي تجاوباً مع الأفكار الثورية للإسلاموية الشيعية التي بدأت رقعتها تتّسع في البلاد منذ السبعينيات.

ثانياً، كان للثورة الإيرانية في العام 1979 تأثير محفِّز على تطور حزب الله الذي قدّمت له طهران الدعم المالي والعسكري منذ أيامه الأولى.

وثالثاً، ظهر حزب الله رداً على الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982. وحماس، بدورها، تأسست في العام 1987، خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ولم تلبث أن بدأت بتقديم نفسها على أنها فرعٌ من فروع الإخوان المسلمين الذين كانوا قد أنشأوا شبكة واسعة في المناطق الفلسطينية منذ الأربعينيات.

يتداخل مفهوما حزب الله وحماس عن المقاومة بطريقتَين اثنتين: يربط التنظيمان مباشرةً المقاومة بالقتال ضد إسرائيل، ويمتلك كلاهما جناحاً عسكرياً يعمل خارج نطاق الدولة اللبنانية في حالة حزب الله، وخارج نطاق السلطة الوطنية الفلسطينية في حالة حماس.

المقاومة العسكرية هي الجانب الأهم في هوية المقاومة لدى كل من حزب الله وحماس. ويشكّل امتلاك إمكانات عسكرية مستقلة والحفاظ عليها هدفاً جوهرياً للتنظيمَين، لأنه يتيح لهما الإبقاء على مواقع نفوذهما. علاوةً على ذلك، يزعم حزب الله وحماس أنهما يخوضان مقاومة غير عسكرية يضعانها في إطار المقاومة الثقافية أو السياسية.

على الرغم من أوجه التشابه في مفهومَي حزب الله وحماس عن المقاومة، هناك نقاط اختلاف في تفسير التنظيمَين لهذا المفهوم وتطبيقهما له.

لاترتبط هذه الاختلافات بعقائدهما السياسية الإسلامية الشيعية أو السنّية على التوالي بقدر ماترتبط بالسياقَين حيث يعملان، والمصالح الاستراتيجية التي يسعيان خلفها.

لقد بثّت هذه الديناميكية مرونةً في مفهومَيهما عن المقاومة، فقد تكيّف كلاهما مع البيئات المتغيِّرة في إطار محاولتهما إضفاء شرعية على ممارساتهما والحفاظ على وضعية التسلّح المستقلة.

 

حزب الله: إعادة تفسير المقاومة للحفاظ على نفوذ

أعاد حزب الله، منذ تأسيسه، تحديد مفهومه عن المقاومة مرات عدة. ففي البداية، وصف الحزب أن هدف المقاومة هو تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، الذي دام من العام 1982 إلى العام 2000. وعندما انسحبت إسرائيل أحادياً في أيار/مايو 2000، اعتبر الحزب أن هذا انتصار للمقاومة وللبنان ككل.

بيد أن الانسحاب الإسرائيلي حمل في طياته أيضاً خطر إسقاط المبرّر الأصلي الذي كان حزب الله يستخدمه للاحتفاظ بسلاحه.

نتيجةً لذلك، أصرّ الحزب على أن إسرائيل لاتزال تحتلّ أراضٍ اللبنانية، غير أن التنظيم الشيعي عمد أيضاً إلى توسيع تعريفه للمقاومة ليشمل الردع ضد إسرائيل، زاعِماً أن من شأن سلاحه أن يساعد على حماية لبنان من التهديد الإسرائيلي الدائم.

حتى إن حزب الله تمكّن من إدراج هذا المفهوم المزدوج عن المقاومة، التحرير والردع، في البيان الوزاري للحكومة اللبنانية في
العام 2005، وهي أول حكومة شارك فيها الحزب.

 

في العام 2013، عمد حزب الله مجدداً إلى توسيع مفهومه عن المقاومة وسط مزيد من التغييرات السياسية. وآنذاك، كان الحزب قد انخرط رسمياً في النزاع السوري دعماً للرئيس بشار الأسد، في قرارٍ يتنافى مع الزعم الذي لطالما ردّده الحزب بأنه يقاتل من أجل المظلومين.

وقد أعاد أمين عام الحزب، حسن نصرالله، تأطير مفهوم التنظيم عن المقاومة مصوِّراً عمليات الحزب العسكرية بأنها معركة ضد التهديد الذي يطرحه الجهاديون السلفيون. لذا، ادّعى أن من شأن تدخّل الحزب في سورية أن يساهم في تعزيز استقرار لبنان.

تمكّنَ حزب الله، عبر إعادة تفسير المقاومة وفقاً للظروف المتغيِّرة، من الاحتفاظ بهامش للمناورة. فتكيّفَ مع التهديدات الجديدة من أجل إضفاء شرعية على أجندته العسكرية في نظر قاعدته الشعبية، وكذلك في نظر مجموعات أخرى في لبنان، وهي خطوة ذات أهمية في مجتمع منقسم. فضلاً عن ذلك، استطاع حزب الله، من خلال إعادة تفسير ديناميكية للمقاومة، أن يحتفظ بجناحه العسكري، وبالتالي، بالنفوذ الذي يمارسه في لبنان.

 

حماس: المقاومة كاستراتيجية لإدارة النزاع

لم تُحدث حركة حماس تبديلاً يُذكَر في مفهومها الأساسي عن المقاومة منذ تأسيسها في العام 1987. إنما على غرار حزب الله، استخدمت فكرة المقاومة بأسلوب مرِن.

فقد عمدت إلى التشديد على المقاومة أو نزع التركيز عنها بحسب الوضع، ولاسيما في الظروف الدقيقة، مثلما حدث خلال الانتخابات الفلسطينية، عندما تسلّمت حماس مسؤوليات الحكم، وكذلك في المحاولات التي تبذلها من أجل التصالح مع خصمها، حركة فتح العلمانية. (تسيطر فتح على السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وقد اعترفت بإسرائيل العام 1993 في سياق اتفاقات أوسلو).

تستحق بعض الأمثلة المحددة تسليط الضوء عليها. فقد غابت الإشارات إلى المقاومة إلى حد كبير عن برنامج حماس السياسي في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في العام 2006. فخلال الحملة الانتخابية، سعت حماس إلى استقطاب شريحة واسعة من الناخبين المنتمين إلى معسكرات سياسية مختلفة في الأراضي الفلسطينية، والذين لايدعمون جميعهم النضال العسكري ضد إسرائيل.

وعلى النقيض، استخدمت حماس مفهوم المقاومة بطريقة مختلفة جدّاً بعدما سيطرت عسكرياً على غزة في العام 2007. فقد عمدت الحركة إلى مأسسة المقاومة في إطار هيكليات القطاع السياسية. وأصبح جناحها المسلّح، كتائب عز الدين القسام، مسؤولاً عن ضمان الاستقرار الخارجي للمنظومة السياسية في غزة في مواجهة إسرائيل وفتح على السواء، وكذلك الاستقرار الداخلي في وجه المجموعات السلفية العنيفة.

تدرك حكومة حماس في غزة صعوبة أن تكون في الحكم وحركةً مقاوِمة في آنٍ واحد. وعلى هذا الأساس، عمدت حماس إلى التمييز بين ماتسمّيه المقاومة التكتيكية والمقاومة الاستراتيجية. ففي حين تقبل حماس تكتيكياً بفرضية دولة فلسطينية بالاستناد إلى حدود 1967، لاتزال الحركة تتطلع

 

استراتيجياً إلى تحرير كامل فلسطين وفقاً لحدود ماقبل 1948. يُتيح هذا التمييز بين التكتيك والاستراتيجية لحركة حماس ضبط التشنجات التي تشكّل جزءاً لايتجزأ من دورها المزدوج في غزة.

وفي سياق تكييف مفهومها عن المقاومة مع الأوضاع المختلفة، أطلقت حماس أيضاً مفهوم المقاومة الشعبية. طُرِحت هذه الفكرة لأول مرة في العام 2011، في أعقاب محادثات المصالحة مع فتح، ومُطلِقها هو خالد مشعل الذي كان آنذاك رئيس المكتب السياسي في حركة حماس.

رأى مشعل في المقاومة الشعبية تململاً مدنياً غير عنفي موجَّهاً ضد إسرائيل؛ وقد ارتبط البعد الشعبي لهذه المقاربة بالتظاهرات التي عمّت العالم العربي في تلك الفترة. كان المقصود من هذا الموقف إظهار استعداد حماس للتسوية مع فتح التي سلكت طريق الدبلوماسية بدلاً من المقاومة المسلّحة.

في مطلع العام 2018، أعادت حماس إحياء فكرة المقاومة الشعبية، تزامناً مع مسيرة العودة الكبرى في غزة التي أطلقتها جهات ناشطة في المجتمع المدني الفلسطيني. لقد طالب أنصار هذه المبادرة بعودة الفلسطينيين إلى أراضي 1948. وقد وجّهت حماس دعوة مُلفتة إلى الفلسطينيين للانضمام سلمياً إلى هذه التحرّكات.

على النقيض من مفهوم المقاومة الشعبية، تسلّطوثيقة المبادئ والسياسات العامة التي أطلقتها حماس في العام 2017 – وهي أول وثيقة سياسية تنشرها الحركة منذ ميثاقها الصادر في العام 1988 – الضوء على أن المقاومة المسلحة تبقى عنصر التركيز الأساسي بالنسبة إلى الحركة. في الوقت نفسه، تشرح الوثيقة أن تصعيد المقاومة أو خفض وتيرتها يندرج في إطار استراتيجية إدارة النزاع.

صحيحٌ أن المقاومة المسلّحة تشكّل العنصر الأساسي في مقاربة حماس، لكن عندما تساهم أشكال أخرى من المقاومة، مثل المقاومة الشعبية، في تعزيز موقع الحركة داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها، تعمد
حماس إلى التركيز عليها بدلاً من المقاومة المسلحة.

 

تحالف عابر للطائفية يعود بالفائدة على الطرفَين

لطالما كان حزب الله وحماس حليفَين مقرّبين. قبل الانتفاضات العربية في العام 2011، كان يجمع بين الطرفَين تعاونٌ سياسي وعسكري، واصطفافٌ وثيق إلى جانب إيران وسورية.

تاريخياً، كان حزب الله صاحب اليد العليا في الشراكة، إذ كان يؤمّن التدريب العسكري لمقاتلي حماس، ويُقدّم توصيات سياسية للحركة، ويشجّع المنابر الإعلامية التابعة له على دعم حماس والقضية الفلسطينية.

كانت العلاقة التي تجمع بين التنظيمَين وطيدة جداً إلى درجة أن العديد من كبار المسؤولين في حماس كانوا يشغلون مكاتب ومقار إقامة في ضاحية بيروت الجنوبية المعروفة بأنها معقل لحزب الله.

كان تأثير الحزب على حماس نابعاً في شكل أساسي من علاقاته الأوثق مع إيران، وقدرته على أن يشكّل رابطاً مهماً بين حماس وطهران.

قبل العام 2011، تعاونَ حزب الله وحماس أيضاً في إطار تحالف أوسع مع إيران وسورية، ماسُميَ محور المقاومة أو الممانعة. لم يكن محور المقاومة يستند إلى أسس طائفية، بل انبثق عن توجّهات

 

أعضائه المشتركة في مناهضة الغرب وإسرائيل، وانتقادهم للاصطفاف الودّي الذي يربط بعض الدول العربية بالولايات المتحدة. بيد أن أعضاء محور المقاومة تمكّنوا من السعي بصورة منفردة خلف تحقيق أهدافهم، شرط تقيّدهم بالإطار والتوجّه الأوسع للتحالف.

لقد تلقّى حزب الله وحماس على السواء مساعدات عسكرية ومالية من إيران. واكتسب الدعم الإيراني أهمية خاصة بالنسبة إلى حماس إثر الحظر الاقتصادي الدولي والعزلة السياسية التي فُرِضت على الحركة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في العام 2006. وأصبح هذا الدعم أكثر حيوية عندما سيطرت حماس عسكرياً على غزة في العام 2007.

 

انفصال حماس عن محور المقاومة ومصالحتها معه

بعدما تحولت الانتفاضة السورية التي اندلعت في آذار/مارس 2011 إلى حرب شاملة بين المحتجّين والنظام، حصلت قطيعة بين حماس من جهة والقيادة السورية ومحور المقاومة من جهة ثانية.

وقد ظهرت المؤشرات الأولى لهذا التباعد في النصف الأول من العام 2012، عندما بدأت حماس بتوجيه انتقادات علنية لنظام الأسد بسبب لجوئه إلى القمع العسكري ضد المعارضة السورية.

وعندما اشتدّت حدّة النزاع، نقلت حماس مكتبها السياسي من دمشق (حيث كانت تتخذ مقراً لها منذ العام 1999)، إلى العاصمة القطرية، الدوحة.

وقد أثارت هذه القرارات خلافات في الرأي داخل الحركة.1 فقد أبدت كتائب عز الدين القسام استياءها في شكل خاص من مغادرة سورية، لأن الخطوة تسببت بانخفاض شديد في الدعم المالي والعسكري الذي كانت إيران تقدّمه إلى غزة، وإلى الجناح العسكري تحديداً.

لكن بعيداً عن الرد العنيف لنظام الأسد على المعارضة السورية، كان قرار حماس بالقطيعة مع سورية مرتبطاً في شكل أساسي بالتطورات الإقليمية، ولاسيما في مصر.

فصعود الرئيس المصري السابق محمد مرسي والإخوان المسلمين هو الذي دفع، في نهاية المطاف، بحركة حماس إلى قطع علاقاتها مع سورية وباقي محور المقاومة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر هي بمثابة المنظمة الإيديولوجية الأم لحركة حماس التي اعتبرت أنه من شأنها أن تحقق فائدة كبيرة، سياسياً واقتصادياً، من وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وغيرها من بلدان الشرق الأوسط.

وكانت حماس تأمل بأن يساهم تحالف وثيق مع الإخوان في تعزيز شرعيتها الدولية وإنهاء عزلة غزة الاقتصادية والسياسية. وكانت تتوقّع أن يتمكّن الإخوان المسلمون في مصر من الحلول مكان حلفائها السابقين، أي إيران وسورية وحزب الله.

بعد انفصال حماس عن محور المقاومة، تراجع التعاون بينها وبين حزب الله إلى الدرك الأدنى. وفي حين استمرت الاتصالات على مستوى منخفض، تبادل الطرفان الانتقادات في العلن بسبب هذا الانفصال.

وقد شدّد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني المنتمون إلى حركة حماس، على أنه ليس للدعم العسكري الذي يقدّمه حزب الله إلى نظام الأسد أي علاقة بالمقاومة، محذّرين من أن الحزب سيخسر مصداقيته في العالم العربي.2 في المقابل، اتّهم حزب الله حماس بخيانة قضية المقاومة ضد إسرائيل، والتقرّب كثيراً من الإخوان المسلمين في مصر.

على الرغم من تدهور العلاقات لفترة معيّنة، عادت الروابط بين حزب الله وحماس لتتحسّن بحلول النصف الأول من العام 2017. فمنذ ذلك الوقت، تجدّدت الاجتماعات بين مسؤولين كبار في الطرفين، وكان أبرزها اجتماع 31 تشرين الأول/أكتوبر 2017، عندما استقبل أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، نائب رئيس المكتب السياسي في حركة حماس، صالح العاروري، في بيروت.

جاءت هذه المصالحة في أعقاب التقارب بين حماس وإيران. وكان السبب الرئيس خلف هذا التغيير إطاحة الرئيس المصري السابق مرسي في انقلاب عسكري في تموز/يوليو 2013.

وبعد هذا التغيير في الحكم، شُنَّت حملة قمع استهدفت الإخوان المسلمين، فأصبحت حماس في وضع حرج. أغلقت مصر حدودها مع غزة، فبات من الصعب جداً على حماس إدارة القطاع وتلبية احتياجات الفلسطينيين هناك، على الرغم من حصولها على الدعم المالي من قطر.

إشارة إلى أنه للقطريين توجّهٌ داعِم للإخوان المسلمين وحماس، وقد ظلوا الراعي الثاني الأهم لحركة حماس (بعد إيران) في غزة بعد العام 2006.

كانت التغييرات التي شهدتها القيادة السياسية لحماس في العام 2017 هي التي أتاحت للحركة إعادة إحياء علاقاتها مع إيران. أولاً، في شباط/فبراير 2017، انتُخِب يحيى السنوار الرئيس الجديد لقيادة حماس السياسية في غزة، وهو مؤسّس الجناح العسكري للحركة، ويحظى بدعم كبير في صفوفها.

كما أنه يُعتبَر متشدّداً، ويرفض حل الدولتَين مع إسرائيل. يشار إلى أنه أمضى أكثر من عشرين عاماً في السجون الإسرائيلية إلى حين الإفراج عنه بموجب صفقة لتبادل السجناء في العام 2011. وقد أدرجته الولايات المتحدة، في العام 2015، على قائمة الإرهاب العالمي.

ونظراً إلى روابط السنوار الوثيقة مع كتائب عز الدين القسام، وجدت حماس سهولة أكبر في رأب علاقاتها مع الإيرانيين.

ثانياً، في أيار/مايو 2017، انتُخِب اسماعيل هنية رئيساً جديداً لمكتب حماس السياسي. وقد حل مكان القيادي المخضرم خالد مشعل الذي كان يُنظَر إليه بأنه معتدل.

بعد انتخاب هنية، نُقِل المكتب السياسي الذي كان يقع تقليدياً خارج الأراضي الفلسطينية، من قطر إلى غزة. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2017، انتُخِب صالح العاروري، المؤسّس المشارك لجناح حماس العسكري، نائباً لرئيس المكتب السياسي.

لقد ساهمت كل هذه التغييرات فضلاً عن نقل مقر المكتب السياسي في إفساح المجال أمام فصيل حماس في غزة، ولاسيما كتائب عز الدين القسام، لتعزيز نفوذه داخل الحركة، ماسهّل أكثر فأكثر تجديد العلاقات مع إيران.

أما طهران فكان لديها، من جهتها، دافعان اثنان لإعادة بناء روابطها مع حماس.

أولاً، تستطيع إيران، من خلال دعمها لحماس، أن تعزّز نفوذها وتأثيرها في الأراضي الفلسطينية – بمحاذاة إسرائيل، عدوها اللدود، والتي ترفض إيران حقّها في الوجود.

ثانياً، من شأن علاقة بنّاءة مع حماس أن تساعد طهران على تحسين نفوذها الجيوسياسي في مواجهة السعودية على نطاق أوسع في الشرق الأوسط.

وقد شاءت الصدفة أنه بُعيد إجراء حماس بعض هذه التغييرات القيادية، اندلعت الأزمة القطرية في الخامس من حزيران/يونيو 2017. فشكّل ذلك سبباً إضافياً كي تحاول حماس ردم الهوّة مع شركائها السابقين.

وتحت تأثير الضغوط للتوقّف عن دعم حماس، خفّض القطريون إلى حد كبير مساعداتهم المالية إلى الحركة، مع العلم بأنهم لم يوقفوا هذا الدعم في شكل كامل. لقد منحت هذه الانتكاسة زخماً لعناصر حماس الذين دافعوا دائماً عن الحفاظ على العلاقات مع إيران. وبحلول أواخر آب/أغسطس 2017، أعلن السنوار عن استئناف العلاقة بين الجناح العسكري لحركة حماس وإيران.

وشكّلت الزيارة التي قام بها وفدٌ رفيع المستوى من حماس إلى طهران بقيادة العاروري المنتخَب حديثاً، في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2017، البادرة التي طبعت رسمياً المصالحة بين الجانبَين.

كان لنجاح حماس في تجديد روابطها مع إيران أثره على علاقاتها مع حزب الله. فقد تجدّدت الاجتماعات بين مسؤولين من التنظيمَين، ومنها الاجتماع الآنف الذكر الذي عُقِد بين نصرالله والعاروري في بيروت في تشرين الأول/أكتوبر 2017.

في اليوم التالي، شارك هنية في المؤتمر العالمي الثاني لعلماء المقاومة الذي أقيم في بيروت. وقد حضره مايزيد عن مئتَي شخص من أكثر من ثمانين بلداً، بينهم نصرالله ونائبه نعيم قاسم.

 

فوائد المصالحة

تُقدّم المصالحة بين حزب الله وحماس فوائد للتنظيمَين معاً، ولاسيما حماس. فقد أتاح لها تجدّد العلاقات الفرصة أمام الحد من عزلتها ومن تبعات قرارها المصيري بالوقوف إلى جانب الإخوان المسلمين بدلاً من محور المقاومة.

كذلك قد يساهم استئناف العلاقات الودّية في التخفيف من وطأة الظروف الإنسانية والاقتصادية العسيرة في غزة. لكن على الرغم من فوائد هذا التقارب، فقد تعلّمت حماس من أخطائها السابقة، وتحاول راهناً أن تتجنّب الذهاب بعيداً في تعويلها على شريك واحد من جديد.

لهذا السبب، وعلى الرغم من إعادة إحياء روابطها مع إيران وحزب الله، عمدت حماس أيضاً إلى تحسين علاقاتها مع مصر والإمارات العربية المتحدة في الآونة الأخيرة.

كذلك أفاد حزب الله من المصالحة مع حماس. ففي الأعوام الأخيرة الماضية، خسرَ الحزب من شعبيته وشرعيته في العالم العربي. فقد كشف استطلاع آراء أجراه مركز بيو للأبحاث في تموز/يوليو 2014، أن نسبة المستطلعين في مختلف أنحاء المنطقة الذين عبّروا عن آراء غير مؤيّدة لحزب الله سجّلت زيادة لافتة بين العامَين 2007 و2014 – من 41 إلى 83 في المئة في مصر، ومن 44 إلى 81 في المئة في الأردن، ومن 20 إلى 55 في المئة في الأراضي الفلسطينية. يشار إلى أن تدخّل حزب الله العسكري في سورية لعب على الأرجح دوراً في تراجع شعبيته.

وقد أظهر الاستطلاع نفسه أن شعبية حماس في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراجعت بين العامَين 2013 و2014. على الرغم من هذه التعقيدات المحتملة، يأمل حزب الله بأن تمنحه المصالحة مع حماس شرعية أكبر لدى العرب خارج إطار الطائفة الشيعية اللبنانية، نظراً إلى أن حماس تتشارك جذوراً سنّية مع غالبية العرب، ولأن القضية الفلسطينية لاتزال تحظى بدعم كبير في مختلف أرجاء الشرق الأوسط. ويتوقّع حزب الله الشيعي أن يساعده التقرّب من حركة حماس السنّية على التخلّص من الصبغة الطائفية التي وُصم بها منذ اتخذ قراره بتقديم دعم عسكري إلى نظام الأسد العلوي في سورية.

لكن غالب الظن أن حماس ستتفادى أن تصبح مقربة من حزب الله وإيران بقدر ماكانت عليه قبل العام 2011. وخلال العام المنصرم على وجه الخصوص، حاولت حماس الحفاظ على استقلالية أكبر عبر بناء روابط مع دول مختلفة (وحتى متخاصمة أحياناً)، أو الحفاظ على روابطها معها، ومنها إيران والإمارات العربية المتحدة ومصر وقطر والجزائر وماليزيا.

واللافت في هذا الإطار أن يحيى السنوار الذي لطالما اعتُبِر ذا توجّه موالٍ لإيران، هو مَن عمل بصورة براغماتية على تعزيز العلاقات مع مصر والإمارات. مما لاشك فيه أن العلاقة بين حزب الله وحماس ستبقى ذات أهمية بالنسبة إلى الطرفَين، إنما غالب الظن أن حماس ستواصل، في الوقت نفسه، السعي إلى الاحتفاظ أقلّه بهامش معيّن للمناورة على انفراد إلى حد ما.

 

مارين كوس: باحثة في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمناطقية، ومؤلّفة كتاب “المقاومة والنفوذ
ومفاهيم المنظومة السياسية في التنظيمات الإسلامية: مقارنة بين حزب الله وحماس”
Power and Conceptions of Political Order in Islamist Organizations: Comparing
Hezbollah and Hamas) (راوتلدج، 2018).

 

هوامش

1 مقابلة أجرتها المؤلّفة مع عضو من حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني، الضفة الغربية، 25
آب/أغسطس 2013.

2 مقابلة أجرتها المؤلّفة مع عضو من حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني، الضفة الغربية، 28
آب/أغسطس 2013.

3 مقابلة أجرتها المؤلّفة مع صحافي لبناني بارز موالٍ لحزب الله، بيروت، 30 أيار/مايو 2013.

تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

بأموال الإمارات.. بيوت مقدسية في قبضة المستوطنين

بأموال الإمارات.. بيوت مقدسية في قبضة المستوطنين أكثر من 150 بؤرة استيطانية أصبحت حول المس…