لن تتعب هذه الأمة من محاولة النهوض

لن تتعب هذه الأمة من محاولة النهوض

  • خروج شعوب العرب من جديد للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة يؤكد أنها لن تتوقف عن تغيير أوضاعها المزرية.
  • لا حل إلاً بكتلة من قوى المجتمعات المدنية العربية الحية النشيطة المعبرة عن ضمير الأمة لمواجهة الانحدار الخطر.
  • كل وسائل الخداع والاعتقال والقمع والتخدير استعملت وأعيد طرحها كاستجابة واعدة وضرورية لمطالب الملايين

بقلم: علي محمد فخرو

يوماً بعد يوم تنجح القوى الخارجية، المتآمرة دوماً على الوطن العربي، والقوى الداخلية، الرافضة دوماً لكل إصلاح حقيقي قد يمس مصالحها وامتيازاتها ونفوذها، في إفشال كل حراك جماهيري عربي يحاول إخراج وطنه من أوضاع الاستبداد السياسي والإستباحة الاقتصادية والارتهان لإرادة الخارج، والاندماج المذهل في مساوئ النظام العولمي النيوليبرالي المتوحش.

ما يميز ذلك المشهد هو الإصرار على جعله مشهد صراعات وخلافات ما بين أنظمة حكم عربية، أو تقييمه على أنه نجاح باهر لهذا النظام، أو إخفاق مخجل لذاك النظام.

اقرأ/ي أيضا: السلطويات العربية حين تفرض الانتقام فولكلورا شعبيا

يغييب الجانب الأهم في ذلك المشهد، جانب إرادة ومصالح وأحلام المجتمعات والشعوب، احتقاراً لها من قبل البعض، وإدخالاً في اليأس والدعة المذلة من قبل البعض الآخر.

ما يوجع ويؤلم هو أن تلك الشعوب والمجتمعات هي التي تدفع الثمن الباهظ، دماراً في مدنها، وغياباً متعمداً لخدماتها الاجتماعية، مثل التعليم والصحة والنقل والعمل، وتهجيراً مخططاً لملايينها إلى الملاجئ والتسول في الشوارع والاضطرار لبيع الجسد والانغماس في كل أنواع الرذيلة.

وبحرقة قلب وشعور بالعجز يشاهد الناس يومياً مناظر الأطفال والنساء والعجزة، وهم يبكون ويولولون في الشوارع، وفي الملاجئ البائسة القذرة المذلة لآدمية الإنسان.

اقرأ/ي أيضا: السياسة في حياتنا

وبقدرة قادر تبقى الامتيازات السابقة كما كانت، ويبقى الفساد السابق منتشراً ومتجذراً، وتبقى الشمس مشرقة على البعض، بينما الظلام الداكن المرعب يلف غالبية المواطنين التائهين على وجوههم بين نيران الجحيم الذي يعيشونه ليل نهار.

من قبل كان الادعاء الكاذب بأن الحراكات فيها عنف يهدد الأمن الداخلي، وبالتالي لابد من مواجهتها بالبطش والسجون وتضييق الحريات وإصدار أشكال لا حصر لها ولا عد من القوانين الجائرة. لكن حراكات الشهور القليلة الماضية الكبيرة المليونية المسالمة القانونية إلى أبعد الحدود، فضحت المستور وراء أقنعة الخارج والداخل.

اقرأ/ي أيضا: الممارسات الإجرامية الصهيونية الوحشية

كل وسائل الخداع والتسويف، والاعتقالات والتلاعب بالوقت والاتهامات الملفقة، والوعود المسكنة المخدرة غير الصادقة، جميعها استعملت وأعيد طرحها كاستجابة واعدة وضرورية لمطالب الملايين المسالمين المغدورين في كل جانب من حياتهم المعيشية.

كان الأمل أن تتعلم نخب الحكم العربية ومن وراءها من المآسي الجنونية التي غطت بعض أجزاء الوطن العربي في العشر سنين الأخيرة، وأحالت الوطن العربي إلى خراب ويباب تنعق فيه الغربان.

وأن تصحو المؤسسات الإقليمية العربية المشتركة من سباتها وكسلها وقلة حيلتها، لكنها جميعاً لم تتعلم، ولم يصح ضميرها الجمعي بعد، وبقيت تمارس شعار: عليّ وعلى أعدائي، وليحترق الجميع.

اقرأ/ي أيضا: رسالة مهاتير محمد اليمنية للسعودية

يستطيع من يريد أن يصف ما قلناه بأنه بكائية من بكائيات أمة العرب، لكن الإحن والمحن التي تعيشها الأمة العربية يجب أن توصف كما هي، فلعل مناظر الشياطين وهم يبتسمون في أغلب العواصم العربية، تحرك ساكناً في الجهة الوحيدة المؤمل منها شيء: جهة المجتمعات المدنية العربية، وعلى الأخص شبابها.

هؤلاء يجب أن يعوا بأن كل ممارسات العلاقات العامة المظهرية التي تمارسها بعض الجهات، بخبث وتمويه، وبأن كل الدفع الممنهج لانغماس شباب وشابات الأمة في الثقافة العولمية الاستهلاكية الفردية المسطحة، الكارهة لكل التزام وطني وقومي وإنساني، وأن الهوس البليد بسخافات المنافسات الرياضية، وتقليعات الغناء المبتذل وانبهارات وسائل التواصل الاجتماعية المتغيرة يومياً..

بأن جميع ذلك لن يكون طريقاً حاسماً ومؤكداً لإخراج أوطانهم من الجحيم الذي تعيشه، ولاستجابة قوى الامتيازات الداخلية والخارجية للمطالب العادلة التي رفعوها ويرفعونها.

اقرأ/ي أيضا: جولة كوشنر.. التدشين لصفقة القرن وفق الرؤية الأمريكية

كل ذلك لن يجفف الدموع، ولن يوقف إراقة الدماء، ولن يمنع تدمير المدن، ولن يؤخر التوجه السريع لإعطاء الاستخبارات شرعية اتخاذ القرارات الكبرى.

ما قلناه ونعيد قوله بأن لا حل إلاً بقيام كتلة متناسقة متعاونة متعاضدة من قوى المجتمعات المدنية العربية الحية النشيطة المعبرة عن ضمير الأمة، وذلك لمواجهة الانحدار الخطر الذي تتوجه إليه الأمة، إذ لن يستطيع أحد أن ينجو من الطوفان الهائج الذي يخطط لهذه الأمة.

اقرأ/ي أيضا: صفقة القرن “دولة واحدة بنظامين” بدل حل الدولتين

عندما بدأت حراكات وثورات الربيع العربي، وتعثر الكثير منها، قلنا بأن الثورات لها منطقها في الفشل والنجاح، في الصعود والهبوط. خروج الملايين من الشعب العربي من جديد للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة يؤكد أن الشعوب العربية لن تتوقف بعد الآن عن تغيير أوضاعها المزرية، مهما كانت الآلام والتضحيات.

هذه الحقيقة يجب أن تقنع الكثير في الداخل والخارج أن لا تراهن على عامل الوقت، وعلى الضعف الذي سيدب في هذه الأمة التي ستنهض، طال الزمن أم قصر.

اقرأ/ي أيضا: الشعب السوري

* د. علي محمد فخرو كاتب بحريني

المصدر: القدس العربي – لندن

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.