9 أغسطس، 2018

لماذا نحتاج إلى العلوم الاجتماعية؟!

عند حلول

عند حلول الأزمات نهرع لمن يستطيع أن يفسر لنا ما يجري حولنا من أحداث.

الاجتماعيون هم الأقدر على وضع الإنجازات المادية للحضارة في سياقها الاجتماعي والإنساني.

دراسات الرأي العام والدراسات التطبيقية الاجتماعية مفيدة بشكل بالغ في تصميم السياسات العامة.

نحتاج علوما اجتماعية تبني المجتمع ومجتمع يدرك أهميتها.. لكن كيف نستفيد من العلوم الاجتماعية بالشكل الأمثل؟

 

بقلم: ماجد الأنصاري

أذكر أنني سألت مرة أحد أساتذة العلوم السياسية العرب، كيف نشجع الطلاب على دراسة العلوم الاجتماعية؟

فكانت إجابته المازحة أنه يجب ألا نشجعهم، لأننا بذلك نحكم عليهم بحياة من الفقر، بطبيعة الحال كانت هذه مبالغة من الأستاذ، ولكنه كان يقصد بها أن العلوم الاجتماعية ليست “مربحة” بلغة عالم الأعمال.

ففي مجتمعات السوق المفتوح تكون الأفضلية للتخصصات الطبية والهندسية والقانونية والتجارية، وتبقى الفنون والتخصصات الاجتماعية في أسفل القائمة، وإذا كتب لك زيارة جامعة أمريكية حيث تعتمد الجامعات بشكل كبير على تمويل القطاع الخاص ستجد أبسط المباني من نصيب أقسام العلوم الاجتماعية.

أما إذا حضرت المؤتمرات العلمية فمؤتمرات العلوم الاجتماعية تكون فقيرة مقارنة بالمؤتمرات الطبية التي تمولها الشركات الدوائية أو الهندسية التي تمولها قطاعات الطاقة والتكنولوجيا.

حتى في الاقتصادات الريعية التي يعتمد فيها التعليم على الدعم الحكومي الكامل تبقى العلوم الاجتماعية مظلومة، ففي سوق العمل الأفضلية للطبيب والمهندس والقانوني وينصب اهتمام الجامعات على التخصصات العلمية.

حتى هنا في قطر حيث تتمتع العلوم الاجتماعية باهتمام لا بأس به على المستوى الرسمي يبقى الاهتمام الموجه للأبحاث في المجالات الأخرى أكبر وإن كانت كليات العلوم الاجتماعية في قطر فخمة إذا ما قورنت بمثيلاتها خارجها.

لكن هذا التفضيل للعلوم “غير” الاجتماعية إذا صح التعبير ليس من فراغ، هو أمر تفرضه طبيعة هذه التخصصات التي لا تغذي الأجزاء الأكثر ربحية من السوق بشكل مباشر.

كما أن التطور التكنولوجي يحتم الاهتمام بالعلوم الطبيعية على حساب الاجتماعية، لذلك ليس الأمر مظلومية مطلقة للعلوم الاجتماعية، فهناك تبرير واضح لتوجيه الاهتمام نحو غيرها لكن العلوم الاجتماعية لها مكانها الذي لم يستكشف بعد بشكل كامل في مجتمعاتنا في بناء نهضة المجتمع.

أهمية العلوم الاجتماعية تبرز عادة في الأزمات، في أوقات الاستقرار يبدو فهم العالم من حولنا رفاهية، أما عند حلول الأزمات نهرع لمن يستطيع أن يفسر لنا ما يجري حولنا من أحداث، والأزمات هنا قد تكون سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.

اليوم في إطار الأزمة الخليجية مثلاً، برز العديد من المحللين السياسيين والمختصين في العلاقات الدولية والاقتصاديين في الخليج إما في إطار دعم المواقف المختلفة أو تقديم تحليلات لما يحدث.

حتى على المستوى الرسمي بدأت حكومات المنطقة تنقب عن حاملي الشهادات العليا في هذه المجالات لمختلف المهام، بطبيعة الحال هذا الأمر يعكس أهمية هذه التخصصات خلال الأزمات وخارجها، الاجتماعيون هم الأقدر على وضع الإنجازات المادية للحضارة في سياقها الطبيعي والحفاظ عليها من تداعيات العوالم الأخرى السياسية والاجتماعية.

يبقى السؤال، كيف نستفيد من العلوم الاجتماعية بالشكل الأمثل؟ حتى يكون ذلك لابد من أمرين رئيسيين:

  • الأول إدراك أهمية أن تكون صناعة السياسات العامة مبنية على الأدلة العلمية، دراسات الرأي العام والدراسات التطبيقية الاجتماعية مفيدة بشكل بالغ في تصميم السياسات العامة وتقويمها لأنها توفر أرضية علمية لاتخاذ القرار.

  • الأمر الثاني هو تطوير كليات وأقسام العلوم الاجتماعية في الجامعات المختلفة لترتبط بشكل أكبر باحتياجات المجتمع والسوق والدولة، بحيث تجمع بين النظرية والتطبيق بشكل أكبر من الحاصل اليوم.

لا شك أن هناك تجارب إيجابية ولكن الطريق طويلة أمامنا لتصبح كلياتنا في العالم العربي منتجة لمعرفة قابلة للاستخدام المباشر في المجتمع.

حتماً لن تصبح العلوم الاجتماعية فجأة على رأس الأولويات الاجتماعية، ولكن مكانتها يجب أن تقدر بناءً على حاجة المجتمع الحقيقية لها.

التركيز فقط على الجوانب المادية في تطور المجتمع من الممكن أن يفرز لنا لنا:

  • مجتمعاً مضطرب الهوية بين إكراهات الحداثة وقيم الماضي دون أن تتوافر له حلول مبنية على فهم حقيقي للمجتمع.

  • مؤسسات تخلف سياساتها كوارث اجتماعية دون إدراك لذلك.

نحن بحاجة إلى علوم اجتماعية تبني المجتمع ومجتمع مدرك لأهميتها.

  • د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر.

المصدر: الشرق القطرية

مفاتيح: العلوم الاجتماعية، العلوم الطبيعية، الأزمة الخليجية، مؤسسات الدولة والمجتمع، التطور التكنولوجي، اضطراب الهوية، دراسات الرأي العام، الأبحاث التطبيقية،

المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع ولكنها تعبر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *