كيف يشابه الإبن أباه؟

كيف يشابه الإبن أباه؟

الحب يدفع إلى التشابه:

التشابه يساهم في نشوء الحب، فهل يؤدي الحب إلى التشابه بين الأحبة؟

روى أبو داوود في سننه وروى الترمذي في الجامع الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل). (حسنه الألباني وصححه ابن باز).

والخُلّة أعلى مراتب الصداقة، لذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم خليل الله وكان إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – خليل الله.
وهذا الحديث يحذرنا عندما يقول: (فلينظر أحدكم من يخالل) يحذرنا من أثر من نحب في أنفسنا، وأخلاقنا، وسلوكنا، ومشاعرنا، أي: في ديننا.
وهنا يكمن سر تربوي عظيم؛ فكما أن الحب يقوم على الإعجاب، أي: على التشابه فإنه – أي الحب – يولد المزيد من التشابه بين المتحابين.
فالحب يوجِد في النفس دافعاً إلى التشبه بالمحبوب، والتخلق بأخلاقه، والاتصاف بصفاته، وهذا الدافع يكون عادة لا شعوريا، يؤثر فينا ونحن لا نشعر.

ولعل تأثيره يتم من خلال اقتباسنا لصفات المحبوب، وجعلها جزءاً من نفوسنا المثلى (أي: من صورة نفوسنا كما نتمناها أن تكون) فيصير التخلق بأخلاق المحبوب هدفاً نفسياً لنا.

إنَّ ما سبق يمكننا من فهم الأثر الذي يولده حب المؤمن للرسول صلى الله عليه وسلم، حباً يفوق حبه لنفسه، وأهله، وماله، وولده. فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس – رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين).
ورورى البخاري أيضاً في صحيحه عن – أنس رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه من سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار).

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما طالب المؤمن أن يحبه أكثر من والده وولده والناس أجمعين، ما كان يريد منه أن يعظمه، أو أن يقدسه، فسيرته صلى الله عليه وسلم كلها تشهد بعكس ذلك.

لقد كان – وهو النبي القائد والرئيس للدولة – يجلس بين أصحابه لا يتميز عنهم بشيء، حتى إن القادم الذي لا يعرفه إن أتى مجلسه لم يستطع أن يميز محمداً صلى الله عليه وسلم من أصحابه فيقول: أيكم محمد؟.

وقد روى ابن ماجه في سننه عن أبي مسعود – رضي الله عنه – قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ، فكلمه فجعل ترعد فرائضه. فقال له: (هون عليك، فإني لستُ بملكٍ. إنما أنا ابنُ امرأةٍ تأكل القديد). (جاء في مجمع الزوائد: إن إسناد هذا الحديث صحيح، وإن رجاله ثقات).
إذاً عندما جعل النبي صلى الله عليه وسلم حبّه، وحب الله حباً يفوق حب ما سواهما شرطاً لكمال الإيمان، فإنه كان يهدف إلى تربية المؤمنين تربية عن طريق الحب (تربية بالحب).

فحب النبي صلى الله عليه وسلم يدفع النفوس إلى استمثاله، أي اتخاذه مثلاً ومثالاً، وتكون النفس المثلى لكل مؤمن منطبعاً فيها صفات الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وطباعه، حتى إنه لو قُدِّر للمؤمن أن يعيد الله خلقه كما يشاء هذا المؤمن، وبالشكل الذي يحب لقالت نفسه: أريد أن أكون مثل محمد صلى الله عليه وسلم في كل شيء.

ولعل هذا ما جعل مادح النبي صلى الله عليه وسلم يخاطبه قائلاً:
خُلقتَ مبرّأً من كلِّ عيبٍ كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ

وحتى يؤتي حبّ المؤمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثماره التربوية، فإنه يجب أن يتم مع الإصرار على بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أنه بشر مثلنا، ولا يزيد علينا إلا بأنه يُوحى إليه. قال تعالى في الآية الأخيرة من سورة الكهف [رقم 110]: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}.

وذلك لأن إسباغ أية صفات فوق بشرية على شخصية النبي صلى الله عليه وسلم تضعف آلية الاستمثال؛ لأنه يكون عندها للشيطان ما يقنع به النفس؛ التي لا تريد أن تسمو فوق عيوبها مستمثلة في سموها المنشود شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه.

ولهذا لم يبعث الله في الناس رسلاً من الملائكة؛ لأن أثرهم أضعف في النفوس، حيث يقول الشيطان للإنسان: (وكيف تكون مثله وهو ملك معافى من الغرائز، والشهوات، والميول الفطرية؟).

هذا بالإضافة إلى ناحية هامة أخرى وهي: أن حُبَّ الإنسان لإنسان آخر- مع إدراكه لبشريتة حباً مبرأ عن المصالح الدنيوية، هذا الحب لا يجتمع في النفس مع الكِبْر، فحبُّنا للنبي صلى الله عليه وسلم مع إدراكنا لبشريته المماثلة تماماً لبشريتنا فيه الشفاء لقلوبنا من الكبر والعلو، أما إن أسبغنا عليه صفات فوق بشرية، فعندها يمكن للكبر والعلو أن يجتمعا مع حب النبي صلى الله عليه وسلم في قلب واحد.

وهذا أمر على جانب عظيم من الأهمية، ذلك أن الله قد توعد على الكبر النار، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.

موضوعات تهمك:

كنز من المعلومات في قسم بنون حول تربية الاطفال والمراهقين، بقلم المفكر الاسلامي استشاري الطب النفسي الدكتور محمد كمال شريفة ننصح كل أب وكل أم ان يطلعوا عليه الرابط هنا

كيف نجعل أبناءنا كما نحب أن يكونوا؟

هل تقاليدنا فعلا تقاليد اسلامية؟

هل تصلح التقاليد أساسا لأخلاقنا؟

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.