كيف يتعلم المراهق الموضوعية؟

كيف يتعلم المراهق الموضوعية؟

يقول (ديفيد إلكند): إننا جميعاً نحتفظ بشي من هذا “الجمهور المتخيل” حتى عندما نصبح كباراً راشدين، ويذكر أنه كان يتناول طعامه ذات مرة في مطعم كبير في مدينة غريبة عنه، وهو يأكل وقعت السكين على الأرض الرخامية، فبدا صوت ارتطامها على الأرض مثل صاعقة، وأحس أن جميع من في المطعم كان ينظر إليه، ويقول في نفسه: (ياله من أخرق!).

وواضح لنا أن مثل هذا الإحساس فيه مبالغة، ومن المستبعد جداً أن يهتم كل من في المطعم بسكين وقعت على الأرض مصادفة.

وبعض الراشدين يعتمد على الجمهور المتخيل كثيراً، حيث يضرب ديفيد إلكند مثالاً على النجمة السينمائية الآخذة في الخبو والذبول من عالم السينما، إذ تكتئب وتحزن، لأنها تتصور أن الجميع يلاحظون كل تجعيدة جديدة في وجهها، وكل شعره بيضاء في رأسها، وكل وريد أزرق في ساعديها أو رقبتها.

كما يذكر مثالاً  آخر: أولئك المغرورين بنجاحاتهم، الذين يتصورون أن الجميع يراقبهم في المطعم مثلاً، حيث ينادون رئيس الخدم بصوت عال، وباسمه الأول، ويعملون من جلوسهم على أفضل طاولة مشهداً للجميع.

وفي الحقيقة أننا إذا نظرنا إلى أنفسنا كممثلين على مسرح الحياة، فإننا لا نحتل وعي جمهورنا أكثر من لحظة قصيرة، وربما لا يهتم بنا أحد حتى لحظة قصيرة، فأكثر الناس ينفق معظم حياته في التفكير بمشكلاته الخاصة، وفي آماله، وإحباطاته، لأن الأنانية فطرة لدى الجميع، ولولاها لما حرص أحد على مصلحته الدنيوية أو الأخروية.وطبيعي أن يعجب الناس بأداء بارع، أو بشخص ناجح في مجاله، لكن ذلك لا يحتل إلا جزءاً ضئيلاً من أفكارهم.

وإدراك هذه الحقيقة يأتي متأخراً في حياة الإنسان، هذا إن هو أتى، إذ يبقى البعض غافلاً عن هذا الإدراك.والمراهقون الصغار يؤمنون بشدة أنهم في بؤرة اهتمام الناس وتركيزهم ومن ثم يراقبون أنفسهم، ويحسون بها بشدة، وقد يتكلفون الكثير من الجهد والمشقة، ليتجنبوا ما يعتقدون أنه سيكون خبرة مخزية.

والجمهور المتخيل يساعدنا على فهم بعض التبدلات في سلوك المراهقين، حيث من دون أخذ في الاعتبار سيصعب علينا كثيراً تفسير التغير، الذي يطرأ على فتى كانت أمه تدخل في معركة معه لتجعله يغتسل، فإذا به بين ليلة وضحاها ينفق أوقاتاً طويلة في الحمام يغتسل، ويقف أمام المرآة يمشط شعره، ويحسن هندامه، ومظهره.وعندما يقف المراهق أمام المرآة، فإنه يتخيل رد فعل الجمهور لمظهره، فهو في هذا العمر شديد الاهتمام لما تكون عليه صورته في عيون الآخرين، وهذا يرينا أهمية تجنب الكبار، الذين يشرفون على المراهق لأية سخرية منه، أو انتقاد علني له، فإذا ما كان علينا توجيه المراهق أو المراهقة حول شيء من سلوكهما، فلا بد أن يكون ذلك في السر وبعيداً عن أعين الناس.

وكلما كبر المراهق قل اهتمامه بالجمهور المتخيل، إذ يقل تركيزه على نفسه نتيجة خبراته الأوسع، وعلاقاته الاجتماعية المتنامية. وقد أجريت دراسات كثيرة على المراهقين لقياس هذا التغير في مقدار مراقبة المراهقين لأنفسهم، وتركيزهم عليها، ومن هذه الدراسات ما يستخدم مقياساً للجمهور المتخيل يحتوي على أسئلة مثل: (بقيت شهراً وأنت متشوق للذهاب إلى الحفلة، وعندما وصلت إليها بعد مشوار طوله ساعة بالسيارة اكتشفت بقعة زيت على قميصك أو بنطالك، ماذا تفعل هل تبقى في الحفلة أم تعود إلى البيت؟).

الغالبية من الأطفال المُمَيِّزين الذين اقتربوا من المراهقة أجابوا أنهم سيذهبون إلى الحفلة على أية حال، وكذلك المراهقون الكبار بين (16-17) سنة أجابوا الشيء نفسه وقالوا: (إنهم أصدقائي، ولا أحد سيهتم) أي إنهم سيحضرون الحفلة على الرغم من بقعة الزيت، لكن الأمر مختلف عند المراهقين والمراهقات الصغار من عمر (13-14) سنة حيث قالوا: إنهم سيبقون في الحفلة، لكنهم سيقفون في زاوية مظلمة بحيث لا يرى أحد بقعة الزيت على ملابسهم، وأنهم سيسكبون شيئاً على أنفسهم متظاهرين بأن ذلك حدث رغماً عنهم، كي يظن الحضور أن البقعة ناتجة عما انسكب عليهم من شراب، وليست بقعة أتوا بها على ملابسهم من البيت.

وواضح أن الجمهور المتخيل يعكس عدم قدرة المراهق الصغير على التمييز بين انشغالاته وهمومه هو وانشغالات وهموم الآخرين.ويمكننا مساعدة المراهق الصغير على اكتساب القدرة على هذا التمييز إذا أخذنا موقفاً وسطاً بين قبول نظرة المراهق إلى العالم وبين رفضها بالكامل؛ فعلى سبيل المثال إن قالت مراهقة صغيرة: إن لديها نمشة على خدها، وإنها قبيحة بسبب هذه النمشة الصغيرة، وإن الناس كلهم يرونها قبيحة، فإننا لن نحقق الكثير إذ ما طمأناها، وقلنا لها: إنها جميلة على الرغم من النمشة التي على خدها، وهي لن تكون شاكرة لنا إذا ما وافقناها فيما تعتقده من أنها قبيحة، أما الرد الأفضل المنطلق من موقف متوسط فإنه من قبيل أن نقول لها: (حسناً، إنك بالتأكيد لا تبدين لي قبيحة، لكن هذا هو رأيي.

ماذا يقول الآخرون؟ هل يقولون شيئاً عن ذلك، أم هل يلمزون ويغمزون؟).إننا بمثل هذا الرد نساعد هذه المراهقة على وضع خيالها على محك الواقع، وعلى اختبار حقيقة جمهورها المتخيل بمقابل الواقع، وبذلك على التمييز بين الحال التي يكون عليها العالم من حولها، والحال التي تشتهي هي أن يكون عليها هذا العالم، وبالتدريج يتعلم المراهق الموضوعية بينما هو يتحرر من سطوة الجمهور المتخيل واستبداده.

موضوعات تهمك:

هل تقاليدنا فعلا تقاليد اسلامية؟

لماذا نعلم أبناءنا الصلاة في السابعة من عمرهم؟

المراهق المثالي!

اكتب تعليقك
تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.
عاجل