قصة “بائعة الشاى” لعلى حزين

أدب
1 فبراير 2019آخر تحديث : الخميس 31 يناير 2019 - 9:44 مساءً
قصة “بائعة الشاى” لعلى حزين

قصة قصيرة  بائعة الشاي

قطار رقم “80 ” مميز ــ القاهرة / أسوان ــ يخرج من المخزن ببطء شديد , أجلس مكاني في هدوء .. أنظر لصديقي النائم على كرسيه , وقد أنتفخ بكرشه , أخرجت سيجارة أشعلها , وأنا أتابع الزحام , والتدافع علي أبواب القطار , مع جلبة وصياح , يتمكن بعض الركاب من الجلوس علي الكراسي .. وقد أخرج بعضهم رأسه من النوافذ .. لينادوا على ذويهم , بأصوات مرتفعة , متداخلة .. وهم يلوحون بأيدهم .. في شارة منهم بأنهم هاهنا …؟!!..
” الكمساري” لم يزل يقطع التذاكر .. وهو مقطب الجبين .. زاماً بين حاجبيه .. يستحث الناس علي إخراج النقود ــ سريعاً ــ حتى يقطع لهم التذاكر , ولأكبر قدر ممكن من الركاب.. وهو يُجلِس الركاب الواقفين في الممر..حتى يتمكن من إفساح الطريق له وكان الزحام على أشده ,
تقع عيني على طفلٍ صغير , أسمر , نحيل , ربما لم يتجاوز العشر من عمره , حدث .. يقف أمام صنبور الماء يملأ زجاجات ” البلاستيك ” الفارغة , ينتهي من واحدة , يضمهم إلي صدره الضامر , كفرخ قمري عارٍ .. برزت عظامه واضحة أجعد الرأس , ملبد الشعر , يرتدي قميص أبيضاً , متسخاً , ممزقاً , بلا زرا ير , ظهرت عليه البقع واضحة , مفتوح على فلنة قديمة , ممزقة .. ” وبنطال أحمر متسخ ممزق على ركبتيه .. سحبت عينيَّ على قدماه .. كانت متسخة , حافية , ومعتور .. ينتبه للقطار الخارج تواً من المخزن .. يجري خلفه , يصعد بحرفية.. وحركة بهلوانية .. ولسان حاله يقول للناس الناظرين إليه ..
” لا تندهشوا فأنا مدرب على هذا .. ولا تراعوا لان بيني وبين القطار أُلفة , ومودة من نوع ما ” .. ؟!!..
أراه يطوح بيده في الهواء .. وهو ينادى بمد صوته الضعيف ..
ــ بخمسين ” قرش ” الزجاجة .. واشرب يا عطشان .. أروى نفسك .. طري علي معدتك , بخمسين قرش ….
صفير القطار مزعج جداً .. والأصوات داخل القطار عالية .. وعربة القطار تشبه علبة السردين .. وصديقي لم يزل يغط غطيطاً , وهو نائم بجواري .. وصوت بائع الجرائد , والكولا , والسندوتشات , والشاي , والحلوى .. وغيرهم الكثير من البائعين الجائلين في القطار , تكاد أصواتهم تغطي علي صوته الصغير .. أخذت نفسا عميقاَ .. أخرجت رأسي من النافذة .. لأشتم الهواء , وأتشبع , وأستمتع بالجو الجميل , وبمنظر القاهرة وقت الغروب , وهي تخلع ثوبها الكادح .. لتلبس ثوبها القشيب , المزركش , الساهر , الساحر .. فالقاهرة بالليل فاتنة .. أجمل مدينة في الكون , أنا أعشق القاهرة بالليل , وكورنيش النيل ,
” يا سلام علي الجمال , والروعة , والبهاء , والجلال , والدلال , صدق من سماها
” أم الدنيا مصر ست كل عصر ..” …
العمائر , والأبراج الشاهقة , مزروعة في كل مكان .. وخلق كثير مشاة , وخلق أخر ينظر من الشبابيك , والشرفات .. والعربات بماركاتها المختلفة , تلتهم الشوارع , والميادين بأزيز محركاتها , وبسرعتها المجنونة .. حتى الطريق لم تترك للمشاة , لافتات في كل مكان , وعلي جانبي الطريق معلقة .. ترعش بالألوان المختلفة .. تعلن عن أصحابها ….
تذكرت مدينتي ” طهطا ” قبل أن تغزوها المباني , والأبراج الخراسانية , وقبل أن
تدخلها المدنية الحديثة , والتحضر , ووسائل الترفيه , ويحدث فيها الانفجار السكاني الكبير .. وقد غزتها المباني من كل جانب .. واستولت علي الرقعة الزراعية .. فلم تترك أخضراً ولا يابساً من الأراضي … يآااه ….
” الناس زمان كانت بتعرف بعضها , أما اليوم الناس كيف النمل , الناس كثيرة , زحام في كل مكان , وخلق كثير ( ناس رايحه , وناس جايه ) لا أحداً يعرف أحد , ولا أحداً داري بأحد , خلق يابا كثيرة , والشوارع مليئة بالناس , أتحدى أي أحد في دولة , يعرف مين كل دولة , أو أحداً فيهم يعرف فيهم أحد .. لكن الشعب المصري شعب أصيل , طيب , وعاطفي , وعبقري بالفطرة , وجميل , حضارة سبعة الآلف سنة ”
أتعرفون بلدي طهطا .. لا تختلف كثيراً عن القاهرة .. بل هي قطعة مصغرة .. صورة طبق الأصل من القاهرة .. لم يعد فيها إلا بعض الشوارع , والمباني , والأماكن القديمة التي مازالت تحتفظ بطابعها المعماري وعبقها القديم , وبيتنا الأصيل , ورفاعة القابع في مكانه تحت المحطة في الميدان….
القطار يصفر لينتبه الناس , حتى يبتعدوا عن قضبانه الحديدية .. ولا يصابوا بأذى
” مصر ثاني دولة في العالم , أدخلت القطارات , وأنشأت السكك الحديدية , وأنا أحب السفر بالقطار , متعة ما بعدها متعة بالنسبة لي , وخاصة بالليل ” …
أحنُّ إلي بيتنا القديم , وتذكرت أيام الطفولة , والمرح “وطني ولو شغلت بالخلد عنه .. نازعتني إليه في الخلد نفسي ” رحم الله أمير الشعراء .. أحنُّ إلي مسقط رأسي .. وقد اشتقت إلي إخواني , رفقاء الطفولة, والصبا , وتذكرت أبي الطيب , ولا أدري لماذا حضرت صورت أمي الحبيبة , الحنينة , الطيبة, في رأسي الآن وهي علي سطح بيتنا القديم .. وهي تطعم طيورها الصغيرة .. وقد جلست في مكانها .. وقد مدت رجليها تلتمس الدفء من شمس الشتاء .. وقد نشرت شعرها الطويل الأسود الجميل .. لتمشطه علي بشكيرها الأبيض ..الذي كانت تلف به رأسها .. وهي تغني للطير المسافر .. والحبايب الذين رحلوا عنها .. وأنا أتطلع في وجهها الذي لم يستطع الزمن أن ينال من جماله إلا القليل .. وكنت أحب أن أجلس لجوارها بالساعات .. أستمع لحكاويها الجميلة .. فهي دائماً تحب أن تحكي لي قصتها مع أبي .. وتذكر كيف تزوجها ..
أذكر مرة من المرات سألتها .. وأنا طفل صغير .. سؤال برئ .؟ ..
ــ ليه يا أمي تزوجتي بأبي …؟!! ..
تنبهت علي صوت الفتاة .. التي تجلس في الكرسي الخلفي .. لأجد نفسي في القطار نظرت في ساعة معصمي لأتعرف على الوقت الضائع من الإجازة .. أخذت نفساً عميقاً .. بعدما استرخيت علي المقعد ..
ألتفت إلى صديقي , النائم بجواري , وقد استيقظ من نومه .. فجأة كالمذعور.. وقد انتشرت على صفحات وجهه ابتسامة خبيثة .. أعرفها جيداً.. وكأنه يلومني .. لما لم أيقظه .. غمز لي بعينه ..عدَّل من جلسته .. تثاءب .. فرك عينيه بيديه .. مدهما في الهواء.. تمطي .. وانأ أخرج علبة السجاير .. أشعلت سيجارة ماركة محلى ” كيلوباترا ” سحبت نفساً عميقاً .. حبسته في صدري برهة.. ثم أطلقته في الهواء وعدت في استرخاء .. أنظر للفضاء البعيد.. وعواميد النور.. واللافتات.. والمباني.. والعربات الفارهة , والناس .. وهي تغدو وتروح .. أدس يدي في جيبي .. أتحسس تذكرة السفر لأتأكد أن التصريح لم يزل في جيبي .. راقد خلف استمارة السفر .. .. أخرجته .. ورحت أتأمل منظره .. وأخذت أقرأه للمرة ال عشرون ….
يصرح للمذكور ….. بالغياب من الوحدة العسكرية …… من تاريخ …….. إلي تاريخ ……..”
عصرت ذاكرتي التي كثيراً ما تخونني , تذكرت , تلك الفتاة الجميلة التي تجلس خلفي , يأتيني صوتها من جديد , تطلب منى أن أترك مكاني , وأجلس لجوارها , حتى تتمكن من حجز المقاعد الشاغر الذي بجوارها لأمها , وامرأة أخيها الحامل ..
ــ من فضلك ممكن تيجيي لتجلس معي هنا …؟
وبدون أدنى تردد مني , وبسرعة البرق , أجبت طلبها , تخطيت المقعد , جلست , وأنا أسألها بفضول …
ــ لماذا لم يأتين معك ..؟
أجابتني وعيناها تتصفح الوجوه , المنتشرة بطول الرصيف , والأجسام التي تتدافع حتى تتمكن من القفز داخل القطار .. والقطار يترنح في مشيته , يتهادى في بطء وهو في طريقه إلي المحطة ,
ـــ امرأة أخي حامل .. وأمي بجوارها , مستنياني علي الرصيف , وأنا حجزت لهم هذه الكراسي …
ـــ طاب هما هيـ عرفوا يوصلوا لك أزاي في هذا الزحام ..؟!..
ــ مش عارفه ..؟.. ممكن تساعدني , تدور لي عليهم علي الرصيف ..؟. لو سمحت
القطار لم يزل هادئ في مشيته .. وكأنه طفل صغير يتعلم المشي .. يتسحب ببطء , وبهدوء شديد .. وقد تمكن بعضاً من الناس من الجلوس علي مقاعدهم , وآخرون لم يزالوا واقفين في ممر العربة , وردهة القطار , وبعض الناس أخرجوا رؤوسهم من النوافذ .. ينادون على ذويهم , بأصواتٍ , مرتفعة , متداخلة .. وهم يلوحون بأيدهم .. في شارة بأنهم هاهنا .. أخرجت أنا أيضاً رأسي من النافذة .. لا أدرى لماذا .. ربما لأتعرف على أحد .. أو ربما للإيحاء الجماعي .. أو ربما للتشبع من الهواء النقي , ومنظر الغروب الجميل في سماء القاهرة ..
عينيَّ تقع عن الطفل الصغير , هاهو يضحك .. يقترب من امرأة ثمينة مسنة .. تشتري منه , أشير إليه بيدي , يدنو مني مسرعاً , وهو ينادي علي من يشتري ..
ــ بخمسين قرش الزجاجة .. اشرب يا عطشان .. أروي نفسك ..
أشتري منه زجاجة .. أخرج خمسة جنيهات من جيبي , أدفعها له .. وأنا أفتح الزجاجة لأبلّ ريقي من شدة العطش , يخرج نقوده الزهيدة , القليلة من جيبه .. يعُدها حتى يعطيني الباقي , فأرفض أن أخذها منه , تنتشر السعادة علي وجهه .. يتجاوزني بخطوات قليلة .. ليلبي نداء الطفولة .. وعالمها الساحر يناديه بين الفيْنة والفيْنة , ويستدعيه , بل ويشده إليه .. ألحظه يلهو .. يلعب .. يخرج لسانه للهواء يغني .. وربما عبث بالزجاجات التي يحملها .. يلقي بواحدة منها في الهواء .. ثم يلقفها بيده .. كساحر صغير .. وهو ينادي في العربة المكدسة بالركاب علي من يشتري منه …
ــ بخمسين قرش الزجاجة .. اشرب يا عطشان .. أروى نفسك
لا أدري لماذا شدني منظره .. وكلماته التي كانت تدخلني , لتهزني بعنف شديد .. وأنا مشفقاً عليه .. يدنو من أحد الركاب , في المقعد المجاور , أتفرس وجهه , ألاحظ أثر جرح قديم , غائر , يمتد على طول صفحة خده الأيمن .. حتى يصل إلى صدغه .. وأنفه الصغيرة الحبشية .. يبيع للرجل وينصرف .. وصوته كان يأتيني بقوة , ليصفعني ببراءته .. ربما لآني كنت متعاطفاً معه .. رثيت لحاله كثيراً.. وأشفقت عليه أيما إشفاق .. وأخذ سؤال يلح في رأسي .. ويطرح نفسه بقوة .. ولم أستطع منه فكاكا …
ــ أي حظ عاثر .. جعله هكذا , ودفع به إلى هذا المصير .. ؟!!..
وظلت أتابعه باهتمام .. وعن كثب , وهو يبيع زجاجة الماء لأحد الركاب..
أراه يضحك , يداعبه .. وهو يخاطبه بلغة تكبر سنه بكثير
ــ الدنيا كم أقيه ..؟.
ـــ هاتها لي وأنا أوزنها لك …؟!!! ..
ـــ ههههههههه
ـــ ……….
القطار يقترب من الرصيف , وهو يتهادى بصفيره المزعج , معلناً عن حضوره .. وقبل أن يقف القطار على الرصيف .. كنت قد أدرتُ في رأسي سيناريو صغير , سأقوم بتنفيذه , عندما يقف القطار علي الرصيف , وذلك بحثاً عن أم الفتاة , وامرأة أخيها الحامل , وما أن دخل القطار المحطة , وقبل أن يقف على الرصيف ..
حتى تركت صديقي , والكرسي , والفتاة , وانطلقت كالسهم من جوف القطار .. واندفعت على الرصيف , أهرول , أبحث عن أم الفتاة , وامرأة أخيها .. فأنا أعلم بأن القطار سيقف وقتاً علي الرصيف , حتى يتهيأ لرحلته الطويلة , والتي تبدأ من محطة مصر , إلي أسوان ..فهو مقرر قيامه الساعة الثامنة والربع مساءً , ويصل إلي أسوان في اليوم الثاني .. وأخيرا وجدتهما خلف العربة الأولى .. محشورتان بين الكتل البشرية , تعرفت عليهما من خلال الوصف , والشبه الذي بين البنت وأمها .. اقتربت منهما وأنا الهث .. سألتهما , لأتأكد أني لم أخطئهما
ــ أنتِ أم الهام , وأنتِ امرأة أخيها ……؟
فتهللا وجههما فرحاً , وأومأت أم الفتاة برأسها.. وكأني رحمة جاءت , وهبطت عليهما من السماء .. وطالبتا منى أن أصطحبهما إلي الفتاة .. حملت أمتعتهما , وفردت الخطى .. شققت الزحام بصعوبة.. وهما خلفي يتبعاني .. وضعت أشيائهما , بجوار حقيبتي فوق الرف .. ثم جلست مكاني , بجوار النافذة , دقائق معدودة , امتلئ القطار فيها عن أخره .. نظرت إلي الفتاة , الجالسة أمامي فوجدتها مبتسمة ابتسامة عريضة تبرهن علي ارتياح نفسي , وامتنان , وعيناها تشكرني علي صنيعي ..اعتدلت لأتمكن من جلستي , وقد هزت رأسها لتشكرني من جديد .. وعلى وجهها نفس الابتسامة .. وفى عينيها نفس النظرة .. وكلام كثير غامض لم أفهمه ألصقت ظهري بالكرسي .. وعيناها الواسعة في عيناي .. أقنعت نفسي بعدم الاهتمام بها .. أو التفكير فيها من جديد .. لكن وعلي حين غفلة مني .. أفرغت كل ما بداخلها .. من غموض , وحزن , وقلق , وتوتر بداخلي .. بينما هي كانت تصلح من فستانها ألموف شدَّت غطاء رأسها ألأبيض , والابتسامة الساحرة الجميلة تملأ وجهها الأبيض الجميل .. والناس تتدافع من شدة الزحام .. وأصوات البائعين الجائلين في القطار تنادي علي من يشتري .. والطفل الصغير صوته , يأتيني بقوة,
لكن حظي العاثر .. جعل عربة القطار التي أقلها .. تقف فجأة أمام عربة بائعة الشاي , التي تقف علي الرصيف , مباشرة , وتحديداً تقف أمام النافذة المكسورة التي أجلس لجوارها , وفجأة ظهرت أمامي بائعة الشاي , واضحة , كشرت عن أنيابها , فحولت بصري سريعاً عن الفتاة .. متظاهراً بأني لا أعرفها .. اعتدلت في جلستي , أخرجت صحيفتي المفضلة التي اشتريتها , قبل أن أركب القطار .. أخذت أقلب صفحاتها , بأعصاب باردة , وبحركة رتيبة , فاترة , مسحت عيني أبرز العناوين , والمنشطات العريضة , فاكتشفت أن قصتي الأخيرة التي أرسلتها لهم , أخيراً نشرت , أعجبني الإخراج الفني للقصة , والبنط الذي كتبت به , فرحت .. أقرأها .. وأدس فيها وجهي , متجاهلاً كل ما يدور حولي .. وأنا أشعل سيجارة ..
تنحنحت الفتاة .. فنظرت إليها .. أربكتني بسمتها المفاجأة , بنظرة فاترة .. هربت من عينيها الجريئة .. ورحت أقلب صفحات المجلة التي في يدي من جديد .. وهي تجذبني إليها بقوة خرافية , هائلة .. انتفضت من شدة البرد , والصقيع , فنحن لم نزل في الشتاء , وأنا أشعر داخلي بقوتين , متناقضتين قوة جذب .. وقوة طرد .. مد .. وجزر .. وأنا أختطف النظرات السريعة , خلسة , لتلك الفتاة التي تراقبني من بعيد والفتاة الجالسة علي المقعد أمامي , ذات العينين العسليتين , وكأنها أدركت بذكاء , وفطنة .. أن في الأمر شيئاً ما جعلني أتجاهلها , بعدما كنت ملهوفاً عليها شيئاً ما جعلني أحجم عن النظر إليها , والحديث معها , والاهتمام بها فأطرقت تنظر إلي ألأرض .. ثم اتجهت بوجهها لحديث صديقي مع أمها الذي لم يصلني منه إلا طنين خافت , من كثرة الأصوات , والضجيج وهدير القطارات .. وصفيره المزعج وأصوات الباعة الجائلين في القطار .. وتدافع الناس في جوف القطار .. وصيحات الركاب , وجواهر ينبعث صوتها.. بأغنيتها الجديدة .. من كاست ضخم , يحمله أحد الركاب … ــ ” أقدر أزعلو , لا .. أقدر أغضبو , لا ”
فصديقي هذا لا يهمه شيء سوى تسلية الطريق .. وقتل الوقت في ساعات السفر .. بالثرثرة مع أى أحد .. ينتهز الفرصة من حين لأخر .. ليلتقط طرف الحديث .. بكلمة من هنا أوهناك .. أو حركة ما , ليعلق عليها .. بجملة أو جملتين .. وربما افتعل هو حوار ليمط في الحديث أكثر .. ويكثر الكلام مع أم الفتاة .. ذات البشرة البيضاء .. والبريق اللامع , ألأخاذ يشع من عينيها .. والجسم اليافع النضر .. والثياب السوداء .. والشال الفلاحي .. المطرز بالولي الأصفر, مرمي على رأسها , وكتفيها العريضة .. أسمعها تقول له ..
ــ أنتم إخوة .. ولا أصدقاء …؟
ــ أصدقاء ولكن ……؟
ضحكت من طريقة كلامه معها.. وأسلوبه البهلواني في الرد , وطول النفس في الكلام , والتعبير المنمق , والتشدق في الحديث , وافتعال الحوار ..
” بائعة الشاي تغيب وتنظر .. والقطار مازال واقفاً على رصيف “11”.. وأنا أريد أن أتحدث مع الفتاة .. والناس مازالت تركب القطار .. والفتاة تغيب وتنظر إلي في تعجب, واستغراب .. والناس في ردهة القطار يتدافعون .. وهم يتصايحون …
أتذكر سطح بيتنا .. وأمي مع طيورها الصغيرة التي تربيها .. وفرن الخبيز , وهي تسند ظهرها عليها , وقد مدت رجليها تلتمس الدفء من شمس الشتاء .. وشعرها الأسود الجميل , قد نشرته لتمشطه علي بشكيرها المزركش بالورد , الذي كانت تلف به رأسها .. يأتيني صوتها في أذني , حاضراً وبقوة , غضاً جميلاً ووجهها قد أشرق بابتسامة خفيفة , وهي متكئة بظهرها على حائط الفرن البلدي , تدندن , وتغني بصوتها الجميل العذب .. أتطلع في وجهها النضر , الذي لم يستطع الزمن أن ينال من جماله إلا القليل .. وأنا أجلس لجوارها .. أستمع لحكاويها الجميلة .. فهي دائماً تحب أن تحكي لي , ومازلت احتفظ في ذاكرتي ببعض حكاويها الجميلة , وكانت تحب أن تحكي لي قصتها مع أبي , وتذكر كيف تزوجها
ــ ليه يا أمي تزوجني بأبي …؟!! ..
نظرت , ضحكت , فأشرق وجهها , صمتت هنيهة .. اتكأت بظهرها على الفرن البلدي .. ورَنَتْ في فضاء بعيد, وكأنها تستدعي الماضي الجميل .. والابتسامة الخفيفة لم تفارق وجهها الجميل ..الذي لم يزل يحتفظ بنضارته , ثواني معدودة , راحت تسبح في عالمها الذي لم أره.. وأنا كلي فضول وترقب أن تكمل لي الحكاية , وتجيبني عن سؤالي الفضولي .. أردفت تقول .. بعدما عدّلت من جلستها .. بنشوة في الحديث .. وأنا أنظر إليها بحب , وتلهف لحديثها عن أبي ,
ــ ” أبوك يا ولدي كان سبع.. ألف امرأة كانت تتمناه.. راجل مالي هدومه .. عايق وصبي , وعلي قدر وعارته علي قدر طيبته , طويل , وعريض .. كل الناس كانت تحبه , وتهابه , وتوقره .. وهو ده اللي عجبني فيه .. وخلاني أحبه .. شهم . وكريم .. واللي في ايده مش ليه … وتقدم لي كتير غيره , وانا كانت أرفض , ما أنا كنت صبية يا ولدي, وحلوه, لكن أبوك أصرّ يتجوزني , ويأخذني من أمي بالعافية وأمي كانت شديدة يا ولدي , واعره .. قالت لأبوك : ” بنتي مش هديها لك , هو الزواج بالعافية “.. ولما لقيته مصمم , ومُصرّ .. اشتكته في النيابة وأبوك وقف , قدام وكيل النيابة , ولا خاف .. قال للباشا :
ــ أنا بحبها والله العظيم ’ يا سعادة الباشا.. وعاوز أتزوجها على سنة الله ورسوله
فضحك وكيل النيابة , وأنا وأمي وقفين مكسوفين .. فقامت قالت له أمي
ــ دي صغيرة يا باشا .. وده كبيرعنها .. ومتزوج , ومعه أولاد كمان .. ده ما ينفع معنا واصل
قام سألني وكيل النيابة تاني .. ؟..
ــ انتي بتحبيه ..؟..
انكسفت أتكلم , وضحكت ساعتها .. وأنا واقفة مكسوفة , وما قدرت أقوله .. أني بحبه ” والباشا فهم من نفسه .. قام قالي
ــ يعني عاوزه تتجوزيه ..
فضحكت , وسكت .. قام وكيل النيابة زعق في أمي .. وشخط فيها وقالها
ــ البنت عاوزه تتجوزه .. وهو رايد بنتك في الحلال
قامت خافت من وكيل النيابة .. وولت علي وقالت لي ..
ــ لو اتجوزتيه لا أنتِ بنتي .. ولا أنا أعرفك .. تكوني محرمة على إلى يوم الدين ولا أدخل ليكِ بيت , ولا أخطي لك عتبت دار .. يا آم عين بدسه ..
وكله وأنا ساكتة , ومش قادرة على الكلام , أنطق أقول إيه بس يا أخواتي .. روحنا البيت .. بصيت .. لقيت , دخل علينا البيت , وفى أيده المأذون .. واتنين شهود .. واتلمت الناس .. وكتبنا الكتاب , وعلينا الجواب .. وخدني معه , ومشيت ”
القطار مازال واقفاً علي الرصيف .. وبائعة الشاي مازالت تقف أمامي . وقد وضعت يدها علي خصرها .. والفتاة لم تزل تغيب وتنظر لي , وكأنها تستحثني علي الاهتمام بها والحديث معها , وصديقي منشغل بالحديث مع أم الفتاة , والمرأة الحامل جلست في صمت .. والطفل لم يزل يحمل على صدره زجاجات الماء .. أسمعه ينادى بصوت عالي
ــ أروى نفسك يا عطشان بخمسين قرش واشرب
تذهب عينيَّ خلفه .. تتبعه أنّى ذهب , يقترب من الباب , يخرج لسانه للهواء .. يغني حيناً .. ويعبث بزجاجات المياه , يرقص .. يقف بجوار صاحب الدمى .. الحجرية المزركشة , يلهو بواحدة , يلعب معها .. يصفعه صاحب الدمى الضخم على صفحة عنقه , وهو يضحك , يسبه بأبيه , وبأمه .. ينظر إليه بعينين صغيرتين متورمتين , متسختين .. نظرة فيها ما فيها من كره .. مع استعطاف , واستجداء , وهو يطلب منه , أن يتركه يلعب مع الدمى لبعض الوقت .. فيدفعه الرجل الأدم , المنتفخ ببطنه , وهو يحمل قليلا من الدمى على صدره , ينصرف وهو يحذره من الاقتراب منها من جديد .. ويسير في ردهة القطار .. ينادي على من يشتري .. حوَّل عينيه التي احتبس فيها الدموع , وزعها على الركاب بالتساوي ولسان حاله يقول ” ما ترونه هو ثمن أدفعه كلما أردت أن العب كالأطفال ” ..
وكنت أبحث عن شيئ ما .. يخرجني من تلك الحالة الضجرة هذه .. وكان الوقت يمر ببطء شديد .. كسمكة تزحف نحو الماء وهى ظامئة , وقد تعبت .. والقطار ما زال واقفاً علي الرصيف .. وأنا في حيرة من أمري .. لا أدري ماذا أفعل .. ألقيتُ نظرة سريعة علي بائعة الشاي , الواقفة أمامي في تحدٍ , وعيناها ترمي بالشرر .. والنار يتطاير من بؤبؤ عينها .. أخذت أنظر إليها باهتمام .. وأنا أحاول أن أرسم على وجهي ابتسامة عريضة مصطنعة طبعاً .. في محاولة فاشلة لإيهامها .. بأني لا أعرف تلك الفتاة , وأرسل لها انطباعا بأن جلوسي أمامها .. لم أسع إليه البتّة .. وإنما جاء بمحض الصدفة.. بينما كان بركان من الغضب ينفجر بداخلي .. ورغبة عارمة , وقوة جارفة من نوع ما , تشدني تجاه هذه الفتاة , مع تلهف , وتعطش شديد للحديث معها , والتعرف عليها .. وسؤالها :
ــ من أين ..؟. .. والى أين ستذهب ..؟
لكن بائعة الشاي .. الواقفة أمامي , تنظر إلي وكأنها تتهددني , تحذرني .. وتتوعدني أن أفتح فمي ولو بكلمة معها .. ” إنها الغيرة إذاً , من هذه الفتاة ” .. داهمني شعور بالخوف .. فأثرت السلامة , وسكت .. فأنا أعرف جيداً , من تكون بائعة الشاي تلك .. بائعة الشاي .. لمن لا يعرفها .. هي
” فتاة جميلة , لكنها شرسة جداً.. رأيتها ذات مرت.. وكانت تتشاجر مع ثلاث نفر من الشباب.. قالوا بأنهم ” قاموا بالتحرش بها .. وقلُّوا أدبهم عليها , برذالة .. حتى نفذ صبرها “… وقالوا أيضاً بأن هؤلاء الثلاثة ..” شربوا عندها الشاي .. ولم يحاسبوها على ثمنه ” ….. وقالوا … وقالو …..
حينها حب الاستطلاع , والفضول .. دفعني للاقتراب من المشهد أكثر.. ذهبت إلى مكان المشاجرة .. دفعت الناس بقوة .. حتى استطعت أن أجعل لنفسي فرجة صغيرة أطل من خلالها برأسي .. لأتعرف على ما يحدث .. وأرى المشهد عن قرب .. كانت غاضبة .. وصوتها مرتفع .. وهى تمسك بياقة قميص أحدهم .. وهى تهزه بعنف , والناس من حولها ينظرون .. وهو ينتفض في يدها كالفأر الصغير المبلول ..
-ـ يا روح ماما أنت وهو, وهو..دانا أشرحكم واحد , واحد .. سامعين يا حلوين .!.
والباعة يقفون بجوارها .. يحيطونها من كل جانب .. كل منهم متحفز ومستعد ..
مجاملة لها .. لكنها رفضت ذلك بشدة.. وزعقت فيهم بصوت بنت البلد المجدع …
ــ لا ما حدش ليه دعوة .. وماحدش يتدخل خالص .. أنا كدهم والتلآت تربع .!!.
ثم أردفت تكمل وهى تدفع به بعيداً عنها .. وهو يرتعش في يدها ..
ــ غوروا من قدامى الساعة دي .. لحسن وديني أشرحكم , وما خلى الدبان الأزرق يعرف لكم طريق جرة ..؟!
ــ ………..
أتخيلها للحظة .. بأنها في تلك المرة .. ستطلب منهم التدخل ليتعاملون معي …
ولم تمنعهم من ذلك .. ليجاملوها , ويؤجرون في ضربي .. بل ربما ترحب بذلك , وتباركه .. فكل الباعة يتمنون لها الرضي , لترضى .. ”
” أخشى أن تراني أتحدث مع تلك الفتاة الجالسة أمامي في القطار .. فتسحبني من النافذة المكسورة كالفأر الصغير .. ولا تنتظر حتى أن أخرج إليها .. أو تأتى هي من الباب .. ولن تعطيني الفرصة .. لأوضح لها حقيقة الأمر.. ولن تتركني أبين لها وجهة نظري , وأشرح لها ألأمر .. ستفرج على الناس .. وتجعل منى أضحوكة ..
ــ علقه ساخنة ــ ألعق فيها البلاط ..
ولا أشك بأنها لن تتركني حتى أعوم في دمى.. وأبوس ألأيادي .. لكي تتركني وشأني .. وهى تنظر إلىّ في استعلاء وغطرسة , وغرور .. ويدها في خصرها تهز وسطها اللبلاب .. وأنفها في السماء .. تتمايل , وتعتدل , كعود ياسمين طرى
والناس من حولنا يزدحمون .. يتدافعون .. ينظرون .. وهم مشفقون عليّ .. وأنا أرجوها أن تسامحني .. وتتركني لحال سبيلي , أعيش .. والناس يمصمصون شفاههم .. ويضربوا كفاً بكف .. وكأني أسمع أحدهم يقول :ــ
ــ عيل وغلط يا معلمة ..! .. خلاص سامحيه والنبي ..!
ــ لالا لازم يتربى .. !
ــ كفايه كده , خد جزاته يا معلمة ..!
ــ مش هيعملها كده تانى خلاص بقى ..!
ــ …………..؟ !
هكذا تخيلت ” مشهد سينمائي من الطراز الأول , موقف ما ” لودراما .. على دراجيديا سوداء مضحكة .. علي كومديا سوداء بامتياز , تُخرج لكومديا ” نجيب الريحاني وجورج أبيض ” لسانها .. مشهد سينمائي لذيذ , ورائع .. ممكن يوظف في فيلم عربي هابط .. مستهلك القصة , والفكرة , والمضمون .. هههه ” …
رجعت بجسدي للوراء .. وسرحت بذهني .. ورجعت لليوم الذي تعرفت عليها فيه . ” بعد من انفضت المشاجرة .. كان القطار متأخرا كعادته .. جلست على المقعد الرخامي الذي تبيع بجواره الشاي , طلبت منها كوباً من الشاي , فأسرعت في إحضاره .. نظرت إليها بإعجابٍ , فابتسمت , طلبت منها وصلة سكر .. أعطتني سكرية , كان منظرها غريب , ويدعو للدهشة , والعجب .. فأنا لم أرها من قبل .. حاولت فتحها ولكنى فشلت .. فرحت اقلبها في يداي .. وأنا أنظر إليها , وأتأملها .. وهى كانت ترقبني من طرف خفي .. وتضحك بصوت منخفض , انتبه المارة , التفتوا إلينا , ومضوا دون اكتراث , أو تعليق , فلا أحداً يجرؤ على التعليق .. ولو بشق كلمة واحدة ,اقتربت منى , وأنا مازلت أستكشف السكرية الصغيرة , وأحاول فتحها .. فضحكت مرة أخرى .. ولكن في هذه المرة , كانت الضحكات عالية .. وهى واقفة فوق رأسي تنظر إلي .. وكأني جئت لها من كوكبٍ أخر.. من المريخ مثلاً.. أو من أي كوكب بعيد عن كوب الأرض , غريب , لاحظت في نظرتها الإعجاب ممزوج بشيء من الاستغراب . وهى تسألني بصوت كهسيس المطر علي الأوراق فوق أغصان الشجر, المورف الظلال
ــ الدفعة من أين
ــ من الجنوب
ــ أحسن ناس
ــ عشتِ
أمسكتْ السكرية من يدي .. ضغطتْ عليها بإصبعها .. بطريقة ما , فتحت .. وأعطتنيها وهي مبتسمة
ــ ميرسي
بصوتٍ , ونبرة بنت البلد .. وهى مازالت مبتسمة .. وقد أخذت مني السكرية ..
ــ يا خوي كلمنا عربي أحسن
ــ شكراً كتر خيرك
ــ أي كده خليك ابن بلد .. ربنا يحفظك لشبابك
واستمر الحوار بيننا هكذا .. بسيط , وعفوي .. وبدون كلفه , أو تكلف , ما يقرب من ساعة , أو يزيد .. ومن هنا كانت البداية .. ومن هنا كانت حكايتي معها , .. وحصل التعارف , والاستلطاف .. ثم جاء القطار .. فابتلعني في جوفه .. كما ابتلع خلقاً آخرون .. ثم توالت اللقاءات .. والأحداث تراكمت بيننا .. كلما أتيت إلى القاهرة .. أجئ إليها بلهفة .. ولا يمكن أن أمر على القاهرة .. من غير أن أتناول عندها كوبا من الشاي الساخن .. ونتبادل أطايب الحديث .. وبعض الضحكات .. والنظرات ذات المغزى .. وازداد إعجابي بها حتى أدمنت رؤيتها , وتعودت عليها , وأِلفْتُها , وألفتني .. حتى صارت جزءً لا يتجزأ من عاداتي .. وطقوسي القاهرية .. لا تنفك عنى , ولا أنفك عنها .. وتعلقت بها .. ولكني لم أصرح لها بهذا.. وكنت أرى شيئا من ذلك.. في عينيها وتصرفاتها “.. وهذه كانت حكايتي مع بائعة الشاي باختصار شديد
صوت استعلامات محطة القاهرة يعلن عن انطلاق رحلة القطار , في الميكرفونات
” القطار رقم “80” مميز القاهرة / السد العالي / الواقف على رصيف “11 ” والمقرر قيامه الساعة الثامنة والربع , محافظات , سيقوم بعد قليل من علي الرصيف ” …
يصفر القطار معلناً عن رحلته الطويلة , يزمجر , يصفر , وهو يسحب عجلاته , ببطء والناس يصعدون , وهم يتصايحون , ويتدافعون ..
وهنا تعود روحي إلي .. أنظر إلى بائعة الشاي .. وهي تبتعد عني شيئاً فشيء , وهي تشير بيدها .. تودعني .. والابتسامة العريضة على شفتيها .. ويتجاوز بنا القطار الرصيف .. وينعكس ضوء المصابيح التي علي الرصيف في جوف القطار .. واللافتات التي فوق الشرفات .. يتجاوز القطار محطة السكة الحديد .. يدخل علي مزنوقان مكدس بالمشاة , يهدّئ من سرعته , أنوار العربات الواقفة , تمسح وجوه الناس , وأصواتها تكاد تصم الأذان , ويظل القطار يخبط , ويخبط , حتى يدخل وسط الحقول الخضراء .. وتقل الرؤية شيئاً فشيئا .. ويخيم الظلام الدامس على الكون , وتنخفض الأصوات المرتفعة , حتى تكاد تتلاشى تماماً , فلا تسمع إلا همهمات هنا أو هناك تنخفض , ثم تعلو , وتهدأ الأصوات قليلا , ثم ترتفع شيئاً ما يأتيني صوت الفتاة من جديد ..
ــ هه نحن هنا .. اللي واخد عقلك … ؟!
ــ أبداً سرحت شويه كده
ــ قول شويتين تلاتة هههه
طبقت صحيفتي .. حشرتها في المقعد الخلفي .. أخرجت علبة السجائر .. قدمت واحدة لصديقي .. أختطفها بحركة لافتة .. أشعلها في فمه بسرعة .. أخذ نفساً عميقاً , احتبسه في صدره , ثم نفخه بشدة .. فخرج الدخان كثيفاً.. وفى خطوط مستقيمة, ودائرية .. بدأت أشعر بالصقيع يسري في المكان .. ليتسرب ويسكن تحت مسام الجلد .. نظرت حولي .. لأثبت لنفسي أنى لست الوحيد الذي يشعر بالبرد وينتفض , وبالصقيع في القطار , فالركاب كانت منكمشة .. فوق المقاعد .. وفى ردهة القطار , وخلف البيبان .. وفوق الرفوف .. لتذكرني بالفراخ الصغيرة .. المنكمشة فوق سطح منزلنا الصغير, تحت خُص البوص , فوق الفرن المكسورة .. من شدة البرد .. تستمد الدفء من تلاحم أجسامها .. وكنت أبحث عن شيء ما .. يخرجني من هذه الحالة .. أعمدة المصابيح المصطفة على جانبيّ الطريق تظهر وتختفي فجأة من بعيد .. والترعة الصغيرة , بمحازاة الجسر الحربي , يسيران مع القطار , والحقول الخضراء الشاسعة تكاد تلتصق بالأفق .. والنخيل المنثور بين الحقول ينام في سكون .. والسماء مرصعة بالنجوم .. والبيوت الريفية البسيطة نائمة في سكون .. أخرجت التصريح الراقد خلف ..استمارة السفر .. ورحت أتأمل منظره .. وأقرأه للمرة الـ……..
“يصرح للمذكور … بالغياب من الوحدة العسكرية … من تاريخ … إلي تاريخ …”

اقرأ/ى أيضا :نشرة الأخبار الفنية والثقافية لصحيفة الساعة 25

**********

قصة " بائعة الشاى" لعلى حزيم
على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر
الخميس / 31 / 1 / 2019 /

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة