‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

“لاهوت العنصرية الإسرائيلية” خروجاً عن حركة الزمن والتاريخ البشرى

فى مواجهة “قانون القومية” الصهيونى ولاهوت العنصرية الإسرائيلية (4-8)

(المقال الرابع من سلسلة مقالات من ثمانية مقالات، للمفكر في الشؤون اليهودية والصهيونية، أحمد عزت سليم، في نقده لقانون “القومية اليهودي”، لقراءة المقال الأول من هنا، وقراءة المقال الثاني من هنا، وقراءة المقال الثالث من هنا).

 

من خلال حركة التاريخ واللاهوت التى يصير فيها التاريخ لاهوتا واللاهوت تاريخاً، يصبح الصهاينة ورثة العبرانيين القدامى ، و”حكومة إسرائيل” فى فلسطين المغتصبة ما هى إلا الكومنولث الثالث وملك مملكة داود وسليمان العبرية العائدة وأن أصول الصهيونية تمتد بعيدة منذ أن صار آدم واحدا من الآلهة وأحفاده هم الأنبياء الأوائل، أنبياء بنى “إسرائيل”، وتصير العودة شيئا متصلا منذ بداية التاريخ الكونى اليهودى إلى الآن ، من الأنبياء إلى هرتزل ومنه إلى ما بعد بيجن وشارون وأولمرت ونيتانياهو وعمليات دخول الصهاينة إلى فلسطين وقيامهم بذبح الفلسطينيين ليس إلا استمراراً وتكراراً لدخول العبرانيين القدامى إلى أرض كنعان وإبادتهم لأهلها ، وما فرسان داود وسليمان إلا دبابات الجيش “الإسرائيلى” ، وبالتالى فالاستيطان الصهيونى تعبير عن نمط متكرر ومستمر ، إلهى ومقدس وعندها تصير التصرفات الصهيونية الإجرامية تحقيقا إلهياً ، وتصبح حقوق اليهود المزعومة سارية المفعول وتقف وراء التصرفات الصهيونية الوحشية والتى تصير معبرة بقوة عن ارتباط قوى بين الاتجاهات والسلوك كجماعات متعصبة يكون سلوكها كما يشعرون، ويتصرفون كما يفكرون ، وكإدراك جماعى ونظام قيمى كلى، ومن أجل طرد الدناسة وطرد غير المقدسين لتصير الأرض المقدسة دولة لشعب مقدس ويتم إخلاؤها لأن امتلاكها فقط هو من حق هؤلاء المقدسين وليس من حق أى أغيار أن يتساءلوا فى معنى هذا الحق أو القرار الإلهي بالملكية ، والذى يقول عنه وايزمان أنه حق نملكه منذ آلاف السنين ومصدره وعد الرب لإبراهيم وقد حملناه معنا فى أنحاء العالم كله طوال حياة حافلة بالتقلبات.

وطبقا لهذا الحق فإن العالم بدون هذا “الشعب” شعب التوراة لا قيمة له ولا يمكن فهم تاريخ الكون بدون تاريخ اليهود تأسيسا على أن الإله اصطفاهم أولاً وأعطاهم الوعد وجعل لهم الأرض ملكاً خالصاً وتراثاً راسخا أبدياً ثانياً ، وثالثاً لا يكون الإله إلهاً إلا بهم ففى إحدى تعليقات المدراش الحاخامية : حينما تكونون شهودى أكون أنا الإله ، وحينما لا تكونون شهودى فكأننى لست الإله ، وجاء فى التلمود : لماذا اختار الواحد القدوس تبارك اسمه جماعة يسرائيل ، لأن أعضاء جماعة يسرائيل اختاروا الواحد القدوس تبارك اسمه وتوراته . والاختيار لا يسقط عن الشعب اليهودى حتى لو أتى هذا الشعب المعصية ولم ينفذ شريعة الرب فى قتل الأخيار ، وحب الإله للشعب المختار يغلب على عدالته مهما تكن شرور هذا “الشعب” وكما يفسر راشى وكما يرى أنه ليس لأى إنسان أن يتدخل فى هذا الاختيار، وحولت القبالاة “الشعب اليهودى” من مجرد شعب مختار إلى شعب يعد جزءاً عضوياً من الذات الإلهية فهو الشخيناه ” التجسيد الإنثوى للحضرة الإلهية ” التى تجلس إلى جواره على العرش وتشاركه السلطة ، بل قال أحد الحاخامات أنه حينما ينفذ اليهود إرادة الإله فإنهم يضيفون إلي الإله فى الأعالي.

هكذا يتمركز اليهود حول التوراة والتلمود كأيديولوجيا تشكلها القيم اللاهوتية والتى أصبح بها اليهود خارج قوانين التاريخ التى تسرى على الجميع ولا تسرى هذه القوانين عليهم ، وأصبحت “إسرائيل” على حد رأى بن جوريون دولة تضم الشعب الكنز منارة كل الأمم ، والأمة السوبر كما يرى أحاد هعام ، عاملها أزلى كما يرى المفكر الصهيونى الاشتراكي نحمان سيركين، وديمقراطيها أزلي كما يرى لويس يرانديز أو كما يسمون أنفسهم ” عم عولام ” الشعب الأزلي “وعم نيتسح ” الشعب الأبدى، و” عم قادوش ” “الشعب المقدس” ، وكما يرى بوبر فإن الحوار الحق يمكن فقط بين الإله واليهود بسبب التشابه بينهما وهو أمر ليس متاحا لكل الأمم.

ولذا فهذا النظام القيمى المستمد من إله الحرب رب الجنود والجيوش الذى يأمر شعبه بقتل الذكور والأطفال والنساء، لا يستبقى منهم نسمة ولا يرحم أحداً ويأمر بالسرقة والإبادة والمحو واغتصاب حقوق الآخرين، وحينما يصير لا فرق بين الجوهر الإلهى والجوهر اليهودى ويتوحدا معاً ويحل كلاهما فى الآخر ويجلسان معا يحكمان العالم فلا عجب أن يسرق اليهودى ويغش ويقتل ويمارس المحو والإبادة كعملية تعصب عنصرى مقدس ” ثلاثية الأبعاد “.. العمليات المعرفية والمشاعر والتعليم الاجتماعى والإطار الثقافى بمختلف مكوناته ” كقيم مطلقة وكركيزة إدراكية جماعية تفسر وتفضح السلوك الصهيونى بمستوياته المتعددة عالمية و” إسرائيلية ” جماعية وفردية كانت أو قولية وفعلية وجمعية، وتتبدى فى أنصع صورها فى العدوان العدائى الذى يعتبر ” أنقى صورة للعدوان الذى يمثل فيه ارتفاع الأذى بالهدف الغرض الأساسى له وينتج من ذلك عادة شعور المعتدى بكراهية الهدف ومقته ، وكهدف نهائى حيث يصبح الوجود اليهودى والبقاء اليهودى كغاية مرتبطين بنفى الآخر ومحوه، ومتجليان فى نظام من القيم ومن الأيديولوجيا العنصرية التى تحتمهما وتجعلهما غاية لاهوتية فى حد ذاتهما كما أن هذه القيم وهذه الأيديولوجيا العنصرية هى غاية لهما لتحقيق الاستمرار اليهودى، وهذا ما نقصده بلاهوت العنصرية الإسرائيلية كطاقة مقدسة تؤثر بقوتها العلوية وتفردها العنصرى على ما هو غير مقدس وتصير مبرراً للامساواة والاستغلال والحروب بتراكب المنظومة اللاهوتية فى بنيتها على قوالب جامدة تقف خلف السلوك فى مستوياته المختلفة وتحدد طبيعته ومحتواه وتشكل استعداداته الأولية حتى يأخذ الصهيوني هيكله النفسى منها كوحدة دينامية يتفاعل فيها الوعى واللاوعى ، تنطلق من الجيتو العقلى الصهيونى إلى العالم أى من الأنا إلى العالم ومن الوجود إلى غير الوجود أى من اليهودى إلى الآخر الزائل ، ومن المطلق المتعالى الكامل اللامتناهى الذى لا يرتهن بآخر ولا يتبدل ولا يقارن ولا يعارض ، مستقلا عما حوله بذاته ومعرفته بل هو الحقيقة المتبدية الأكيدة فى العالم العلوى والسفلى، التى يبدأ منها الوعى التاريخي أو يتجدد فى اللحظة المسيانية لحظة نهاية التاريخ لما هو أدنى، وتتبقى ماهية الإنسان (بالطبع الإنسان هو اليهودى) فيبقى الوجود التاريخى الذى هو الوجود اللاهوتى اليهودى.

هكذا يصير لاهوت العنصرية “الإسرائيلية ” خروجاً عن حركة الزمن والتاريخ البشرى بما تدعيه من صفات نادرة تخرجه عن أنماط السلوك الإنسانى الطبيعى ، والانحراف عن المألوف البشرى ليصير لحظة شذوذ عقلية وعضوية تؤدى ممارستها إلى لحظة اللذة المرتجاة التى ينتعش بها الوجود البيولوجى الحتمى لليهود . ففى قصيدة يعبر الصهيونى شاؤول تشرنحوفسكى عن لاهوت العنصرية “الإسرائيلية”:
نرضع من أنهار الدم رشفة رشفة
قطرة قطر
نسكر من الحزن ونسكر من الآهات
حتى تراهم عيناى يرتجفون
وفى أخرى يكمل الصورة :
وأجعل سيفى يشرب فخورا من دمهم
وستستحم خطواتى فى دماء الصرعى
وتدوس قدماى على شعر رءوسهم
سأقطع من يمين وأحصد من شمال
فقد اشتعل غضبى وصار جحيماً
لقد ضايقنى كثيرون ولكننى لن
يبقى أحد بعد المذبحة
نعم سوف أفنيهم حقا .
أو كما قال الأديب الصهيونى الإسرائيلي حانوخ يرخوف : ” إن التغيير هو أننا نعرف كيف نقتل ” ويقول بياليك فى قصيدته سفر النيران على لسان اليهودى الذى يحمل رسالة الحقد والكراهية ، والذى تترد على لسانه أغنية الانتقام :
من مهاوى الهلاك ارفعوا إلى نشيد الخراب
أسود كفحم قلوبهم المحروقة
احملوه إلى الأمم وانتشروا بين من غضب الله عليهم
وصبوا جمراته فوق رؤوسهم
وازرعوا به الخراب والدمار فى حقولهم
وليفعل كل منكم ذلك فى جهات الأرض الأربع
فإذا مرت ظلالكم فوق زنابق جناتهم
اسودت الزنابق وماتت
وإذا وقعت أعينكم على رخامهم وتماثيل متاحفهم
تكسر الرخام وتحطم المتاحف وتحطم الخوف
وليأخذوا معكم ضحكة مرة كالعلقم
ضحكة قاسية تنشرون بها الموت. ( الشخصية اليهودية: رشاد عبدالله الشامى ، عالم المعرفة ، الكويت)

هكذا تتحقق لحظة اللذة فى الكراهية والعنف والاستيطان والإحلال والإبادة والمحو ، كبرنامج إلهى يعاقب به الرب والشعب الشعوب الأخرى ويتأكد به اختياره ويتأكد به صفاء ونقاء وبقاء ووجود ” يسرائيل التوراة ” وثباتها وخلودها وأبديتها وسماويتها واستعلائها العنصرى والذى ينعكس فى العديد من التعبيرات التى تعكس الإيمان الحقيقى لدى اليهودى بحقارة أمم العالم مثل ” جوى” الذى يشار بها إلى الشخص غير اليهودى وتعنى القذارة المادية والروحية والكفر ، و “عاريل” ومعناها ” الآقلف ” أى غير المختتن الذى يبقى بدائياً فطرياً فيظل قذراً وكافراً فى آن واحد ، وكانوا يطلقونها على المسيحيين لعدم شيوع الختان بينهم ، و”ممزير” أى ابن الزنا وهى تدل فى أسفار العهد القديم على الشعب المختلط الأنساب وقد خصصها اليهود للمسلم ، نسبة إلى ما يعتقدونه من أن إسماعيل أبو العرب ولد من هاجر التى تعتبر فى نظرهم جارية أو أجنبية “.

وقد اختزل فى هذا الوجود التاريخى الربانى المزعوم التنوع العرقى الضخم للجماعات اليهودية والأفراد اليهود والذى ينتج عنه بالضرورة اختلافا على المستوى الثقافى الإثنى فيما بينهم كحقيقة قائمة وتفند كل مزاعم التوحد والتفرد والتميز، وتتبدى فى العلاقات بين الإشكناز والسفارديم وسائر الطبقات السلالية البيضاء والسوداء ، والشمال والجنوب والشرق والغرب، قديماً وحديثاً، وتصبح فيه العقيدة اليهودية فى ذاتها وصفتها وطبيعتها ” تركيب جيولوجى تراكمى يحوى بداخله طبقات عقيدية مختلفة ومتناقضة ، وبعضها يقترب من الشرك الصريح وبعضها يصل إلى التوحد الكامل وهذه الطبقات جميعها جزء من اليهود ” كما أوضح العلامة الراحل عبد الوهاب المسيرى ، وهذا يكشف عمق عدم التجانس ويكشف التناقض الداخلى الحاد الذى تتسم به اليهودية كنسق دينى تم استيعابه فى الحركة الصهيونية أو حل على الأصح كل منهما فى الآخر، والعهد القديم ذاته “تكون من تراكم مصادر مختلفة لكل رؤيته ومصالحه ولكل أسلوبه ولغته وعقيدته ولكل مؤلفه ومصطلحه ” وكذلك التلمود والقبالاة، وقد اكتسبت الحركة الصهيونية من هذا الاستيعاب والحلول وجودها لتصير أداة تنفيذية من أدوات الرب التى يستعملها شعبه لتركيع الشعوب الأخرى ، وتصير بذلك المنهج العملى المقدس لتنفيذ الحركة الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية.

ويصف فرويد “إدعاء اليهود بأنهم شعب الله المختار بأنه خرافة مطبقة ويقرر أن تلك الحالة لا نظير لها على الإطلاق فى تاريخ العقائد الدينية ، ففى الحالات الأخرى يندمج “الشعب” ومعبوده اندماجاً تاماً منذ البداية ، وفى حالات أخرى يتحول الشعب إلى عبادة معبود أخر ، أى يختار الناس معبودهم ، ولم يحدث قط أن اختار الرب عابديه وقد أخذ اليهود عن المصريين فى إطار هذا الاختيار الإلهى عادتين كانوا يتميزون بها ، ونسبهما اليهود لأنفسهم كعهد بينهم وبين الرب ، وهما عادة الختان وتحريم تناول لحم الخنزير “، أما فولتير فيقوله : ” إنك لتجد فيهم مجرد شعب جاهل ومتوحش زاول لمدة طويلة أخس أنواع البخل وأبغض أنواع الخرافات ، ويحمل كراهية لا تعادلها كراهية لكافة الشعوب التى تسامحت معه وكانت سببا فى ثرائه “.

تم وضع كلمة ( إسرائيل ) بين العلامتين “” وكذلك كلمات أخرى متعلقة بها مثل كلمة ( دولة ) داخل المقالات، وذلك للإفادة بإن العناصر الثلاثة المكونة لمفهوم الدولة فى القانون الدولى وهو : إقليم له حدود غير متنازع عليها. وشعب تربطه أواصر وأهداف مشتركة . وسلطة مسيطرة ومتمكنة وقادرة على تحقيق الأمن والاستقرار لشعبها. غير متوفرة فيما يسمى بـ “إسرائيل” أو “دولة إسرائيل” منذ إعلانها فى 15 مايو 1948 . إنها فى الحقيقة والواقع مستعمرة إسرائيلية خارج القانون الدولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *