ظلت تسمى فلسطين

ظلت تسمى فلسطين

إرادة فولاذية وإصرار يبقى حياً عصياً على المحو والنسيان: «كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين».

الدم الفلسطيني الذي يسفك يومياً في فلسطين والمنافي التي طارد فيها الموت الفلسطينيين، يظل دماً طازجاً عصياً على النسيان.

لا سبيل لإخفاء الحقيقة حتى لو تجاهل العالم قضية الفلسطينيين الذين قاوموا بالسلاح والأحجار وقبضات الأيدي والصدور المكشوفة على الرصاص.

* * *

بقلم | حسن مدن

قبل نحو عشر سنوات، كتبتُ عن معرض أقامته فنانة تشكيلية فلسطينية هي رنا بشارة في القدس المحتلة أهدته إلى والدها الذي كابد هجرتين، الأولى في العام 1948 والثانية في العام 1967، أرادته تعبيراً عن معاناة أجيال من الفلسطينيين ما زالوا ممسكين بالجمر.

وقد رأينا في مسيرات غزة والضفة الغربية والشتات في الذكرى السنوية للنكبة رجالاً ونساء في مثل عمر والد الفنانة، ممن هُجّروا أكثر من مرة من ديارهم، ولكن الإصرار على فلسطينيتهم لم يفارقهم أبداً، رغم تقدم العمر بهم، وما زالت جذوة الأمل في العودة مشتعلة في نفوسهم وعقولهم رغم المحن.

أذكر أن من بين الأمور التي استوقفتني يومها في المعرض المذكور التقنية التي لجأت إليها الفنانة في تقديم أعمالها، حيث استخدمت ألواحاً من الزجاج الشفاف فرشت عليها شيكولاته بمذاق مُر، وفي هذا توظيف ذكي للمفارقة الناجمة عن الطعم المليء بالمرارة للشيكولاته التي يفترض فيها أن تكون حلوة المذاق، وأرادت التعبير بهذه المرارة عن ملحمة الشعب الفلسطيني طوال عقود.

ولا تقف دلالات المواد المستخدمة في هذا المعرض عند هذه الحدود فحسب، ذلك أن الفنانة اختارت الزجاج لهشاشته وقابليته للكسر، فضلاً عن شفافيته، حيث الحقيقة عارية لا سبيل لإخفائها، حتى لو تجاهل العالم القضية الكبرى للفلسطينيين والفلسطينيات الذين قاوموا ليس بالسلاح وحده، وإنما بالأحجار وقبضات الأيدي وبالصدور المكشوفة على الرصاص.

لون الشيكولاته بعد أن يسيح على الزجاج يصبح له لون الدم وقد جفّ، وهذا ما حرصت رنا بشارة على إظهاره، كأنها بذلك تتوج الشحنة الدلالية في معروضاتها، وهي تقدم السيرة الجليلة لشعبها معمدة بالدم.

كأنها تحرضنا على أن نتبصر في حقيقة أن الدم الفلسطيني الذي يسفك يومياً في فلسطين، وفي المنافي التي طارد فيها الموت الفلسطينيين، يظل دماً طازجاً عصياً على النسيان.

وجدتني أستعيد حكاية هذا المعرض وموضوعه اليوم في الذكرى السنوية الحادية والسبعين للنكبة الفلسطينية، التي يحييها الفلسطينيون ومعهم في ذلك كل المؤمنين بقضيتهم والمتضامنين معها من العرب وغير العرب، ليس فقط لإظهار ما كابده ويكابده الشعب الفلسطيني من ظلم وإجحاف وتشريد وقتل وسجون.

وإنما أيضاً لإظهار إرادته الفولاذية في التمسك بقضيته وحقه، وإصراره، مهما تكالبت عليه المحن، والإصرار على أن يبقى كل ذلك حياً، عصياً على المحو والنسيان، بالشكل الذي عبّر عنه محمود درويش بقوله: «كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين».
ما من «صفقة» قادرة على تزييف التاريخ ومحو الحق وطمس الذاكرة.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين
المصدر | الخليج – الشارقة

موضوعات تهمك:

عن فلسطين وهزيمة العرب التي تمهد لـ”صفقة القرن

يوم الأرض: تذكيرٌ بما هو مفصلي في فلسطين

هل يحل تويتر القضية الفلسطينية؟!

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.