1 أغسطس، 2018

“صراع وجودي”.. من نوع آخر

"صراع وجودي"

ما الذي حدث منذ نحو عقدين، حتى تفشّى الفساد، وانهارت القيم الأخلاقية التي تحكم عمل الدولة، وعلاقتها بالنواب ورجال الأعمال في العالم العربي؟ قوى ونخب وجماعات وعصابات ومافيات رسمية وغير رسمية، تقاوم التغيير والإصلاح، وتتعامل مع ذلك بوصفه “صراعاً وجودياً”.

بقلم: محمد أبورمان

تطغى ما أصبحت تعرف بقضية الدخان في الأردن على اهتمامات الشارع والنخب، وهي اكتشاف شبكة كبيرة مرتبطة برجل أعمال، تقوم على زراعة التبغ وبيعه بوصفه مستورداً، بعد تزوير ماركات عالمية، والحصول على مبالغ هائلة تقدّر بمئات الملايين، من دون دفع ضرائب عليها.

.. تزوير ماركات عالمية، تهرّب ضريبي، وتهرّب جمركي بإحضار آلات وماكينات لصناعة التبغ بمبالغ عالية إلى الأردن، مع شكوك في وثائق وصولها والموافقة عليها من الجمارك.

مع ذلك، ليست “حبكة القصة” في تلك التجاوزات الكبيرة، بل بوجود غموض شديد في نمط العلاقة بين بطل هذه الشبكة ومسؤولين على مستوياتٍ متعدّدة من القرار، قد يكون بينهم نواب وموظفون كبار في الدولة، عملوا على تسهيل مهماته، وقتل قضيته عندما اكتُشفت قبل عام.

ثم ماتت إلى أن نفضت الحكومة الحالية الغبار عنها، وبدأت تتابع خيوطها، ووصلت إلى اكتشاف كوارث، أدت إلى تحويلها إلى محكمة أمن الدولة بوصفها جريمة اقتصادية أولاً، وتسمية عشرات المشتبه بهم على خلفية القضية، ومداهمات لعشرات المزارع غير القانونية.

ملخّص القصة التي تتجاوز الأردن إلى مختلف الدول العربية اليوم كلمة واحدة، الفساد، ولكن ليس بوصفه مرتبطاً فقط بتطاول مسؤول كبير على المال العام، بل بالعلاقة غير الشرعية بين سياسيين ومسؤولين ونواب ورجال أعمال.

وهي الوصفة التي لم تأت فقط بنتائج كارثية على الاقتصادات العربية، بل أيضا على قيم الدولة نفسها، لأنّ شيوع الفساد وانتشاره في هذه الطبقات ساعد على تفشّيه في الطبقات الدنيا من الموظفين والمسؤولين، فأصبح الفساد الإداري اليومي طبيعياً اعتيادياً في هذه الدول.

الأردن دولة تميّزت خلال العقود الماضية بمستوى عالٍ واحترافي للقطاع العام، وعدم تغلغل الفساد في أركانه، كما حال دول عربية كانت معروفة بهذا الأمر، على الرغم من أنّ أحوال الموظفين والمسؤولين ورجال الأمن المالية لم تكن أفضل مما هي اليوم.

بل كان نمط الحياة نفسه بسيطاً ومتطلباتها عادية. ومع ذلك، لم يكن هنالك انتشار للرشوة بصورتها الفجّة الحالية، ولا للفساد الإداري والعمولات تحت الطاولة التي غزت مؤسسات مالية أردنية، وتجاوزت قدرة الحكومات على إنكارها، فباتت مواجهتها عنواناً لأيّ حكومة، لكن هذا الشعار افتقد المنهجية الواضحة لتحقيقه.

ما الذي حدث تحديداً منذ نحو عقدين، حتى تفشّى الفساد، وانهارت القيم الأخلاقية التي تحكم عمل الدولة، وعلاقتها بالنواب ورجال الأعمال في العالم العربي؟..

للأسف، لا تقف المسألة عند هذه الحدود، فأعراض المرض والأزمات تطغى على الجوانب المختلفة، ويبدو أنّ الدولة القُطرية العربية التي استطاعت، في مرحلة معينة، أن تتعايش مع ظواهر مرضية وسلبية في ظل مشروعات التنمية.

وحققت معدلات تعليم ونمو اقتصادي في بعضها، ونجاحاً في تحقيق بنية تحتية في بعضها الآخر، رغم غياب الديمقراطية أو نقصها في الحدّ الأدنى، لم تعد قادرةً على المضي في هذه الوصفات التقليدية التي انتهت صلاحيتها، منذ دخلت هذه الدول عهود الخصخصة والقطاع الخاص والتجارة الحرّة.

حتى في الدول الشمولية، مثل سورية، كانت تتم هذه العملية تحت عناوين مختلفة، وأصبحت عنواناً للفساد وإفساد المسؤولين، هناك، فبُنيت إمبراطورياتٌ لرجال أعمال قائمة على علاقات النسب والمصاهرة والصداقة والفساد مع المسؤولين.

وأصبحت كلفة الحياة أكثر ارتفاعاً والأنماط الاستهلاكية ذات كلفة عالية أيضاً، ولم يعد الموظف في القطاع العام قادرا على مجاراة هذه التحولات الاقتصادية، فلجأ إلى الفساد، وهو يرى فساد المسؤولين وكبار القوم، فلماذا لا يأخذ حصته من الكعكعة، وإنْ بطريقة غير قانونية أو حتى غير أخلاقية.

أوجدت هذه المعادلات معادلات أخرى، في ظل البطالة والفقر والحرمان الاجتماعي والطبقية الفجّة، تمثّلت في ازدهار “اقتصاد الظل”، فأصبحت ماكينته تضاهي الاقتصاد الحقيقي!

.. تجارة غير مشروعة للمخدرات والتهريب والتهرّب الضريبي، وغسيل الأموال، في ظل تضعضع مؤسسات الدولة الوطنية العربية، وتراجعها وعدم قدرتها على إنقاذ الدولة والمجتمع من هذه المستنقعات التي انتشرت وتمدّدت، وأصبحت هي الحالة الطبيعية، بينما الاستثنائية هي وجود مؤسسات قوية، ودفع ضرائب ومكافحة فساد وشفافية ومساءلة وحاكمية رشيدة.

في المحصلة، هذه هي بنود العقد الاجتماعي العربي في ما آلت إليه. ولذلك، نجد في الدول العربية قوى ومجموعات وجماعات وعصابات ومافيات رسمية وغير رسمية، تقاوم التغيير والإصلاح، وتتعامل مع ذلك بوصفه “صراعاً وجودياً”.

  • د. محمد ابورمان كاتب أردني وباحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية.

المصدر: العربي الجديد

مفاتيح: المال العام، قضية الدخان في الأردن، الاقتصادات العربية، الفساد الإداري، القيم الأخلاقية، العقد الاجتماعي العربي، التغيير والإصلاح، “اقتصاد الظل”، الدولة العربية،

تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

إكتب تعليقك هنا

‫شاهد أيضًا‬

أعترف بأن رواية يونس قنديل انطلت عليّ .. إني أعتذر!

أعترف بأن رواية يونس قنديل انطلت عليّ .. إني أعتذر! لم أتخيل أن يبلغ هوس الشهرة بأحد هذا ا…