تركي آل الشيخ .. أن تعامل الرياضة كالدعارة

قبل نحو عشرة سنوات من الأن، وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، اشتهر الثري الخليجي، رجل يرتدي الجلباب الأبيض، وعلى رأسه الغطرة، وأعلى منها العقال (في الثقافة السعودية العقال سمي كذلك ترميزا للرزانة والتعقل والحكمة) يفرد ذراعيه يحمل في إحداهما كأس الخمر، والأخرى متفرغة لفتيات الليل، حوله في أحد الملاهي الليلية، أو ربما أحد الرجال الذين يملكون مالا، يحمل نفس الهيئة المذكورة، ولكنه متقدم للزواج من فتاة بالكاد وصلت سن البلوغ، يدفع لأبويها مالا هم في حاجة ماسّة إليه -لا يبرر إحتياجهم، أن تكون ابنتهم الثمن-، ثم يجرها إلى عش الزوجية المستأجر لأسابيع لا تتخطى الشهر ثم يطلقها ويرحل.

هذا ما طبع لدى المخيلة العربية، وربما المخيلة العامة للعالم عن الثري الخليجي الذي يملك مالا لم يجمعه بنفسه، ولا نهاية له على الأرجح، ولم يكن من عمل لذلك الثري سوى فعل ذلك الشئ ولا مجال أو ميدان له سواه.

لكن دول الخليج الأغنى وصاحبة المشاريع -ربما- السياسية، قررت بعد صعود الثورات العربية، في إتخاذ هؤلاء كأذرع، بم أن لا عمل لهم إلا الشراء، في التعامل كأدوات للسياسة الخارجية لتلك الدول في المنطقة والعالم، فالثري الخليجي أصبح أمامه كافة مجالات القوة الناعمة -كما تسميها تلك الدول- من أجل التوغل الثقافي والشعبي إلى جانب التوغل السياسي والإقتصادي في حكومات تلك الدول.

 

من الناحية السياسية، فالكل يعلم مدى تأثير نفوذ دولة مثل السعودية والإمارات، اللذان يعتبران أساس وجود النظام الحالي في مصر، فلم يصعد النظام المصري الحالي إلا على دبابة ملأ خزانها من النفط الخليجي، وتعمّر مدفعها بقذائف من الدولار النفطي الخليجي، ليس هذا فحسب وإنما وصل النفوذ الإماراتي والسعودي والقطري الخليجي إلى واشنطن ونيويورك، بما تحدثت عنه تقارير عن دور المال الإماراتي في وصول ترامب للسلطة عن طريق مسؤولين روس، أو تلك التقارير التي تحدثت عن منافسة حامية الوطيس بين الإمارات والسعودية من جانب وقطر من جانب أخر في شراء اللوبي صاحب النفوذ هناك من اجل الاستفادة منها في التحكم بتوجهات واشنطن تجاه الأزمة الخليجية.

 

من الناحية الثقافية والفنية والإعلامية والرياضية، فإن الأمور تتشابه كثيرا كما هي في الجانب السياسي، فالمنطق فيه هو المال الخليجي الذي أصبحت له السيادة في العالم العربي كله، يمكن لثري خليجي أن يستثمر في الثقافة ليس بشكلها السطحي بشراء لوحة فنية تقدر بملايين الدولارات، أو حتى شراء عدة قنوات فضائية أو تأسيسها، بينما الوضع أصبح مختلفا، بات السؤال لدى الثري الخليجي المتذاكي، “لماذا أشتري اللوحة وبإمكاني شراء الفنان الذي يصنع اللوحة؟”.

 

السؤال الأصعب بات موجها للفنان أو الإعلامي أو المثقف أو الكاتب، “هل أبيع نفسي من أجل المال؟”، هناك إختبار يتحدث من هم خارجه عنه بكل النزاهة والقوة والبراءة التي لا مثالي غيرها، لكن عندما يوضع في السؤال نفسه ليكون هو بذاته إجابة، أين ستكون تلك الشعارات؟!، في الحقيقة لابد له أن يبحث عن مخرج، والسؤال لم يعد موجها لشخص واحد أو عشرة ولكنه أصبح لغة السوق، لذلك يجب أن يتعب كل فرد في ايجاد حجته لأنه وقتها كلما ازداد الألف شخص الموجه لهم السؤال، ألفا أخرين، سيتعقد السؤال وستندثر المبررات، ومشغلهم لابد أنهم يريدهم بكل الطهارة التي يدعون دون انكشاف أو لعب مفضوح، فيقوم الثري نفسه بشراء من يصنع المبرر، يؤسس لموقع محتوى، أو يشتري محطة تلفزيونية، أو موقع صحفي، أو نادي، ويطلب عاملين بمبالغ لا يعرفها سوق هذا البلد،تخيل تعمل في مصر وتقبض بمعدل السوق في بريطانيا، أليس هذا هو العدل؟!

 

الأن سيجد الكاتب، المبرر أنه لن يبيع نفسه، بل إنه وجد عملا بظروف جيدة، هل له تحيز أيديولوجي لا بأس، هل لديه ميول رياضية سياسية ثقافية أيا كانت، نعم التنوع سيخدمنا، وستكون السياسة هي المصلحة العليا لبلاد المستثمر، الأمر بسيط وميسر والحلول وجدت من قبل العرض، لذا كان من السهل أن يتمدد المال الخليجي بسرعة البرق في مجتمع بتشكيلاته ومجالاته على اختلافها.

 

إشكالية مهمة في تلك المهمة، هي انه منذ صعود المال الخليجي كمحرك أو كوقود للأشخاص، أصبح كوادر المجالات كبارهم وصغارهم يعملون بدافع المال، أي أن المال هو المحرك له، يأخذون المال ليتحركون، كلما أردت منه شئ عليك شحنه بالمال، ليكون المال في ذاته وقودا لازما لتحريك المشتغلين، لا أن يكون العمل من اجل الوصول للمال، وهو انقلاب المنطق ما يحقق أزمة في العقلية الرأسمالية ذاتها، الأمر لابد سيصنع خللا في القريب العاجل.

 

 

 

أما الأزمة والإشكالية الأضخم لدى الثري الخليجي، تعد في أنه يتعامل مع كل هؤلاء بكافة مكوناتهم على أنه صراع الديكة، أو تسابق خيول، وهو جالس، ليس للإستمتاع بمهارات الخيول والديكة ولكن ليستمتع و من راهن عليه يكسب السباق ويظن أن الأنظار كلها تتجه له بالفخر والإمتنان والشكر، ولكن في الحقيقة هو لا يُرى في الكادر إلا إذا علا صوته.

 

يفكر الثري في أنه يجب استقطاب أحد الأضاد من أجل دعمه لكي يكسب، في الرياضة كمثال، يدفع تركي آل الشيخ المسؤول السعودي الرياضي الثري، يقول انه سيستثمر في الرياضة المصرية، أمواله، يقدم الدعم للنادي الأهلي المصري، يدفعها كمنح للنادي لينال رئاسة شرفية يكون له نفوذ بها، لكن أسطورة كرة القدم محمود الخطيب رئيس النادي، يتلقى المال بإعتبار أخر وأنه من محب للنادي وفقط، لا نفوذ له، يختلفان حول تلك النقطة تحديدا في مفترق طرق، يرحل تركي آل الشيخ، فيحاول مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك استقطابه، ليدعمه ضد نقيضه، ولكن المستثمر السعودي يبحث عن صنع الضد من نفسه فيشتري نادي الأسيوطي الرياضي ويحول إسمه لنادي بيراميدز، لينافس الأهلي المصري، ويشتري قناة فضائية وصحفيين وإعلاميين من أجل أن يعلو صوته.

 

 

 

ينزل لاعبو كرة القدم، الذين نالوا من الثري أموالا طائلة إلى الملعب، يكسبون مباراة ويتعادلون ربما مباراة أخرى، تمر مباراة أخرى بظروف صعبة، يكسب الفريق بالكاد بمساعدة خطأ تحكيمي، ثم في ظروف مختلفة في مباراة أخرى يخسر، وهكذا فالأمر صعب، يتسائل الثري الخليجي، “لماذا لم أكسب طوال الوقت بنتائج ساحقة؟!”، ألم أدفع المال، لابد أن أكسب هكذا أفهم أنا. يتحدث إلى مقربين يسألهم لم أقصر، لقد دفعت لما لا أكسب بالطريقة التي أريد، بطل الدوري المصري ليس موجودا الأن، وانا لست المتصدر الأول، فكيف سيكون الحال عندما يرجع للبطولة ويعطيها كامل اهتمامه؟!

الأمر ليس بالهين على الثري الخليجي أن لا يجد نتائج أنية لماله، يتعامل مع الأمور بعقلية مستهلك المياه الغازية، “أضع النقود فتخرج لي الزجاجة”، لم تخرج الزجاجة “إذا الماكينة بها خلل دعنا منها إلى ماكينة أخرى ونستعيض بثواب الله عما دفعنا”.

 

لكن جمهور النادي الأهلي، لم ينتظر حتى يمل الثري الخليجي، فالجمهور لا يتقاضى المال على عمله، -يمكن أن يكون هناك مشاركون مرتزقة لكن من سيدفع لـ30 ألف مشجع على الأقل؟!-،كما ان الجمهور لن يخشى تهديدات الثري الخليجي بفصله عن عمله أو أن ينهي حياته المهنية، كما أن له توجه واضح وصريح هو ناديه لذا فقد قرر أن يقف خلف ناديه ويتعامل مع الموقف كما هي طبيعة كرة القدم وتنافس الأضاد وسلوك الجماهير ويسب تركي أل الشيخ، فيجد المستثمر السعودي نفسه في مهب السباب والقذف، ويرى أن اللعبة أكبر من أن تحتمل، فينسحب.

ولكن يجب أن ننوه: دائما ما يمكن أن يرحل تركي آل الشيخ أو غيره عن الإستثمار في بلد ما، بتلك الطريقة أو بأخرى، لكن الأزمة تكمن في أن منظومة صنعها تنتظر ممول أخر.

 

 

اكتب تعليقك