16 أغسطس، 2018

الولايات المتحدة وحقوق الإنسان

لا ترامب

كيف لنظام سياسي راسخ الديمقراطية أن يفرز رئيسا عنصريا ومستهترا بالحقوق الإنسانية إلى هذه الدرجة؟

سيتوقف المؤرخون مطولا عند العلاقة المرضية الشاذة التي ربطت الولايات المتحدة عضويا بالمشروع الصهيوني.

بقلم: حسن نافعة

لا جدال في أن الولايات المتحدة كانت وما تزال دولة ديمقراطية، حتى في عهد الرئيس ترامب. فمؤسساتها تعلي من شأن حقوق الإنسان ونظامها السياسي والقضائي به ما يكفي من الآليات القادرة على كفالة احترام هذه الحقوق لكل مواطنيها دون تمييز.

صحيح أن رئيسها الحالي ليس من دعاة ولا من أنصار حقوق الانسان، خاصة على الصعيد الدولي ويفضل التعامل مع أكثر القادة انتهاكا لهذه الحقوق، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة كدولة وكنظام سياسي على وشك التحول إلى دولة فاشية أو عنصرية، رغم أن المخاطر قائمة بالفعل.

قد يتساءل القارئ: كيف لنظام سياسي راسخ الديمقراطية أن يفرز رئيسا عنصريا ومستهترا بالحقوق الإنسانية إلى هذه الدرجة؟

غير أن هذا الوضع ليس فريدا في التاريخ أو مقتصرا على الولايات المتحدة وكثيرا ما يحدث في أوقات الأزمات الحادة التي تواجه الدول والمجتمعات والتي قد تؤثر سلبا على خياراتها السياسية.

لذا فليس من المستغرب ان نجد بين الحين والآخر، خاصة في مثل هذه الأوقات الاستثنائية العصيبة، أكثرية من الناخبين تنساق للسير وراء زعامات ديماغوجية لديها قدرة خاصة على دغدغة المشاعر وتحريك النزعات البدائية الكامنة في البشر.

والتاريخ مليء بأمثلة كثيرة من هذا النوع داخل وخارج الولايات المتحدة، ربما كان أشهرها انسياق الشعب الألماني وراء أدولف هتلر، زعيم الحزب النازي، عقب تصويت الأكثرية لصالح حزبه في انتخابات 1933 التي كانت البداية الفعلية لانزلاق العالم نحو الحرب والدمار.

غير أن الأمر يبدو مختلفا في الحالة الأميركية. فالمواقف الأميركية المنحازة للنظم الاستبدادية والمعادية للقيم الإنسانية لم تكن أمرا فجائيا أو وليد لحظة استثنائية جسدتها انتخابات رئاسية أفرزت حاكما معاديا للديمقراطية وحقوق الانسان.

بل جاء كنتاج لعملية تراكمية طويلة وممتدة راحت خلالها الولايات المتحدة، كدولة وكنظام سياسي، تنزلق رويدا رويدا نحو حافة هاوية سحيقة تبدو فيها وكأنها باتت على أهبة الاستعداد للتنكر لكل قيمها وتاريخها ورسالتها الكونية.

ففي عام 1948 وجه الرئيس الأميركي هاري ترومان نداء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن فوق منبرها، يناشدها فيه إصدار وثيقة تعلي من شأن حقوق الانسان وتكون بمثابة سراج منير يضيء طريقا كانت النظم النازية والفاشية والعسكرية قد نجحت في إطفاء مصابيحه طوال مرحلة ما بين الحربين.

وجاءت استجابة الجمعية العامة سريعا وصدر بالفعل «الإعلان العالمي لحقوق الانسان» الذي تم إقراره بالإجماع ولم يعترض عليه أحد. حينها بدت الولايات المتحدة في قمة الاتساق ليس فقط مع تاريخها وإنما مع مستقبلها كاكبر قوة ليبرالية ظهرت على وجه الأرض.

في عام 2018 قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الانسان.

بين التاريخين مسافة شاسعة تحولت فيها الولايات المتحدة من دولة تحمل شعلة حقوق الإنسان لتجوب بها العالم إلى دولة تسعى لإطفاء مصابيحها باتساع الساحة العالمية.

وفي رأيي أن هذه المسافة الطويلة لم تقطع عبر قفزة واحدة قام بها بهلوان اسمه ترامب وإنما جاءت نتاج عملية طويلة وممتدة شاركت فيها أجهزة الدولة الأميركية العميقة ومعظم الإدارات الجمهورية والديمقراطية إلتي تناوبت الحكم فيها إلى أن وصلت الولايات المتحدة إلى حافة الهاوية التي تقف عندها الآن. فكيف انتقلت الولايات المتحدة هكذا من النقيض إلى النقيض؟

لا يوجد تفسير واحد أو إجابة جامعة عن هذا السؤال، فالقضية في رأيي شديدة التعقيد والتركيب.

لكنني أعتقد أن المؤرخين سيتوقفون بالتحليل في المستقبل، ومطولا، عند تلك العلاقة المرضية الشاذة التي ربطت الولايات المتحدة عضويا بالمشروع الصهيوني.

فالمسافة التي قطعتها الولايات المتحدة بين عامي 1948 و2018، وحولتها من دولة صانعة للإعلان العالمي لحقوق الانسان إلى دولة تسعى لتمزيقه على مرأى ومسمع من العالم كله، هي بالضبط نفس المسافة التي قطعتها إسرائيل بين عامي 1948 و2018 وحولتها من دولة تدعي أنها واحة وحيدة للديمقراطية وسط صحراء قاحلة، إلى دولة تتباهي وتفخر رسميا، خاصة بعد صدور قانون القومية، بأنها أصبحت دولة عنصرية لليهود فقط.

  • د. حسن نافعة كاتب وأكاديمي ومفكر سياسي مصري.
المصدر: صحيفة «الوطن» القطرية
مفاتيح: الولايات المتحدة، حقوق الإنسان، المشروع الصهيوني، «الإعلان العالمي لحقوق الانسان»، مجلس حقوق الإنسان، النظم الاستبدادية والسلطوية، العنصرية، إسرائيل،
تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

إكتب تعليقك هنا

‫شاهد أيضًا‬

الجنيه المصري ونبوءة صندوق النقد الدولي

الجنيه المصري ونبوءة صندوق النقد الدولي ذهبت توقعات الصندوق سدى فانهار سعر صرف الجنيه مقاب…