المراهق المثالي!

المراهق المثالي!

النزعة المثالية والانتقادية (Criticalness and Idealism) :

تعطي العمليات العقلية الصورية المراهق القدرة على تجاوز الواقع إلى الممكن، وهذا يفتح له عالم المثاليات والكمال. ولأول مرة يستطيع المراهق أن يتصور عالماً من السلام والانسجام يختلف عن الواقع، وتتحقق فيه المثاليات، ويستطيع المراهق أن يتخيل أسرة مثالية كاملة لا عيب فيها، أو غير ذلك من أشياء لا عيب فيها، أو غير ذلك من أشياء من النادر جداً وجودها في الواقع، أو حتى من المستحيل تحققها بالصورة المثالية الكاملة.

ونزعة المراهق إلى انتقاد الوالدين، تلك النزعة التي تظهر في بواكير المراهقة، تنتج جزئياً من قدرة المراهق على تصور الوالدين المثاليين، وعلى مقارنة والديه بهذين الوالدين المثاليين الموجودين في خياله، وبالتالي اكتشاف العيب والنقص في والديه الحقيقيين مقارنة، بالوالدين المثاليين كما يتصورهما.

وقد لوحظ أن بعض المراهقين ينخرطون في حلم يقظة سماه الباحثون: (حلم اللقيط) يتخيل فيه المراهق أنه ولد مُتَبَنّى، وأن والديه الحقيقين هما من نسب عريق جداً، أو هما ثريان جداً أو مشهوران جداً. وهذا الحلم يعبر عن حساسية المراهق لعيوب والديه التي ظهرت له عندما قارنهما بالوالدين المثاليين، اللذين يسكنان في خياله.

وفي أغلب الأحيان تظهر انتقادية المراهق لوالديه بشكل مفاجئ، ودون سابق إنذار، إذ يتحول طفل العشر سنوات المطيع المتعاون المتقبل لكل ما يأتيه من الكبار على أنه الصواب، يتحول إلى موقف جديد لا تظهر فيه تلك الطاعة العمياء، والاحترام الكامل للوالدين، بل هو الآن ينظر إليهما بعيين ناقدة فاحصة، ويشير إلى عيوبهما دون تردد.

وهذا الموقف الجديد للمراهق يشكل تحدياً للوالدين.

والملاحظ أن البنات أسرع نمواً في بداية المراهقة من الصبيان، وبالتالي فإن انتقاديتهن لوالديهن تظهر مبكرة بعض الشيء مقارنة بالصبيان، لكن الصبيان ما يلبثون أن يلحقوا بهن، ويقفوا مواقف النقد من والديهم.

قد تكون انتقادية المراهق لوالده ظاهرة، ومباشرة، وصريحة، وقد تكون خفية وغير مباشرة، ومتضمنة في كلامه أو سلوكه.
فعلى سبيل المثال: قد يتغير سلوك صبي ما كان يغسل يديه، أو يغير قميصه، أو يستعمل الشوكة في طعامه دون معركة مع والديه، يتحول إلى خبير وذواقة في آداب السلوك، واللباس والطعام، وكأنه يقول لوالديه (أنتما لا تعرفان كيف تتحدثان، ولا تعرفان كيف تمشيان، ولا كيف تلبسان، أو تأكلان).

ويتحدث عالم النفس الأمريكي المتخصص في النمو المعرفي عند الطفل والمراهق ديفيد إلكند Elkind David عن مراهقته هو، ليضرب لنا مثلاً على انتقادية المراهق لوالديه، وحساسيته لعيوبهما؛ التي تبدو له عندما تمكّنه قدراته العقلية من تجاوز الواقع إلى الممكن.

يقول إلْكند: (كان والداي مهاجريين روسيين، ولم يكن ذلك يزعجني أبداً حتى صرت مراهقاً، واكتشفت – وكأنني لم أكن قد سمعتهما يتكلمان من قبل- أنهما ذوا لهجة غير أصلية في لغتهما الإنكليزية، وأن لهجتهما كانت واضحة الاختلاف عن لهجة آباء وأمهات زملائي الأمريكين أصلاً، ولم يكونا يلبسان كما كان يلبس والدو أصدقائي الأمريكيين. كان شعر أمي طويلاً يصل إلى الأرض، وكانت تجعله ضفائر طويلة تلفها مجتمعة لتعمل منها كعكة في مؤخرة رأسها. وإني أتذكر الآن وأنا أحس بالخزي، والندم كم كنت انتقادياً، وعياباً لهما في ذلك الوقت، وكم كنت أحس بالحرج كلما قدمتهما إلى أحد من أصدقائي).

وهنالك عامل نفسي آخر يساهم في ظهور انتقادية المراهق لوالديه، إضافة إلى قدرته على إدراك المثالي، وهذا العامل متعلق بالميول العاطفية، والجنسية الجديدة المنبثقة مع البلوغ الجنسي في المراهقة.

فعندما يفتتن المراهق – ذكراً كان أو أنثى – بمراهق من الجنس الآخر، فإن ذلك قد يسبب صعوبات علاقته بوالديه.
يعتقد كثير من المراهقين أن الحب لدى الإنسان له مقدار، وكمية ثابتة، وأن حبه لوالديه كان يستهلك كل الحب الذي بحوزته، وبالتالي لا بد أن يكون حبه لشخص من الجنس الآخر على حساب حبه لوالديه.

وهذا يولد في نفس المراهق إحساساً بالذنب تجاه والديه؛ اللذين اعتنيا به في كل سنين حياته، واللذين يستحقان نصيبهما من حبه.
ومن الحيل اللاشعورية التي تلجأ إليها النفس عند المراهق لحل هذا الإشكال والتناقض، بين حبه لفتاة، أو حبها لفتى من عمرها، وبين حبه لوالديه: أن تبحث عن عيوب الوالدين؛ لتبرر ما يقوم به المراهق من تحويل قدر من حبه لهما إلى مراهق من الجنس الآخر، وبمقارنة المراهق والديه مع الوالدين المثاليين يجد أنهما دون مستوى الكمال، ويكون في رأيه من العدل أن يسحب منهما بعض حبه لهما، فهما لا يستحقانه على كل حال.

إن لنمو القدرة على رؤية عيوب الوالدين أهمية بالغة من حيث قدرة الإنسان على حب الآخرين، على الرغم من عيوبهم، وقصورهم عن مستوى المثالي والكامل.

فالمراهق الذي يحب والديه، ورأى عيوبهما، واستمر في حبه لهما، هذا ما يحدث عادة إن كانت علاقة الوالدين بالمراهق حسنة، فإنه يتعلم: أن يحب الآخرين، وأن يعتبرهم قابلين للحب، وأهلاً له، مع أنهم ذوو عيوب، وهذا يجعل المراهق أقدر على إنشاء علاقات إيجابية ومثيبة عندما يصبح راشداً، وفي هذا قدر كبير من النضج، يقابله عجز بعض الذين لم ينضجوا نفسياً بالقدر الكافي، عن أن يحبوا أحداً إن اكتشفوا فيه عيباً أو نقصاً، فيبقون طيلة حياتهم يبحثون عن المثالي الكامل الجدير بحبهم دون أن يجدوه.

ومع أنه على الوالدين ألا يحملوا انتقادات أولادهم لهم محمل الجد، فإن هذه الانتقادات يجب أن لا تبقى أسئلة بلا أجوبة. وبعض الاستجابات المقترحة لانتقادات المراهقين من قبيل: (أنا راضٍ عما أنا فيه، واعتقد أنه عليك قبول ذلك) أو (حسناً أنا مستعد للاستماع إلى شكاواك حولي إن كنت مستعداً لسماع شكاواي حولك).

والهدف من هذه الإجابات: هو مساعدة المراهق على التمييز بين وجهة نظره ووجهة نظر والديه، وعلى إدراك أننا كلنا دون مستوى الكمال والمثالي، وأننا كلنا بشر لنا عيوب، وفينا الضعف البشري، بما في ذلك المراهق نفسه.

إن تذكر المراهق لحقيقة أنه مثلنا يبدو لغيره دون المثالي، يجعله أكثر تسامحاً مع عيوب الآخرين، وأقل تمحوراً حول ذاته، إذ يدرك أن العالم من حوله يمكن رؤيته من منظورات مختلفة.

موضوعات تتهمك:

كيف نغرس القيم في أبناءنا؟

لماذا نعلم أبناءنا الصلاة في السابعة من عمرهم؟

هل تقاليدنا فعلا تقاليد اسلامية؟

هل تصلح التقاليد أساسا لأخلاقنا

كيف نعبر عن حبنا لأبنائنا؟

اكتب تعليقك
تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.
عاجل