التاريخ العربى المقاوم ..سيستمر

التاريخ العربى المقاوم ..سيستمر

 

يمثل التاريخ مجموع وقائع الماضى والتى تشمل أحداثا وفاعليات وأنساقا فكرية ونظم وقيم ومفاهيم إجتماعية متعاقبة ومتتالية ومتصاعدة زمنيا تساهم فى تشكيل الشخصية ونسيجها الاجتماعى وبمستوياتها المتنوعة والمركبة رأسيا وأفقيا وبما قد يؤدى إلى الانسجام والترابط الوجدانى والسلوكى أو إلى التوتر، وحيث تؤدى هذه الفاعليات وتغلغلها فى شتى مناحى الحياة إلى تشكيل الحياة وإلى تفردها عن غيرها فى المناطق الأخرى حيث تختلف التطورات من مجتمع إلى مجتمع فى عمليات النشوء والتطور والارتقاء الثقافى حسب الظروف الخاصة بكل مجتمع وقوانينه وبما يخلق التفرد التاريخى لكل مجتمع.

وبما يجعل من التاريخ بهذه الدينامية العميقة والتراكمية الحركية يشكل صيرورة الذاكرة الجماعية والتى تؤثر بفاعليتها على السلوكيات اليومية والوعى الفردى وبما يشكل الحركة المستقبلية للفرد والمجتمع والسلطة واستمراريتها.

 

اقرأ/ي أيضا: لماذا يخاف المستبدون؟

 

ومن منطلق هيجل بأن العقل يسيطر على العالم، وأن العقل هو جوهر التاريخ، العقل هو الذي يحكم التاريخ، فالتاريخ عنده ليس هو الرصد الميت للأحداث واستخلاص العبر وإنما هو التاريخ الذي يهيمن على الوقائع ويصوغها في منطقها الداخلي من خلال تفاعل الشخصيات التاريخية الذي يبلوره المنطق الداخلي للتاريخ، حيث يقوم التاريخ بتفسير الوقائع والأحداث واستخراج القوانين والتنبؤات للمستقبل بغض النظر عن زمن معين، وهذا ما يسميه هيجل العقل في التاريخ.

لذا قامت ديناميات العقلية العربية استوعبت هذه الحركة وانخلقت صيرورة الشخصية العربية بكينونتها الخاصة فقد تمييزت دينامية سلطة التاريخ العربي بعدم القطيعة مع الماضى ولكن فى إطار إخضاعه لتطور حضوره الاجتماعى التاريخى وبما يشكل ديناميات الحركة المستقبلية وأيا كان نوع السلطة الحاكمة ديمقراطية أو غير ديمقراطية، أو ملكية وراثية أو رئاسية منتخبة أو ديكتاتورية، أوفاسدة أو غير فاسدة، ومن ثم ليس للتاريخ العربي نهاية وانتهاء فمازال بديناميات خصوصيته مقاوما للسلطة بطريقته الخاصة ولا تحكمه فحسب كما يرى ماركس علاقات الإنتاج الاقتصادية والتطور المادى التاريخى وصولا إلى مجتمع شيوعي تلاشى فيه تدريجيا دور الدولة و تتساوى فيه جميع الأفراد ويبلغ التاريخ منتهاه.

وهذه الاستمرارية العربية التاريخية وعلى الرغم مما يدعيه بعض الباحثين من عدم وجود ما يطلق عليه “الشخصية العربية” نتيجة التغيرات والتحولات التى طرأت عليها ومنها تأثيرات العولمة وما تسببه من تراجع دور الأسرة وتزايد الصدام بين الأجيال وامتداده إلى المجتمع كله (1)، وأن التاريخ العربي قائم على منطق السلطوية والخضوع الطوعى أو المكره ومازال يحكمه منطق القبيلة والغنيمة والعقيدة، الذى يتحكم مركزيا فى كافة شتى العلاقات ومسستوياتها الرأسية والأفقية ويرفض سطوتها على المحكوم وتنفى أبسط الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للفرد.

 

اقرأ/ي أيضا: الحقيقة الغائبة: مابين تناقضات التصريحات الإسرائيلية والحاخامات

وبكون الحاكم الممثل لهذه السطوة خاضع للقوى العالمية الغربية فإن التبعية والخضوع والخنوع تسيطر على التاريخ العربي وتتزايد سطوة الحاكم المتجبر وحاشيته الفوقية أيا كان نوعها والخضوع الطوعى الاختيارى له ولهم وما يترتب عليها من سيكيولوجية إنهزامية مستكينة ومستسلمة دائما للأمر الواقع.

وأن هذا الخضوع ــ كما يرون ــ أفقد التاريخ العربي وجود شخصية عربية مميزة، وعلى الحقيقة التاريخية العربية شكل التفاعل الفردى والجماعى والتفاعلى الدينامى بينهما سلطة الفرد والجماعة والمجتمع وانخلقت منه وبما يشكل الحياة اليومية والمستقبلية مكونة خصوصية حركته وحركيته التاريخية العربية وبما حافظ على وحدته التاريخية رافضا بوعيه وبخصوصيته التاريخية التفكيك والتفتيت والتناثر والتشظى والتصدع والانشقاق والصراع الطبقى والعنصرية، ومهما كان الطغاة وأعوانهم وممثليهم والمستعمرين وعملائهم ظل الكائن البشرى العربي بوعيه وخصوصيته محافظا على وجوده ومقاومته للانهيار والهزيمة محافظا على تجانسه وانسجامه المجتمعى.

وهذا ما أثبتته الثورات المصرية والسورية والفلسطينية والتونسية والليبية واليمنية والعراقية والجزائرية الشعبية ضد القمع والقهر السلطوى وضد الطغاة ومقاومة المحتل على مدار عصوره التاريخية وحتى ثوراته الشعبية الأخيرة، وحتى اتخذت المقاومة ضد السلطة وفسادها وقمعها وأجهزتها وممارساتها في نهب الوطن، وإفقار المواطن، وضد طبقتها البرجوزية الصغيرة المتمثلة فى أفرادها وممثليها التنفيذيين والتشريعيين والسياسيين وتفشى فسادها وانحطاطها واعتمادها على النهب العام وشيوع سلوكياتها الانتهازية، أشكالا شعبية ترفض الانهزام والاستسلام وافتقاد النخبة الوطنية التى تدافع عن حقوقهم وتعويضا عن الفقر والبطالة وضياع حقوق المساواة الاجتماعية وعدم المساواة مثل افتراش الفقراء الشوارع لبيع الخضروات وقيام الباعة الفقراء الجائلين بركوب المواصلات ودخولها لبيع ما لديهم من سلع من أجل العيش والحياة ووصولا إلى تصرفات غير متوقعة وسلبية مثل رمى القمامة أمام منزل مسئول الحى أو رميها بطرق عشوائية فى الشوارع العامة والخاصة .. أو قطع سلك الكهرباء الموصل لمصنع الرأسمالى المستغل.

 

اقرأ/ي أيضا: سوريا: هل حقاً عاد اللاجئون فرحين؟

تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.