‫‫‫‏‫4 أسابيع مضت‬

البهنسا .. مدينة الشهداء وبقيع مصر

البهنسا .. مدينة الشهداء وبقيع مصر

قرية البهنسا تابعة لمركز بنى مزار بمحافظة المنيا بمصر وتبعد عن مركز بنى مزار بحوالى 16 كم وهى مدينة أثرية قديمة ،عثر فيها على الكثير من البرديات التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني. وعنها يقول المؤرخون العرب إنها كانت عند فتح مصر مدينة كبيرة حصينة الأسوار لها أربعة أبواب ولكل باب ثلاثة أبراج، وإنها كانت تحوى الكثير من الكنائس والقصور. وقد ازدهرت في العصر الإسلامي، وكانت تصنع بها أنواع فاخرة من النسيج الموشى بالذهب. وتحتوي مدينة البهنسا على آثار من مختلف العصور التي مر بها التاريخ المصري حيث تشتمل هذه القرية على الآثار الفرعونية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية حتى آثار التاريخ الحديث متواجدة متمثلة في المباني والقصور التي يرجع عمرها إلى أكثر من مائة عام.

ذات اسوار عالية

كانت هذه البلدة ذات أسوار عالية وحكمها حاكم روماني جبار يسمى البطليموس وكانت له فتاة ذات حسن وجمال، ومن شدة جمالها أطلق عليها بهاء النسا ومن هنا سميت البلدة بـ ” البهنسا ” ومن المعالم التاريخية الموجودة فيها شجـرة مـريم (عليها السلام)، وسميت كذلك لأنه يقال أن مريم العذراء جلست تحتها والمسيح عيسى بن مريم ويوسف النجار (عليهم السلام)، عندما كانوا في رحلة إلى صعيد مصر.

 

 فتحت فى عام 22 هجرية

وقد شهدت البهنسا صفحات مجيدة من تاريخ الفتح الإسلامي لمصر ،حيث يُطلق عليها مدينة الشهداء لكثرة من اسُتشهد فيها خلال الفتح الإسلامي ففي عام «22 هجرية» أرسل «عمرو بن العاص» جيشا لفتح الصعيد بقيادة «قيس بن الحارث» وعندما وصل إلي البهنسا، كانت ذات أسوار منيعة وأبواب حصينة، كما أن حاميتها الرومانية قاومت جيش المسلمين بشدة، مما أدي إلي سقوط عدد كبير من الشهداء المسلمين، وهو ما كان سببا في قدسية المدينة داخل نفوس أهلها الذين أطلقوا عليها «مدينة الشهداء» تبركًا والتماسًا للكرامات، وفي البهنسا غربا بجوار مسجد « علي الجمام » تقع جبانة المسلمين التي يوجد فيها وحولها عدد كبير من القباب والأضرحة التي تنسب للصحابة والتابعين والعلماء الذين زاروا المدينة ومقابر (مقامات) لشهداء الجيش الإسلامي الذين شاركوا في فتح مصر واستشهدوا على هذه الأرض خلال حملتهم في فتح الصعيد المصري، ويفخر أهلها اليوم بهذه القرية لاحتواء ترابها على أجساد هؤلاء الشهداء من الصحابة، بل والبدريين منهم (أي من حضروا بدر مع الرسول صلى الله عليه وسلم)، ومن هؤلاء الشهداء :

استشهد فيها البدريين (أي من حضروا بدر مع الرسول صلى الله عليه وسلم)،

أمير السرية الصحابي الشهيد، وحفيد الحارث عم الرسول زياد بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي القرشي

سليمان بن خالد بن الوليد المخزومي القرشي

محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي القرشي

الحسن الصالح بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي

محمد بن أبي ذر الغفاري الكناني

محمد بن عقبة بن نافع الفهري القرشي

صاغر بن فرقد

عبد الله بن سعيد

عبد الله بن حرملة

عبد الله بن النعمان

عبد الرزاق الأنصاري

عبد الرحيم اللخمي

أبو حذيفة اليماني

أبو سلمة الثقفي

أبو زياد اليربوعي التميمي

أبو سليمان الداراني

ابن أبي دجانة الأنصاري

أبو العلاء الحضرمي

أبو كلثوم الخزاعي

أبو مسعود الثقفي

هاشم بن نوفل القرشي

عمارة بن عبد الدار الزهري القرشي

مالك بن الحرث

أبو سراقة الجهني

عبيدة بن عبادة بن الصامت

جعفر بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي القرشي

علي بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي القرشي

خولة بنت الأزور

السبع تابعيات الشهيدات (السبع بنات)

القاضي الكبير علي الجمام قاضي قضاة البهنسا وإمام المالكية في عصره.

تقرير شامل عن  قرية البهنسا من اعداد : محمد عبد القوى حسن

ولما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه مصر والإسكندرية والبحيرة والوجه البحري كله جميعًا كان بالصعيد نوبة وبربر وديلم وصقالبة وروم وقبط وكانت الغلبة للروم كان أكثرهم روما‏.‏ ثم استشار عمرو بن العاص أصحابه أي جهة يقصد وهل يسير بالجيوش شرقًا أو غربًا وما يصنع فأشاروا عليه بمكاتبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فكتب إليه يقول‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من عبد الله عمرو بن العاص عامل أمير المؤمنين على مصر ونواحيها إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سلام عليك ورحمة الله وبركاته‏:‏ أما بعد فإني أحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والسلام على من بالمدينة من المهاجرين والأنصار والحمد لله قد فتحت لنا مصر والوجه البحري والإسكندرية ودمياط ولم يبق في الوجه البحري مدينة ولا قرية إلا وقد فتحت وأذل الله المشركين وأعلى كلمة الدين وقد اجتمعت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السادات والأمراء والأخيار المهاجرين والأنصار يطلبون الإذن من أمير المؤمنين هل يسيرون إلى الصعيد أو إلى الغرب والأمر أمرك يا أمير المؤمنين فإنهم على الجهاد قلقون وباعوا نفوسهم لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين قال الواقدي‏:‏ فلما فرغ عمرو بن العاص من الكتاب عرضه على أصحابه ثم طوى الكتاب وختمه واستدعى برجل يقال له سالم بن بجيعة الكندي وسلم إليه الكتاب ولما وصل وجد عمر بن الخطاب فسلم عليه‏ وأعطاه الكتاب فقرأه ففرح واستبشر واستشار عمر رضي الله عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن حضر فأشار عليه علي بن أبي طالب أن عمرو بن العاص لا يسير بنفسه ليكون أهيب له في قلوب أعدائه وأن يجهز جيشًا عشرة آلاف فارس ويؤمر عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال عمر‏:‏ صدقت ثم كتب كتابًا يقول فيه‏:‏بسم الله الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب إلى عامله على مصر ونواحيها عمرو بن العاص سلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏أما بعد‏:‏ فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والسلام عليك وعلى من معك من المهاجرين والأنصار ورحمة الله وبركاته وقد قرأت كتابك وفهمت خطابك فإذا قرأت كتابي هذا فاستعن بالله واربط الخيل وأرسل الأمراء لكل بلد أمير ليقيموا شرائع الدين ويعلموا الأحكام‏.‏ ثم انتدب عشرة آلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقر عليهم خالد بن الوليد وأرسل معه الزبير بن العوام والفضل بن العباس والمقداد بن الأسود وغانم بن عياض الأشعري ومالكًا الأشتر وجميع الأمراء وأصحاب الرايات ينزلون على المدائن ويدعون الناس إلى الإسلام فمن أجاب فله ما لنا وعليه ما علينا ومن أبى فليأمروه بأداء الجزية وإن عصى وامتنع فالحرب والقتال وأمرهم إذا حاصروا مدينة أن يشنوا الغارات على السواد وإن بمصر مدينتين كما بلغني إحداهما يقال لها أهناس والثانية يقال لها البهنسا أمنع وأحصن وبلغني أن بها بطريقًا طاغيًا سفاكًا للدماء يقال له البطليوص وهو أعظم بطارقة مصر كما بلغني وأنه ملك الواحات فلا تقربوا الصعيد حتى تفتحوا هاتين المدينتين وعليك بتقوى الله في السر والعلانية أنت ومن معك وأنصف المظلوم من الظالم وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وخذ حق الضعيف من القوي ولا تأخذك في الله لومة لائم وأقم أنت بمصر وأرسل الأجناد وإن احتجت إلى مدد فأرسل وكاتبني وأنا أرسل لك المدد. والمعونة من الله عز وجل وأسأل الله تعالى أن يكون لكم بالنصر والمعونة والفتح والحمد لله رب العالمين‏.‏ ثم طوى الكتاب وختمه بخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفعه إلى سالم فأخذه ورجع إلى مصر فوجد عمرًا والصحابة نازلين بأرض الجيزة وكان زمن الربيع وهو جالس في خيمته وأصحابه عنده فسلمت على عمرو وخالد وعلى بقية الأمراء‏.‏ ثم ناولته الكتاب فقرأه إلى آخره وفهم ما فيه‏.‏ فلما سمع الأمراء ما فيه فرحوا بذلك فرحًا شديدًا‏.

ثم إن عمرًا استشار الأمراء في ذلك وكانوا لا يفعلون شيئًا إلا بمشورة بعضهم ولذلك مدحهم الله في كتابه العزيز بقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏ ‏[‏الشورى 38‏]‏‏.‏ فأشاروا عليه أن يرسل خلف الأمراء والجنود المتفرقة في البحيرة شرقًا وغربًا وأن يرتب الجيوش ويقصدوا الصعيد ويتوكلوا على الله عز وجل‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وكانت الصحابة لما فتحت مصر والوجه البحري قد تفرقوا فمنهم في الإسكندرية وأمسوس ودمياط ورشيد وبلبيس وكان أكثرهم بوسط البحيرة في المكان المعروف بالمنزلة مثل القعقاع بن عمرو التميمي وهاشم بن المرقال وميسرة بن مسروق العبسي والمسيب بن نجيبة الفزاري‏.‏

فعندها استدعى عمرو رضي الله عنه بالنجابة والسعاة وعمرو بن أمية الضمري ومثل هؤلاء رضي الله عنهم أجمعين وكتب الكتب وأرسلها للأمراء فعندها أجابوا بأجمعهم لأنهم رضي الله عنهم كانوا أشوق للقتال من العطشان للماء البارد الزلال وتركوا في البلاد والمدائن من يحفظها أو يحرسها خيفة من العدو وأقبلوا نحو مصر مسرعين ونزلوا حولها وأخبر عمرو رضي الله عنه بقدومهم فدخل دار الإمارة وهي قريبة من الجامع العمري وأقبلت السادات والأمراء يسلمون عليه وكان ذلك نهار الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين من الهجرة النبوية وقيل اثنتين وعشرين والله أعلم‏.‏

قال‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله‏.‏

قال‏:‏ حدثنا عبيدة بن رافع عن أبيه جحيفة عن جابر بن عبد الله الأنصاري وحدث بذلك ابن سلمة رضي الله عنه‏.‏

قالوا‏:‏ لما قدمت الأمراء والأجناد من الصحابة رضي الله عنهم أقاموا الأربعاء والخميس والجمعة فخطب عمرو رضي الله عنه بالناس‏.‏

فلما فرغ من خطبته أمر الناس أن لا يتفرقوا حتى يقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏.‏

فقرأ عليهم الكتاب‏.‏

فلما فرغوا من قراءته تواثبوا كلهم كالأسود الضارية المشتاقة إلى فرائسها وقالوا كلهم‏:

‏ سمعنا وأطعنا

ولأرواحنا في سبيل الله بذلنا

وللجهاد طلبنا

 وفي الثواب رغبنا

وإلى الجنة اشتقنا

ففرح عمرو بذلك وقال‏:‏

إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أولي عليكم سيف الله والنقمة على أعداء الله صاحب القتال الشديد والبطل الصنديد خالد بن الوليد‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وكان خالد بن الوليد صديق عمرو في الجاهلية وأسلما في يوم واحد‏.‏

ثم التفت عمرو إلى خالد وقال‏:‏ ادن مني يا أبا سليمان فدنا منه فقال عمرو‏:‏ يا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم كلكم لكم الفضل وإني لست بأفضل وفيكم من هو ذو قرابة ونسب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تعلمون ما فتح الله على يديه من البلاد وما أذل الله على يديه من الأجناد‏.‏

قال الواقدي‏:‏ فوثب الفضل بن العباس رضي الله عنه وقال‏:‏ أيها الأمير إنا بذلنا أنفسنا في رضا الله عز وجل وما نريد بذلك إلا رفعة عند الله عز وجل وإن خالدًا من أخيارنا ولو أمرت علينا عبدًا حبشيًا لامتثلنا أمره في رضا الله عز وجل فناهيك بخالد وهو سيد من سادات قريش عزيز في الجاهلية والإسلام فتهلل وجه خالد وعمرو فرحًا ثم أمرهم بالنزول جميعًا بأرض الجزيرة قريبًا من الهرم الشرقي وأقبلوا يضربون خيامهم حوله حتى تكاملت العساكر رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

قال الراوي بسنده إلى الواقدي وابن إسحق وابن هشام‏:‏ لما تكاملت الجيوش وذلك في ربيع الآخر من السنة المذكورة صلى عمرو بأصحابه صلاة الصبح ثم قام من ساعته يمشي على قدميه وحوله جماعة من المسلمين ومعه خالد بن الوليد والمقداد بن الأسود الكندي والزبير بن العوام الأسدي والفضل بن العباس الهاشمي وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمر بن الخطاب وهاشم بن المرقال والمسيب بن نجيبة الفزاري والعباس بن مرداس وأولاد عبد المطلب وبقية السادات حتى طلع على رابية وأشرف على الجيش فلما رأى اجتماعهم سر سرورًا عظيمًا‏.‏

ثم أمر بعض الجيش فتقدمت الأمراء أصحاب الرايات وصار كل أمير يعرض جيشه وبني عمه على عمرو بن العاص فكانت عدتهم فيما ذكر والله أعلم ستة عشر ألف فارس فانتدب منهم عشرة آلاف فارس كلهم ليوث عوابس وعليهم الدروع الداودية متقلدين بالسيوف الهندية معتقلين بالرماح الخطية راكبين الخيول العربية من خيار أمة خير البرية فعند ذلك قال لهم عمرو‏:‏ يا معاشر الأمراء أصحاب الرايات والسادات الأخيار إن خالدًا أمير عليكم فاسمعوا له وأطيعوا وكونوا كلمة واحدة ونازلوا المدائن والقلاع وشنوا الغارات على السواد ولا تقاتلوا قومًا حتى تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن أبوا فأداء الجزية فإن أبوا فالقتال بينكم وبينهم ‏{‏حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 87‏]‏‏.‏ وأرسلوا الطلائع ولا يكون في الطلائع إلا كل فارس كرار في الحرب والقتال وثبتوا أنفسكم ولا يغرنكم كثرة أعدائكم فأنتم الغالبون فقد ذكر الله في كتابه المكنون المبين ‏{‏كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏‏.‏ وأحسنوا نياتكم وثبتوا عزائمكم فأنتم الغالبون والله معكم وأنتم كلكم أهل الفضل والسابقة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلتم بين يديه ولا تحتاجون إلى وصيتي بارك الله فيكم‏

 

واستدعى عمرو بأصحاب الرايات فكان أول من تقدم بعد خالد الزبير بن العوام والفضل بن العباس وزياد بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمر بن الخطاب والمقداد بن الأسود الكندي وعمار بن ياسروالعباس بن مرداس السلمي و أبا دجانة الأنصاري وغانم بن عياض الأشعري وأبا ذر الغفاري والقعقاع بن عمرو التميمي والمغيرة بن شعبة الثقفي وميسرة بن مسروق العبسي ومالكًا الأشتر النخعي وذا الكلاع الحميري والوليد وعقبة بن عامر الجهني وجابر بن عبد الله الأنصاري وربيعة بن زهير المحاربي وعدي بن حاتم الطائي ومثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم وقد اقتصرنا في أشعارهم خوف الإطالة وكل واحد يسلمه راية ويؤمره على خمسمائة فارس قال‏:‏ فلما تكاملوا وتجهزوا خرج عمرو وأصحابه فودعهم وسارت الكتائب وتتابعت المواكب يطلب بعضها وخلفهم الذراري والصبيان حتى أتوا الجيزة ونزلوا بمكان يعرف بالمرج الكبير قريب من تلك المدائن والقرى والرساتيق وتقدمت الطلائع يتجسسون الأخبار وقد كان بدهشور بطريق عظيم من قبل مارنوس صاحب أهناس وكان فارسًا مكينًا وكلبًا لعينًا قاتله الله وكان يقول في نفسه أنه يناظر البطليوس في ولايته لكن البطليوس صاحب البهنسا لعنه الله كان أشد بأسًا وأعظم مراسًا وكثر عددًا وأقوى مددًا وأوسع بلادًا فكاتبه في ذلك وكاتب روسال صاحب الأشمونين وكاتب أقراقيس صاحب قفط وكان يحكم على أخميم وكاتب الكيكلاج وكان يحكم إلى عدن والبحر المالح إلى بلاد البجاوة والنوبة وحد السودان وتسامع الناس بمسير العرب إلى الصعيد وكاتبت الملوك بعضها بعضًا وماج الصعيد بأهله إلى حد الواحات ووقع الرعب في قلوبهم فعند ذلك وثبت مكسوج ملك البجاوة وحليف ملك النوبة وجمعوا ما حولهم من أرض النوبة والبجاوة والبربر وأتوا إلى أسوان‏.‏

وكان مع ملك البجاوة ألف وثلثمائة فيل عليها قباب الجلد بصفايح الفولاذ في كل قبة عشرة من السودان طوال القامة عراة الأجساد على أوساطهم وأكتافهم جلود النمور وغيرها ومعهم الحرق والحراب والكرابيج والقسي والمقاليع والأعمدة الحديد والطبول والقرون وكانت عدتهم عشرين ألفًا فلما وصلوا أسوان خرجوا إلى لقائهم بعسكرهم وأعلموهم بأمرهم وساروا إليهم بالملاقاة من الذرة والشعير والقصب ولحوم الخنازير والضباع وغيرها من الوحوش فأنزلوهم وضيوفهم ثلاثة أيام ثم خرج بطريق أسوان ومعه جيش حتى وصلوا إلى ملك قفط صاحب القرية القريبة من قوص وعمل معهم مثل ذلك وسير معهم جيشًا وساروا حتى وصلوا إلى أنصنا وكان بها بطريق عظيم وبطل جسيم وكان منجمًا وكان يحكم شرقًا وغربًا وكانت مدينته عظيمة على شاطئ البحر وبها جند كثير وعجائب عظيمة ولها حصن عظيم من الحجر علوه ثلاثون ذراعًا ومن داخلها قصور ومقاصير وكنائس وقلاع على أعمدة الرخام وغيرها في المدينة فلما نزلت تلك العساكر على أنصنا خرج إليهم بطريقها جرجيس بن قابوس وتلقاهم وأرسل معهم ابن عم له يسمى قيطارس وكان فارسًا شديدًا في أربعة آلاف فارس ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا بواد البهنسا عند بطريق يسمى قلوصا من بطارقة البطليوس فلما سمع بهم البطليوس خرج إلى لقائهم في عسكر عظيم زهاء من خمسين ألف فارس من البطارقة وعليهم الدروع المذهبة وأقبية الديباج المرقومة بالذهب الوهاج وعلى رؤوسهم التيجان المكللة باللآلئ والجواهر راكبين على خيول وبراذين مسرجة عليها سروج الذهب والجنائب مغطاة بأغشية من الحرير الملون المرقوم بالذهب والفضة والخز وكان معه خمسون صليبًا طول كل صليب أربعة أشبار من الذهب تحت كل صليب ألف فارس على كل صليب رمانة من الذهب المنقوش وهم في زي عظيم عجيب وقد أكثروا من الطبول والزمور وضرب القرون والمعازف حتى ارتخت الأرض ومعهم الجمال والبغال والجاموس فلما التقوا ترجلت الملوك والبطارقة للقائهم وسلم بعضهم على بعض وتكلموا فيما بينهم بسبب العرب فقال لهم البطليوس‏:‏ لا تطمعوا العرب فيكم ولا في بلادكم فإنما مثل العرب كمثل الذباب إن تركته كل وإن منعته فر وهلك فاثبتوا واصدقوا .

قال كرماس الرومي :‏ يا معاشر الملوك والبطارقة إني قد اطلعت على الكتب القديمة وفيها أنهم إن ملكوا البهنسا ونواحيها فلا تقوم لأهل الصعيد بعد ذلك قائمة قال فلما سمع الملوك ذلك صقعوا له ثم انتدب من بطارقته عشرين ألفًا ممن عرفت شجاعتهم وبراعتهم وملك عليهم صاحب الكفور وكان كافرًا طاغيًا وكان اسمه بولص وكان لعينًا ودفع له صليبًا من الذهب وعلمًا من الحرير الأطلس الأصفر مرقومًا بالذهب فيه صورة الشمس ودفع لهم ما يحتاجون له من الجنائب والقباب والسرادقات ومضارب الديباج الملون وأواني الذهب والفضة والصناديق المملوءة بالذهب والفضة والبراذين والبغال وعليها أحمال الحرير الملون وبعضها محمل بالأواني المذكور والخيام والسرادقات وسارت العساكر وتتابعت الملوك بالمواكب يتلو بعضها بعضًا حتى قربوا من مدينة ببا الكبرى فخرج إليهم بطريقًا صندراس وتلقاهم وفعل معهم كما فعل البطليموس وأضافهم وجهز معهم جيشًا عشرة آلاف فارس من صناديد بطارقته وولي عليهم بطريقًا اسمه دارديس وكان يناظر بطريق الكفور في الشجاعة والقوة والبراعة وساروا حتى قربوا من مدينة برنشت فخرج إليهم بطريقها فتلقاهم وكان يناظر البطريق الأعظم رأس بطارقة الكوة ولم يزالوا سائرين حتى ملؤوا الأرض

قال الراوي‏:‏ وأما ما كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لما نزلوا قريبًا من دهشور كما ذكرنا وكانت العيون من المسلمين من بني طيء ومذحج ينزلون ويتزيون بزي العرب المتنصرة يتجسسون الأخبار حتى اختلطوا بالعساكر المذكورة وكانوا حذاقًا متفرسين فلما رأوا ذلك هالهم أمره‏.‏

قال زيد بن غانم الثعلبي وكان ممن حضر الفتوح وشهد الوقعة بينما نحن جلوس نصلح شأننا بالمرج ونحن على أهبة السفر إذ قدمت الجواسيس فأخبروا خالدا بقدوم العساكر‏.‏

فقال لهم‏:‏ هل حزرتم الجيوش‏.‏

فقالوا‏:‏ نعم نحو مائتي ألف فارس وخمسين ألف راجل من النوبة والبربر والبجاوة والفلاحين وغيرهم وهم في أهبة عظيمة ومعهم ألف وثلثمائة فيل وعلى ظهورها الرجال كما وقع في يوم حرب العراق قال خالد‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قرأ ‏{‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏‏.‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏ ثم إن خالد قال لأصحابه‏:‏ ولا تهتموا لذلك واصبروا ‏{‏وأنتم الأعلون والله معكم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 35‏]‏‏.‏ فليست جموعهم بأكثر من جموع اليرموك ولا من جموع أجنادين ومع ذلك فقد ملكتم مصرهم التي هي تاج عزهم وملكتم الوجه البحري وقتلتم مائة من ملوكهم وبطارقتهم وقد صارت الشام واليمن والعراق والحجاز بأيديكم وقد دانت لكم البلاد وقد كنتم قليلًا فكثركم الله وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها وقاتلتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرتم بالملائكة ووعدكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم ومن قتل منكم كان له الجنة وتنتقل روحه إلى روح وريحان ورب راض غير غضبان فلما سمعوا كلامه تهللت وجوههم فرحًا وقالوا‏:‏ يا خالد نحن كلنا بين يديك وقد وهبنا أنفسنا لله ابتغاء وجه الله ومرضاته‏.‏ 

ولما طال الحصار والمكث على أهل البهنسا اجتمع المسلمون عند خالد واستشاروه فيما يفعلونه وما يكون من الرأي فوثب عبد الرزاق الأنصاري وعبد الله بن مازن الداري وكعب بن نائل السلمي وأبو مسعود البدري وأبو سعيد البياضي وقالوا‏:‏ يا قوم قد وهبنا أنفسنا لله عز وجل ولعل أن يكون للإسلام فرج فاصنعوا منجنيقًا واملؤوا غرائر قطنا وقالوا يأخذ كل واحد منا سيفه وحجفته ويدخل في غرارة قطن فإذا كان الليل ونامت الحراس فألقونا على أعلى السور واحدًا بعد واحد والمعونة من الله في فتح الباب كما فتحتم قصر الشمع بمصر ودير النحاس وكما فعلتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاستصوبوا رأيهم فلما أصبحوا قطعوا الأخشاب وصنعوا منجنيقًا وصنعوا له حبالًا وأحضروا غرائر وملؤوها قطنًا والرجال داخلها وصبروا إلى الليل ودخل هؤلاء السادات رضي الله عنهم بعد أن ضربوا بالمنجنيق حجرًا بعد حجر فسقط على أعلى السور والبرج فشرعوا في رميهم منهم أبو مسعود البدري وعبد الرزاق إلى أن رموهم جميعهم وصاروا فوق أعلى السور ورتب خالد أصحابه على الأبواب وأما عبد الرزاق وأصحابه فلما صاروا بأعلى الجدار نزلوا إلى البرج فإذا هو مغلق والحراس نيام فنزلوا إلى الدهليز بين البابين فوجدوهما مغلقين موثقين فذبحوا البوابين عن أخرهم ووجدوا المفاتيح تحت رأس كبيرهم في جانب سريره فأخذوها وفتحوا الأبواب وإذا بالباب الثاني الذي ينتهي إلى القصر مسدود بالحجارة فاحتالوا على قلع حجر بعد حجر فقلعوها ورموا الأحجار وفتحوا الأبواب وكل ذلك في أقل من ساعة بمعونة الله عز وجل وصعدوا إلى البرج فعالجوه وفتحوه وقتلوا جماعة واستيقظ جماعة وثاروا عليهم وخافوا على الباب أن يؤخذ منهم وأن يحال بينهم وبينه وهو باب السور الذي بظاهر المدينة ففتحوه فصاحت الروم واستيقظ البطليوس وركب جواده وكان على حذر وركب المسلمون ودخلوا الباب وخرجت البطارقة والبطليوس من قصره وزحفت الروم إلى الباب وكان أول من قتل في ذلك اليوم عبد الرزاق وعنان بن مازن وكعب بن نائل السلمي بداخل الباب‏.‏ 

 

قال‏:‏ ثم خرجت الروم وقاتلت قتالًا شديدًا وتواثبت جماعة من الأمراء مثل الزبير بن العوام وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى باب البحر واقتتلوا قتالًا شديدًا وتقدم عبد الرحمن والزبير إلى الباب والروم على أعلى السور ونزل عن جواده وصلى ركعتين والحجارة تتساقط عليه وهو لا ينزعج لذلك وتقدم هو والفضل وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى الباب وجعلوا السلاسل من فوق وصعدوا إلى أعلى إلبرج وهدموا الشرافات ووضعوا السيف في الحراس وفتحوا الباب ووثب شرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو ذر الغفاري وأبو أيوب الأنصاري إلى باب قندوس ووثب المسيب بن نجيبة الفزاري والقعقاع بن عمرو والأمير عياض بن غانم الأشعري إلى باب الجبل وفتحوا الأبواب واقتتلوا قتالًا شديدًا وقاتلت الروم قتال الموت إلى أن طلعت الشمس وارتفعت وقاتل عدو الله البطليوس قتالًا شديدًا وقتل رجالًا وجندل أبطالًا واقتتلوا في الأزقة والشوارع وبين الأبواب وتقدم خالد وهو يصيح‏:‏ واثارات سليمان وطعنه طعنة صادقة في صدره فأطلع السنان يلمع من ظهره فوقع يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار فلما رأى الروم ذلك ولوا الأدبار وتبعهم المسلمون يقتلون وبأسرون وينهبون وقتل من الروم نحو ثلاثين ألفًا بوسط البلد وأسر منهم عشرون ألفًا وأنشد خالد يقول‏:‏ وبالبهنسا الغرا أبيدت جيوشنا ثلاث سنين بابها ليس يفتح 

 

ثماني آلاف عداد جيوشنا وكل همام عن ثمانين يرجح 

فما فتحت إلا وقد صار جيشنا ثلاثة آلاف عداد تسحسح 

ولم أر في أرض الصليب كمثلها ولا جيشها لما على السور يسرح 

ولا مر لي يوم كمثل حروبها** لأن بها البطلوس ليث مبجح 

وكان له جيش وعدة جيشه** ثمانون ألفًا بالحديد توشحوا 

وكف غلبناهم ثمانين مرة** يخادعنا البطليوس عنهم فنصفح 

ثلاث مرار نحن نفتح بابها **وترتد للكفر الذميم وتجنح 

وقد تعب الهندي يوم فتوحها** وكلت أيادينا وفي الروم نذبح 

إلى أن ملأنا البر والبحر منهم **وقد شبعت أسد الفلا وترنحو 

ا وولت ثلاثون الألوف شواردًا** وعشرون ألفًا منهم قد تجرحوا 

فمنهم قضى نحبًا ومنهم بها طغى** ومنهم أناس في المقابر روحوا 

وبطلوسهم ذاك النهار قتلته **وقد كان مقدام الجيوش مرجح 

فبادرته في الحال حتى تركته **صريعًا عليه الغانيات تنوح 

وعاجلته في الرأس مني بضربة** فأضحى بها شطرين ملقى ومطرح 

وعاد بسيف ابن الوليد مجندلًا **تمر به كل الحوادث تفلح 

ولما فني بطلوسهم صار جمعهم **كما شبه أغنام وغاب المسرح 

وقد كان في بحر الهياج مغلغلًا **تولى سرايا قومنا منه مرح 

فلله ما أعداه قد كان فارسًا **يفوق على جيش عظيم ويرجح 

وقد فرحت أكبادنا وترنمت **لعمرك والأكباد بالنصر تفرح 

أقمنا بأرض البهنسا بعد فتحها **ثلاثين يومًا للمساجد نصلح 

ورحنا فتحنا الهند والسند كله **وأسيافنا في الغمد لله تسبح 

وفي كل أرض عسكر قد تركته** يقسمون دين الحق والحق يوضح 

وهذا كلام ابن الوليد الذي جرى** فكن سامعًا معنى الذي لك أشرح 

فما مثله في معمع الحرب سيد **ولا مثله في جوهر النظم أفصح 

ومن بعد ذا صلوا على** أشرف الورى نبي له كل البرية تجنح 

عليك سلام الله ما لاح بارق** وما غرد القمري إذ الصبح يطفح 

وأصحابه والآل والعترة التي** أقاموا لدين الله والشرك زحزحوا 

قال الراوي‏:‏ وصار المسلمون يصعدون إلى البيت ويأخذون الرجال من بين حريمهم من الروم ويقتلونهم حتى كلت سواعدهم من الذبح وجرى الدم في الأزقة وصارت القتلى في الشوارع والأسواق مطروحين وخرجت إليهم النصارى والقبط وهم يبكون ويقولون‏:‏ نحن أهل ذمتكم ونحن عوام وتجار وسوقة وكلنا مغلوبون على أمرنا وقتل خيارنا بأسيافكم وبقية الأمراء ويقولون هؤلاء قد صاروا رعيتنا وليس لهم بطش فتركوهم وقالوا بشرط أن تدلونا على من أخفى نفسه في المغاير والمخابي ومن فر من الباب الشرقي وغرق في الماء فدلوهم على الجميع ولم يزالوا يقتلون ذلك اليوم كله وفي اليوم الثاني استدعوا بنجارين يعملون عربات لحمل القتلى من المسلمين وأخذوا دواب أهل السواد من البقر تسحب العربات والفلاحون عملوا عليها وصاروا يضعون كل ثمانية وستة وعشرة في حفيرة ويردون عليهم الرمل حتى صاروا تلالًا وشهروا قبورهم ووضعوهم بدروعهم وثيابهم وعمائهم رضي الله عنهم وأخذوا ألواح رخام وكتبوا عليها أسماءهم وأنزلوها في مدافن قبورهم ورجعوا إلى قتلى أهل البلد فواراهم أهلهم في قبورهم وكان جملة من قتل من المسلمين في ذلك اليوم نحو أربعمائة وأزيد الأعيان منهم صاغر بن فرقد وعبد الله بن سعيد وعبد الله بن حرملة وعبد الله بن النعمان وعبد الرزاق الأنصاري وعبد الرحيم اللخمي وأبو حذيفة اليماني وأبو سلمة الثقفي وأبو زياد اليربوعي وأبو سليمان الداراني وابن أبي دجانة الأنصاري وأبو العلاء الحضرمي وأبو كلثوم الخزاعي وأبو مسعود الثقفي وهاشم بن نوفل القرشي وعمارة بن عبد الدار الزهري ومالك بن الحرث وأبو سراقة الجهني والبقية من أخلاط الناس وقتل عند سوق التمارين نحو عشرين ودفنوا هناك وعند سوق الصابون جماعة كثيرة وقريبًا من العطارين في جانب القبور نحو أربعين وقريبًا من البحر اليوسفي جماعة عند السور رضي الله عنهم‏.‏ 

 

 

قال الراوي‏:‏ ولما وارى المسلمون شهداءهم صعدوا إلى قصر البطليوس وإلى قصور البطارقة ودورهم ومقاصيرهم فوجدوا فيها من آنية الذهب والفضة ما لا يوصف ومن المتاع والحلي والحلل واللآلئ والنمارق والجواهر والبسط والوسائد والمساند واقتتلت الروم على بغلة محملة عند باب السر فغلبهم المسلمون عليها وأخذوها فإذا عليها صندوقان فيهما أحجار معادن فاشترى رجل من المسلمين من بيت المال حجرًا بستة آلاف دينار فباعه على غشوميته بمائة ألف دينار وأخذوا بساط البطليوس وكان مثل بساط كسرى سداه حرير وذهب مرضع بالمعادن فأرسلوه مع الخمس إلى المدينة فجعل لعلي بن أبي طالب فيما حصل له من البساط عشرون ألف دينار وغنمت المسلمون غنائم كثيرة من أواني الذهب والفضة وغير ذلك‏.‏ 

 

قال الراوي‏:‏ حدثنا عون بن عبيدة عن عبد الحميد بن أبي أمية‏.‏ 

 

قال‏:‏ هدم المسلمون القصر والكنيسة وتلك الدور وفتحوا خزائن البطليوس واستخرجوا جميع ما فيها من الذهب والفضة وغير ذلك ولم يتركوا فيها شيئًا أبدًا وقسم خالد الغنيمة بين المسلمين فكان للفارس عشرة آلاف مثقال من الذهب وألف أوقية من فضة ومن الثياب والملبوس وغير ذلك ما لا يوصف ولما دخلوا الكنيسة ورأوا تصاويرها وقناديلها الذهب والفضة والستور والحرير المنقوشة والأعمدة وغير ذلك تعجبوا وقرأ خالد ‏{‏ما اتخذ الله من ولد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 116‏]‏‏.‏ الآية وقال‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله فصاح المسلمون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وقرأ عياض الأشعري ‏{‏كم تركوا من جنات وعيون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وأورثناها قومًا آخرين‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 28‏]‏‏.‏ وأخربوا تلك البيعة وجعلوا بجانبها مسجدًا على أعمدة من الرخام مسقوف عليها بتلك الأخشاب وهو الجامع الأول قبل بناء حسن بن صالح هذا الجامع الآن وبقية الأخشاب والحجارة جعلوا منها مساجد وربطًا‏.‏ 

 

    دخول المغيرة بن شعبة على البطليوس حاكم البهنسا

 

لقد دخل المغيرة بن شعبة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على البطليوس وهو جالس على سريره ولما نظر المسلمون إلى ذلك عظموا الله تعالى وكبروه فارتج السرادق وتغيرت ألوان القوم وصاح بهم الحجاب‏:‏ قبلوا الأرض للملك فلم يلتفتوا إليهم‏.‏ قال المغيرة‏:‏ لا ينبغي السجود إلا للملك المعبود ولعمري كانت هذه تحيتنا قبل فلما بعث الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك فلا يسجد بعضنا لبعض‏.‏ قال‏:‏ فسكتوا‏.‏ قال فأشار لهم البطليوس بالجلوس وقال لهم‏:‏ أيكم المتكلم عن أصحابه‏.‏ فأشاروا إلى المغيرة رضي الله عنه والصحابة جلوس وأيديهم على مقابض سيوفهم فالتفت البطليوس إلى المغيرة وقال له‏:‏ ما اسمك‏.‏ فقال‏:‏ المغيرة 

 

فقال‏:‏ يا مغيرة إني أكره أن أبدأك بالكلام 

 

فقال المغيرة‏:‏‏ ‏الحمد لله الذي هدانا للإسلام وخصنا من بين الأمم بمبعث محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فهدانا به من الضلالة وأنقذنا به من الجهالة وهدانا إلى الصراط المستقيم فنحن خير أمة أخرجت للناس نؤمن بنبينا ونبيكم وبجميع الأنبياء وجعل أميرنا الذي هو متولي علينا كأحدنا لو زعم أن ملك وجار عزلناه عنا فلسنا نرى له فضلًا علينا إلا بالتقوى وقد جعلنا الله نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونقر بالذنب ونستغفر منه ونعبد الله وحده لا شريك له ولو أذنب الرجل منا ذنوبًا تبلع مثل الجبال فتاب قبلت توبته وإن مات مسلمًا فله الجنة قال‏:‏ فتغير لون البطليوس‏.‏ ثم سكت قليلًا 

وقال‏:‏ لقد كانت جماعة منكم قبل اليوم يأتون إلى بلادنا فيمتارون البر والشعير وغيره ونحسن إليهم وكانوا يشكرونا على ذلك وأنتم جئتمونا بخلاف ذلك تقتلون الرجال وتسبون النساء وتغنمون المال وتنهبون المدائن والحصون والقلاع وتريدون أن تخرجونا من بلادنا وديارنا وأنتم لم تكن أمة من الأمم أضعف حالًا منكم لأنكم أهل الشعير والدخن وجئتم بعد ذلك تطمعون في بلادنا وأموالنا وحولنا جنود كثيرة وشوكتنا شديدة وعصابتنا عظيمة ومدينتنا حصينة والذي جرأكم علينا أنكم ملكتم الشام والعراق واليمن والحجاز وارتحلتم إلى بلادنا وأفسدتم كل الفساد وخربتم المدائن والقلاع ولبستم ثيابًا فاخرة وتعرضتم لبنات الملوك والبطارقة وجعلتموهن خدمًا لكم وأكلتم طعامًا طيبًا ما كنتم تعرفونه وملأتم أيديكم بالذهب والفضة والمتاع الفاخر واللآلئ والجواهر ومعكم متاعنا وأموالنا التي من قومنا وأهل ديننا ونحن نترك لكم ذلك جميعه ولا ننازعكم عليه ولا نؤاخذكم بما تقدم من فعلكم من قتل رجالنا ونهب أموالنا والآن فارحلوا عنا واخرجوا من بلادنا‏.‏ فإن فعلتم فتحنا خزائن الأموال وأمرنا لكل رجل منكم بمائة دينار وثوب حرير وعمامة مطرزة بالذهب ولأميركم هذا ألف دينار وعشرة عمائم وعشرة ثياب ولكل أمير منكم كذلك وللخليفة عليكم عشرة آلاف دينار ومائة ثوب حرير ومائة عمامة بعد أن نستوثق منكم بالأيمان أنكم لا تعودون إلى الإغارة على بلادنا هذا كله والمغيرة ساكت فلما فرغ البطليوس من كلامه قال له المغيرة‏:‏ قد سمعنا كلامك فاسمع كلامنا‏.‏ ثم 

قال‏:‏ الحمد لله الواحد القهار الفرد ‏الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏ ‏‏ 

فقال له البطليوس‏:‏ نعم ما قلت يا بدوي 

 

فقال المغيرة‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المرتضى ونبيه المجتبى 

 

فقال له البطليوس لعنه الله‏:‏ لا أدري أن محمدًا رسول الله ولعله كما يقال حبيب الرجل دينه ثم التفت إلى المغيرة 

 

وقال‏:‏ يا عربي ما أفضل الساعات‏.‏ 

فقال‏:‏ ساعة لا يعصى الله فيها 

قال‏:‏ صدقت لقد بان لي رجحان عقلك فهل في قومك من له رأي مثل رأيك وحزم مثل حزمك‏.‏ 

قال‏:‏ نعم في قومنا وعسكرنا أكثر من ألف رجل لا يستغنى عن رأيهم ومشورتهم وخلفنا أمثال ذلك وهم قادمون إلينا عن قريب‏.‏ 

فقال البطليوس‏:‏ ما كنا نظن ذلك منكم وإنما بلغنا عنكم أنكم جماعة جهال لا عقول لكم 

فقال المغيرة‏:‏ كنا كذلك حتى بعث الله فينا محمدًا صلى الله عليه وسلم فهدانا وأرشدنا‏.‏ 

فقال البطليوس‏:‏ لقد أعجبني كلامك فهل لك في صحبتي‏.‏ 

فقال المغيرة‏:‏ يسرني ذلك إذا فعلت ما أقول لك‏.‏ 

قال‏:‏ ما هو قال‏:‏ تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله‏.‏ 

قال البطليوس‏:‏ لا سبيل إلى ذلك ولكن أردت أن أصلح الأمر بيني وبينكم‏.‏ 

قال المغيرة رضي الله عنه‏:‏ الأمر إلى الله وأما قولك لنا إنا أهل فقر وبؤس وضر فقد كنا كذلك وكنا أهل جاهلية لا يملك أحدنا غير فرسه وقوسه وإبله وكنا لا نعظم إلا الأشهر الحرم حتى بعث الله إلينا نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم نعرف أصله ونسبه صادقًا أمينًا نقيًا إمامًا رسولًا أظهر الإسلام وكسر الأصنام وختم به النبيين وعرفنا عبادة رب العالمين فنحن نعبد الله ولا نعبد غيره ولا نتخذ من دونه وليًا ولا نصيرًا ولا نسجد إلا لله وحده لا شريك له ونقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقد أمرنا أن نجاهد من كفر بالله وأتخذ مع الله شريكًا جل ربنا وعلا وهو واحد لا تأخذه سنة ولا نوم فمن اتبعنا كان من إخواننا وله ما لنا وعليه ما علينا ومن أبى الإسلام فالجزية يؤديها عن يد وهو صاغر فمن أداها حقن الله دمه وماله ومن أبى الإسلام والجزية فالسيف حكم بيننا وبينه والله خير الحاكمين وهي على كل محتلم في العام دينار وليس على من لم يبلغ الحلم جزية ولا على امرأة ولا على راهب منقطع في صومعته 

فقال البطليوس‏:‏ لقد فهمت قولك عن الإسلام فما قولك عن الجزية عن يد وهو صاغر فإني لا أدري ما الصغار عندكم فقال المغيرة رضي الله عنه‏:‏ وأنت قائم والسيف على رأسك‏.‏ فلما سمع البطريق كلام المغيرة غضب غضبًا شديدًا ووثب قائمًا ووثب المغيرة من موضعه وانتضى سيفه من غمده وكذلك فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعله وهم يقولون‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله‏.‏ قال عبد الله بن رافع‏ كنا مع المغيرة وجذبنا السيوف ووثبنا على القوم وأخذتنا غيرة الإسلام وما في أعيننا من جيوش البطليوس شيء وعلمنا أن المحشر من ذلك الموضع فلما رأى البطليوس منا ذلك وتبين له الموت من شفار سيوفنا نادى‏:‏ مهلًا يا مغيرة لا تعجل فنهلك وأنا أعلم أنك رسول والرسول لا يقتل وإنما تكلمت بما تكلمت لأختبركم وأنظر ما عندك والآن لا نؤاخذكم فاغمدوا سيوفكم‏.‏ قال‏:‏ فأغمدنا سيوفنا وتقدم المغيرة حتى صار في مكان البطليوس وزحزحه إلى آخر السرير وكان المغيرة رجلًا جسيمًا فاتكل عليه حتى كاد أن يخلع فخذه من موضعه‏.‏

 

قال‏:‏ ثم التفت إلى المغيرة 

 

وقال‏:‏ ما قولكم في المسيح ابن مريم قال المغيرة‏:‏ عبد الله ورسوله‏.‏ 

 

قال‏:‏ فمن أي شيء خلق‏.‏ 

قال‏:‏ خلقه الله من تراب ثم قال له كن فكان ودل على ذلك القرآن العظيم‏.‏ قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 9‏]‏‏.‏ 

قال‏:‏ فما الدليل على أن الله واحد 

فقال المغيرة‏:‏قال الله في القرآن العظيم على لسان نبيه‏صلى الله عليه وسلم‏{‏قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏}‏ ‏[‏الإخلاص‏:‏ ا – 4‏]‏‏.‏ 

فقال له البطليوس‏:‏ ما رأيت مثل حذقك وجوابك يا أعور وكان المغيرة رضي الله عنه أصيب في إحدى عينيه يوم اليرموك‏.‏ 

فقال له المغيرة‏:‏ إن ذلك لا يعيبني ولقد أصيبت عيني في الجهاد في سبيل الله من كافر مثلك وأخذت بثأري من الذي فعل بي ذلك فقتلته‏

فقال البطليوس‏:‏ ما أحذق جوابك فهل في قومك مثلك‏.‏ قال‏:‏ قد قلت لك فينا أهل العلم والرأي ومن لا أساوي في علمهم شيئًا وأنا رجل بدوي فلو رأيت علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المختار مقاتل الكفار ومبيد الفجار والليث الكرار البطل المغوار‏.‏ قال‏:‏ أهو معكم في هذا الجيش فقد سمعت بشجاعته وبراعته وأريد أن أنظر إليه‏.‏ فقال له المغيرة‏:‏ قاتلك الله إن الإمام عليًا كرم الله وجهه أعظم قدرًا من أن يسير إلى مثلك‏.‏ قال‏:‏ فهل أحد غيره‏.‏ قال‏:‏ نعم مثل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو خليفتنا وعثمان بن عفان وعبد الرحمن وسعيد وسعد وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم وأمراء متفرقين في الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر كل أمير يقوم بألف مثلك في الشجاعة والبراعة وغير ذلك وأما سيف الله الأمير خالد بن الوليد أمير هذا الجيش ومعه عصابة من الأمراء فكأنك به وقد أقبل علينا برجال ساعات شداد وأمراء أمجاد‏.‏ فقال له عند ذلك‏:‏ إني أريد أن أصلح الأمر بيني وبينكم وأريد قبل الحرب أن أنظر إلى جماعة ممن ذكرت‏.‏ قال الراوي‏:‏ وكان عدو الله أراد أن يغدر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففهم المغيرة منه ذلك‏.‏ فقال‏:‏ غداة غد آتيك منهم برجال تنظر إليهم‏.‏ قال ففرح عدو الله وأضمر المكر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد الله كيده في نحره‏.‏ قال الراوي‏:‏ ثم وثب المغيرة وأصحابه وخرجوا من عند البطليوس وما صدقوا بالنجاة وركبوا خيولهم وأمر البطليوس حجابه ونوابه أن يسيروا معهم إلى قريب من عسكرهم‏.‏ قال ووصل المغيرة وأصحابه إلى الأمير عياض بن غانم الأشعري وحدثه بما جرى له مع البطليوس‏.‏ فقال عياض‏:‏ هذا رجل حكيم إلا أن الشيطان قد غلب على عقله‏.‏ قال الراوي‏:‏ ولم يناموا تلك الليلة إلا وقد أخذوا أهبتهم للحرب واستعدوا للقتال 

 

 

 سير القيس بن الحرث نحو مطاي وسمالوط

وسار قيس بن الحرثومعه خمسمائة فارس فجعلوا يسيرون على جانب البحر ويشنون الغارات فمن صالحهم صالحوه ومن أسلم تركوه حتى نزل بالبلد المعروف الآن بالقيس وبه سميت أي (قيس بن الحاث) وكان فيها بطريق من بطارقة البطليوس وكان من بني عمه اسمه شكور بن ميخائيل والله أعلم باسمه فدخل أهل السواد كلهم البلد وحاصروها حصارًا شديدًا نحو شهرين ثم أعانهم الله تعالى وحرقوا بابًا من أبوابها ففتحت ودخلوا إليها وكان ذلك بعد وقعة جرت بينهم في مكان يعرف بكوم الأنصار فهزموهم هناك وحاصروهم وفتحوا المدينة وقتلوا البطريق وأخذوا جميع ما فيها بعد أن دعوهم إلى الإسلام فامتنعوا من ذلك ثم شنوا الغارات على ما حولها من البلدان والبلد المعروف بماطي ثم إلى الكفور فخرج إليهم بطريق كان ابن عم المقتول بدهشور لعنه الله وأخوه بطرس وعقدوا مع المسلمين عقدًا على الصلحوأعطوا الجزية وسارت العرب إلى البلد المعروف بالدير وسملوط وما حولها من القرى ونزل زهير وجماعة من العرب بالمكان الذي يعرف بزهرة وأما بقية السواد الذي حول البهنسا شرقًا وغربًا فلما تحققوا مجيء العرب هربوا إلى البهنسا بأموالهم ونسائهم وذراريهم وتركوا البلاد جميعها خرابًا وكان البطليوس لعنه الله أرسل إليهم بطارقته فحملوهم إلى البهنسا واستعد للحصار وجمع عنده ما يحتاج إليه مدة الحصار‏.‏ أما عدو الله بولياص صاحب طبندا فإنه كاتب البطليوس يقول‏:‏ إني ما صالحت العرب إلا مكيدة وإني أريد الغدر بهم فجهز لي جيشًا من البطارقة على أن أظفر بجماعة من أبطال المسلمين ونأخذ بثأر من قتل منكم فاستدعى البطليوس ببطريق من بطارقته يسمى روماس وضم إليه خمسة آلاف فارس من الروم والنصارى وغيرهم من أهل القرى وأمرهم أن يسيروا تحت ظلام الليل فما جاء نصف الليل حتى وصلوا إلى طنبدا ودخلوا إلى بولياص ففرح بذلك فرحًا شديدًا واستعدوا للهجمة على المسلمين‏.‏ قال وأصبح المسلمون وقد صلوا صلاة الصبح وإذا بالخيل قد أقبلت إليهم فنادوا‏:‏ النفير هاجمونا وغدرونا فركب المسلمون خيولهم وساروا إلى قريب الدير وإذا بالروم مقبلين في عشرة آلاف فارس وكان أعداء الله قد كمنوا كمينًا قريبًا من قناطر كانت هناك ونهر يجري فيه الماء من النيل في أوانه عميق غربي الدير قريب من البلد‏.‏ ولما رأوهم تبادروا إلى خيولهم فركبوا وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وأقبلوا مسرعين نحوهم ولم يفزعوا من كثرتهم وحرض بعضهم بعضًا على القتال وكانوا قد سبقوا إلى شرذمة من المسلمين كانوا نزولًا قريبًا من الدير ووضعوا فيهم السيف وأحاطوا بهم وجالوا واتسع المجال إلى قريب من دهروط فخرج سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد وعامر بن عقبة بن عامر وشداد بن أوس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم واشتد القتال وعظم النزال وعميت الأبصار وقدحت حوافر الخيل الشرار ولمعت الأسنة وقرعت الأعنة ودهشت الأنظار وحارت الأفكار وأحاطوا بالمسلمين من كل جانب فلله در سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد لقد قاتلا قتالًا شديدًا وأبليا بلاء حسنًا ولله در زياد بن المغيرة لقد كان يقاتل تارة في الميمنة وتارة في الميسرة وتارة في القلب وأحاط بهم أعداء الله من كل جانب وقد صار المسلمون بينهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وصبروا لهم صبر الكرام وكان أكثر المسلمين قد أثخن بالجراح واشتد الكفار هذا والمسلمون قد انتدبوا أبطالًا وجعلوها خلف ظهورهم وقاتلوهم قتالًا عظيمًا هذا وأعداء الله قد أحاطوا بهم وحجزوا بينهم وبين البلد وقاتل سليمان وأصحابه قتالًا شديدًا ووطنوا أنفسهم على الموت وشجع بعضهم بعضًا وصار سليمان بن خالد يقول‏:‏ الله الله الجنة تحت ظلال السيوف والموعد عند حوض النبي صلى الله عليه وسلم وقاتل قتالًا شديدًا حتى أثخن بالجراح وقتل من المسلمين نحو مائتين وعشرين قريبًا من التل الذي هو غرب البلد المذكور وما قتل الواحد منهم حتى قتل من أعداء الله خلقًا كثيرًا‏.‏ 

 

    أين ذهب الصحابة بعد فتح البهنسا

لقد أقام المسلمون ثلاث سنين إلا أنهم يشنون الغارات على السواد والسواحل ومضى القعقاع بن عمرو وهاشم وأبو أيوب وعقبة بن نافع الفهري بألفي فارس وأغاروا على حد برقة ثم عادوا وهذا أحد الآراء في فتح المغرب‏.‏ قال الواقدي رضي الله عنه‏:‏ ولما طال الحصار والمكث على أهل البهنسا اجتمعت المسلمون عند خالد واستشاروه فيما يفعلونه وما يكون من الرأي فوثب عبد الرزاق الأنصاري وعبد الله بن مازن الداري وكعب بن نائل السلمي وأبو مسعود البدري وأبو سعيد البياضي وقالوا‏:‏ يا قوم قد وهبنا أنفسنا لله عز وجل ولعل أن يكون للإسلام فرج فاصنعوا منجنيقًا واملؤوا غرائر قطنا وقالوا يأخذ كل واحد منا سيفه وحجفته ويدخل في غرارة قطن فإذا كان الليل ونامت الحراس فألقونا على أعلى السور واحدًا بعد واحد والمعونة من الله في فتح الباب كما فتحتم قصر الشمع بمصر ودير النحاس وكما فعلتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاستصوبوا رأيهم فلما أصبحوا قطعوا الأخشاب وصنعوا منجنيقًا وصنعوا له حبالًا وأحضروا غرائر وملؤوها قطنًا والرجال داخلها وصبروا إلى الليل ودخل هؤلاء السادات رضي الله عنهم بعد أن ضربوا بالمنجنيق حجرًا بعد حجر فسقط على أعلى السور والبرج فشرعوا في رميهم منهم أبو مسعود البدري وعبد الرزاق إلى أن رموهم جميعهم وصاروا فوق أعلى السور ورتب خالد أصحابه على الأبواب وأما عبد الرزاق وأصحابه فلما صاروا بأعلى الجدار نزلوا إلى البرج فإذا هو مغلق والحراس نيام فنزلوا إلى الدهليز بين البابين فوجدوهما مغلقين موثقين فذبحوا البوابين عن أخرهم ووجدوا المفاتيح تحت رأس كبيرهم في جانب سريره فأخذوها وفتحوا الأبواب وإذا بالباب الثاني الذي ينتهي إلى القصر مسدود بالحجارة فاحتالوا على قلع حجر بعد حجر فقلعوها ورموا الأحجار وفتحوا الأبواب وكل ذلك في أقل من ساعة بمعونة الله عز وجل وصعدوا إلى البرج فعالجوه وفتحوه وقتلوا جماعة واستيقظ جماعة وثاروا عليهم وخافوا على الباب أن يؤخذ منهم وأن يحال بينهم وبينه وهو باب السور الذي بظاهر المدينة ففتحوه فصاحت الروم واستيقظ البطليوس وركب جواده وكان على حذر وركب المسلمون ودخلوا الباب وخرجت البطارقة والبطليوس من قصره وزحفت الروم إلى الباب وكان أول من قتل في ذلك اليوم عبد الرزاق وعنان بن مازن وكعب بن نائل السلمي بداخل الباب‏.‏ ثم خرجت الروم وقاتلت قتالًا شديدًا وتواثبت جماعة من الأمراء مثل الزبير بن العوام وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى باب البحر واقتتلوا قتالًا شديدًا وتقدم عبد الرحمن والزبير إلى الباب والروم على أعلى السور ونزل عن جواده وصلى ركعتين والحجارة تتساقط عليه وهو لا ينزعج لذلك وتقدم هو والفضل وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى الباب وجعلوا السلاسل من فوق وصعدوا إلى أعلى إلبرج وهدموا الشرافات ووضعوا السيف في الحراس وفتحوا الباب ووثب شرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو ذر الغفاري وأبو أيوب الأنصاري إلى باب قندوس ووثب المسيب بن نجيبة الفزاري والقعقاع بن عمرو والأمير عياض بن غانم الأشعري إلى باب الجبل وفتحوا الأبواب واقتتلوا قتالًا شديدًا وقاتلت الروم قتال الموت إلى أن طلعت الشمس وارتفعت وقاتل عدو الله البطليوس قتالًا شديدًا وقتل رجالًا وجندل أبطالًا واقتتلوا في الأزقة والشوارع وبين الأبواب وتقدم خالد وهو يصيح‏ وطعن البطليوس فسقط يخور في دمه فلما رأى الروم ذلك ولوا الأدبار وتبعهم المسلمون يقتلون وبأسرون وقتل من الروم نحو ثلاثين ألفًا بوسط البلد وأسر منهم عشرون ألفًا قال الراوي‏:‏ وصار المسلمون يصعدون إلى البيت ويأخذون الرجال من بين حريمهم من الروم ويقتلونهم حتى كلت سواعدهم من الذبح وجرى الدم في الأزقة وصارت القتلى في الشوارع والأسواق مطروحين وخرجت إليهم النصارى والقبط وهم يبكون ويقولون‏:‏ نحن أهل ذمتكم ونحن عوام وتجار وسوقة وكلنا مغلوبون على أمرنا وقتل خيارنا بأسيافكم وبقية الأمراء ويقولون هؤلاء قد صاروا رعيتنا وليس لهم بطش فتركوهم وقالوا بشرط أن تدلونا على من أخفى نفسه في المغاير والمخابي ومن فر من الباب الشرقي وغرق في الماء فدلوهم على الجميع ولم يزالوا يقتلون ذلك اليوم كله وفي اليوم الثاني استدعوا بنجارين يعملون عربات لحمل القتلى من المسلمين وأخذوا دواب أهل السواد من البقر تسحب العربات والفلاحون عملوا عليها وصاروا يضعون كل ثمانية وستة وعشرة في حفيرة ويردون عليهم الرمل حتى صاروا تلالًا وشهروا قبورهم ووضعوهم بدروعهم وثيابهم وعمائهم رضي الله عنهم وأخذوا ألواح رخام وكتبوا عليها أسماءهم وأنزلوها في مدافن قبورهم رضي الله عنهم‏.‏ قال الراوي‏:‏ حدثنا عون بن عبيدة عن عبد الحميد بن أبي أمية‏.‏ وفتح المسلمون خزائن البطليوس واستخرجوا جميع ما فيها من الذهب والفضة وغير ذلك ولم يتركوا فيها شيئًا أبدًا وقسم خالد الغنيمة بين المسلمين فكان للفارس ولما دخلوا الكنيسة ورأوا تصاويرها وقناديلها الذهب والفضة والستور والحرير المنقوشة والأعمدة وغير ذلك تعجبوا وقرأ خالد ‏{‏ما اتخذ الله من ولد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 116‏]‏‏.‏ الآية وقال‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله فصاح المسلمون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وقرأ عياض الأشعري ‏{‏كم تركوا من جنات وعيون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وأورثناها قومًا آخرين‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 28‏]‏‏.‏ وأخربوا تلك البيعة وجعلوا بجانبها مسجدًا على أعمدة من الرخام مسقوف عليها بتلك الأخشاب وهو الجامع الأول قبل بناء حسن بن صالح والله اعلم أنه قد هدم ولكن مأذنته باقية قال الراوي‏:‏ هذا ما جرى لهؤلاء‏.‏ وأما خالد رضي الله عنه فإنه بعد شهر ترك أناسًا من الصحابة بأرض البهنسا من جميع القبائل وخرج بألفي فارس إلى أرض ألصعيد وكانت القبائل من بني هاشم وبني المطلب وبني مخزوم وبني زهرة وبني نزار وبني جهينة وبني مزينة وبني غفار والأوس والخزرج ومذحج وفهر وطيء وخزاعة وكان الأمير عليهم مسلم بن عقيل وأحاطوا بالمساكن وجعلوا بالمدينة أسواقًا وشوارع وسكن أكثر الصحابة في جانب البحر اليوسفي وخلوا من الآخر إلى الجانب الغربي شارعًا واحدًا لأجل أن تسبح دوابهم في البحر وأقام مسلم بن عقيل واليًا عليها إلى خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فتولى محمد بن جعفر بن أبي طالب بعده ومضى مسلم وترك أولاده وإخوته بها ولم يزل في المدينة حتى قتل في خلافة الحسن في الكوفة رضي الله عنه وأقام محمد بن جعفر إلى خلافة علي رضي الله عنه وتولى عليها بعده علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه إلى خلافة معاوية وكان عبد العزيز بن مروان الأموي واليًا وتولى بعده طاهر بن عبد الله وكانت قريش والأشراف بالجهة الغربية ويقال لها حارة الأشراف وكان لكل قبيلة حارة‏.‏ وحضر فتح البهنسا نحو سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

__________________

 

 

تقع قرية البهنساـ على بعد 16 كيلو مترا من مركز «بنى مزار »، شمالى مدينة المنيا، وقد جرت على أرضها واحدة من أكبر حوادث الفتوح الإسلامية (22 هجرية)، وعلى رمالها سالت دماء العشرات من جنود الفتح الإسلامى الذين واجهوا جيش الرومان، لذا يطلق عليها أرض الشهداء، فهى تضم نحو «خمسة آلاف ضريح»، وبها عديد من قبور الصحابة الذين شاركوا فى غزوة بدر، لذا فقد اكتسب المكان قدسية بالغة فى نفوس المصريين، استوجبت عليهم أن يخلعوا نعالهم قبل أن يطأوا هذه الرمال المختلطة بدماء الشهداء الزكية، التى دارت حولها من ناحية أخرى الحكايات والأساطير. أشهر هذه الحكايات جميعا، حكاية « السبع بنات » اللاتى انضممن لجيش عمرو بن العاص، وارتدين ملابس الرجال وأبلين بلاء حسنا فى تلك الفتوحات، وبينما هن فرحات بما حققنه من إنجاز، إذ رحن يزغردن ابتهاجا وكشفت زغاريدهن حقيقتهن أمام جنود الروم الذين تسللوا إلى خيامهن ليلا وذبحوهن. وهناك من يقول إن عددهن ليس معروفا على وجه التحديد، قد يكون سبعة وقد يكون سبعين. بل هناك من قال إن هؤلاء البنات السبعمجهولات الاسم – لم يكن مسلمات، بل هن سبع من الراهبات اشتركن مع الجيش الإسلامى أثناء توجهه لفتح البهنسا، وبذلن أنفسهن دفاعا عنه، حتى تعقبهن الروم وقتلهن ودُفنَّ معا. وهذا التأصيل ربما يرجع لرغبة الجماعة الشعبية فى تبرئة المسيحيين من تهمة تعاونهم مع الرومان أثناء الفتح الإسلامى للبهنسا، حيث شاع أنهم ينتصرون لأبناء دينهم وينضمون للرومان فى محاربتهم للمسلمين، والحقائق التاريخية نفسها تدحض هذا الزعم، حيث تعاون المسيحيون مع المسلمين فى دحض الوجود الرومانى بالبهنسا. وفى « فتوح البهنسا » الذى كتبه الواقدى معتمدا على الروايات الشعبية، يذكر نماذج عديدة من أدوار المرأة البطولية أثناء فتوح البهنسا، حيث قاتلن بالأعمدة والسيوف وأجدن استخدامها. وإزاء هذه التضحيات النادرة خلد الوعى الشعبى سيرة المرأة البطلة، حيث حول من ساحة مقابرهن بأعلى إحدى التلال الرملية إلى مكان مقدس.. طقوسي، يلجأ إليه الراغبون فى الإنجاب – رجالا ونساء- أو الساعون للتخلص من متاعب الجسد غير المفهومة، أو الباحثون عن الصفاء الروحي.. أغراض شتى يجمعها طقس واحد، اسمه « الدحرجة » حيث ينام المرء على جانبه الأيمن بعد أن يعقد يديه خلف رأسه، ثم تقوم خادمة المكان بدفعه من أعلى الجبل لينزل متدحرجا وهو أو هى على الوضع هذا.ويكرر الفعل ذاته من ثلاث إلى سبع مرات.

تمتع الرقم (7) بحضور لافت فى معظم الثقافات الإنسانية، حتى إن العديد من الدلالات الكونية والمظاهر العالمية تتمحور حوله، فهو عدد يشير إلى الاكتمال والتمام؛ فألوان قوس قزح سبعة، وحواس الإنسان سبع، والسموات سبع والأراضين سبع، وعدد أيام الأسبوع سبعة، والسنين العجاف كانت سبعا، والحاج أو المعتمر يطوف حول البيت العتيق سبع مرات، ويقطع أشواطا سبعة بين الصفا والمروة. والمسلم فى صلاته يسجد بسبعة أعضاء من جسده على الأرض، وعدد آيات سورة الفاتحة سبع وأبواب النار سبعة، و(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (261/ البقرة). والحديث النبوى يقول: (سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله …) وفى الأثر: ( اجتنبوا السبع الموبقات …)، وفى سفر التكوين: أن الله حذر «نوحًا» قبل الطوفان، ثم قبل نزول المطر بسبعة أيام وعندما أرسل «نوح» الغراب والحمامة كان ذلك بعد سبعة أيام (تكوين 7: 4 و8: 10 و12) وكان عدد الحيوانات الطاهرة التى دخلت الفلك سبعة (تكوين 7: 2) والعاصفة التى جاءت بعد الطوفان ضُبطت فى آخر اليوم السادس، وأول يوم أشرق بالصحو كان اليوم السابع. وفى العهد القديم أن النبى « إيليا » استراح بظهور الغمامة، بعد صلاته السابعة. وأسرار الكنيسة (طقوسها) سبعة، (المعمودية، الميرون، الافخارستيا، التوبة والاعتراف، مسحة المرضي، الزيجة، الكهنوت). وفى الثقافة العربية القديمة نطالع أمر « الثريا » وهى عنقود نجمى يتكون من سبعة نجوم، ستة منها ترى بالعين المجردة، والسابع لا يراه إلا من كان يتمتع ببصر قوي، ويطلقون عليه الراعي. ويجدر ذكره أن الثريا هى أحد منازل القمر الشهرية. وكان من عادات العرب إذا ذكروا (النجم) من غير نسبته إلى شيء محدد، فإنهم كانوا يقصدون بذلك الثريا. وكانوا يتفاءلون ويستحسنون عقد زيجاتهم وقت طلوع الثريا. أمّا الإغريق فقد أطلقوا على اسم هذه المجموعة النجمية اسم الشقيقات السبع، ويقصدون بها بنات أطلس، الذى تروى الأسطورة أن الآلهة كانت قد عاقبته بأن يحمل قبّة الفلك، وأشفقت عليه بناته وكدن أن يمتن كمدا عليه، فتدخل زيوس وحولهن إلى حمائم، غير أن صائدا عملاقا كان يطلق عليه « الجبّار » راح يترصدهن فقتلته « أرتميس ».. ربة الصيد والقمر فى الآن ذاته وحوّلته إلى كوكبة فى السماء، رغم ذك لم يكف عن مطاردة الحمائم اللاتى تحولن إلى عنقود من النجوم. لذا يعتقد أن القمر يزور الثريّا ويحلّ ضيفا فى منزلها مرّة كل شهر. والبابليون كانوا يعتقدون أن الرقم 7 هو عدد الكمال، وكانت الأبراج البابلية مكونة من سبعة طوابق. وعجائب الدنيا سبع، والقارات سبع ونغمات السلم الموسيقى سبع. والمعتقد الشعبى يقول إن العهود التى قطعها سيدنا سليمان على أم الصبيان سبعة، والواضعة تخطو على وليدها الموضوع فى الغربال سبع مرات، والحبوب المستخدمة فى تبييتة السبوع سبع.

 

 

كما أن العدد سبعة يحمل رمزية مهمة فى عالم الحسد حيث ينضم إلى أمثاله من الأرقام الفردية فى قدرتها على فك العكوسات واتقاء شرور العين.

 

يمشون من فوق بئر ذهابا وإيابا، ويتدحرجون على الرمال والحصى، وقت صلاة الجمعة، طلبا للإنجاب.. تلك هي رحلة زائري منطقة الـ«السبع بنات» في محافظة المنيا، جنوب مصر، من الرجال والنساء، ظنا منهم ببركة المكان حتى لو تنافى ذلك مع العقيدة الدينية

وهى مدينة أثرية قديمة ،عثر فيها على الكثير من البرديات التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني. وعنها يقول المؤرخون العرب إنها كانت عند فتح مصر مدينة كبيرة حصينة الأسوار لها أربعة أبواب ولكل باب ثلاثة أبراج، وإنها كانت تحوى الكثير من الكنائس والقصور. وقد ازدهرت في العصر الإسلامي، وكانت تصنع بها أنواع فاخرة من النسيج الموشى بالذهب. وتحتوي مدينة البهنسا على آثار من مختلف العصور التي مر بها التاريخ المصري حيث تشتمل هذه القرية على الآثار الفرعونية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية حتى آثار التاريخ الحديث متواجدة متمثلة في المباني والقصور التي يرجع عمرها إلى أكثر من مائة عام.

كانت هذه البلدة ذات أسوار عالية وحكمها حاكم روماني جبار يسمى البطليموس وكانت له فتاة ذات حسن وجمال، ومن شدة جمالها أطلق عليها بهاء النسا ومن هنا سميت البلدة بـ ” البهنسا ” ومن المعالم التاريخية الموجودة فيها شجـرة مـريم (عليها السلام)، وسميت كذلك لأنه يقال أن مريم العذراء جلست تحتها والمسيح عيسى بن مريم ويوسف النجار (عليهم السلام)، عندما كانوا في رحلة إلى صعيد مصر.

وقد شهدت البهنسا صفحات مجيدة من تاريخ الفتح الإسلامي لمصر ،حيث يُطلق عليها مدينة الشهداء لكثرة من اسُتشهد فيها خلال الفتح الإسلامي ففي عام «22 هجرية» أرسل «عمرو بن العاص» جيشا لفتح الصعيد بقيادة «قيس بن الحارث» وعندما وصل إلي البهنسا، كانت ذات أسوار منيعة وأبواب حصينة، كما أن حاميتها الرومانية قاومت جيش المسلمين بشدة، مما أدي إلي سقوط عدد كبير من الشهداء المسلمين، وهو ما كان سببا في قدسية المدينة داخل نفوس أهلها الذين أطلقوا عليها «مدينة الشهداء» تبركًا والتماسًا للكرامات، وفي البهنسا غربا بجوار مسجد « علي الجمام » تقع جبانة المسلمين التي يوجد فيها وحولها عدد كبير من القباب والأضرحة التي تنسب للصحابة والتابعين والعلماء الذين زاروا المدينة ومقابر (مقامات) لشهداء الجيش الإسلامي الذين شاركوا في فتح مصر واستشهدوا على هذه الأرض خلال حملتهم في فتح الصعيد المصري، ويفخر أهلها اليوم بهذه القرية لاحتواء ترابها على أجساد هؤلاء الشهداء من الصحابة، بل والبدريين منهم (أي من حضروا بدر مع الرسول صلى الله عليه وسلم)، ومن هؤلاء الشهداء :

وقديماً كانت البهنسا مليئة بالكنائس ولكن مع مرور الأيام تلاشت هذه الكنائس ولم يتبق منها سوى جدران خاوية ومن المعالم التاريخية الإسلامية : مسجد القاضي علي الجمام وقد تم بناؤه حديثاً (وليس أثرياً) بجوار ضريح الشيخ علي الجمام وقد صمم وفق الطراز الإسلامي بطابع أندلسي، وتحتوي القرية أيضا على مسجد ومقام الحسن الصالح بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أي حفيد رسول الله محمّد (صلى الله عليه وسلم) وهو يعتبر من أقدم المساجد في القرية بل في مصر فهو أقدم من الأزهر الشريف إذ يزهو عمره على الألف والمائتي سنة (أكثر من 1200 سنة)

 

ومن العلماء الذين خرجوا من البهنسا وتربو على أرضها

الإمام القرافي وهو أحد علماء المالكية الثقات.

 

 

وَفيها أماكن يستجاب فيها الدعاء منها ؛ مجرى الحصى، وَعند مجرى السيل فإن فيهما كَثيِرًا من الشهداء، وَعند قبر زياد بْن أبي سُفْيَان، وَعند مشهد الحسين بْن صالح بْن الحسين بْن على بْن أبي طالب – رَضِىَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ – وَعند قبر عَبْد الرزاق من داخل الباب وَالجبل، وَعند معبد النبي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عند قبور الشهداء بسفح الجبل، وَقبليها مكان يعرف بالمراغة قبلي الجبانة عند قبور الشهداء هناك… وَقد زارها جماعة من الصالحين من أرض العراق، وَأبو على النووى. وَسنذكر أنه كَانَ إذا وَصل إليها ينزع ثيابه وَيتمرغ فِي تربتها وَيقول : يالكِ من بقعة طالما طار غبارك فِي سبيل الله!…. وزارها من كبار الصالحين من أرض المغرب من أقصى الأندلس مشاة على الأقدام، وَشاهدوا من الفضائل العميمة، وَالبركات العظيمة، وَالأمور، وَالبراهين الَّتِي شاهدوها عيانا : فمنهم الأمير عَبْد الله التكروري ” . وبالبَهْنَسَا قبور الشهداء من المجاهدين والصحابة والتابعين واستشهد بها جماعة من المجاهدين زهاء عن خمسة آلاف، وبتربتها من الأمراء والصحابة والتابعين زهاء أربعمائة : ” وَقتل فِي ذَلِكَ اليوم من الْمُسْلِمِينَ زيادة عن أربعمائة ختم الله لهم بالشَّهَادَةِ وَمن عليهم بالسعادة الأعيان منهم ؛ ظاعن بْن فرقد، وَعبد الله بْن سعيد، وَعبد الله بْن حرملة، وَعبد الله بْن النعمان، وَعبد الرزاق الأَنْصَارِيُّ.. وَأيضا قتل عند سوق التجار عشرون، وَدفنوا هناك. وَعند سوق الصوف جماعة كثيرة قريبا من العطارين زيادة عن أربعين،

وَعلى شاطئ البحر اليوسفي عند السور جماعة كثيرون رحمة الله وَرضوانه عليهم أجمعين “. وقد حرص العديد من المماليك أن يدفنوا بجوار قبور الشهداء في البهنسا مثال ذلك الأمير بشتك بك والمسمى الألفي الصغير يقول الجبرتي أنه أوصى اتباعه إذا مات : “.. يحملونه إلى وادي البهنسا ويدفنونه بجوار قبور الشهداء فمات في تلك الليلة وهي ليلة الأربعاء تاسع عشر ذي القعدة فلما مات غسلوه وكفنوه وصلوا عليه وحملوه على بعير وأرسلوه إلى البهنسا ودفنوه هناك بجوار الشهداء وانقضى نحبه فسبحان من له سرمدية البقاء” . وفي المخطوط اجتمع الخيال بالواقع، فأخرجا لنا صورة نادرة عن بحر يوسف، أو البحر اليوسفي الذي تقع مدينة البَهْنَسَا على شاطئه. لم تحل دون وجود روايات وتقارير وصفية “جغرافية” اقتربت من الحقيقة, إلى حد ما خلت من المساحة الأسطورية, وإن لم تخل من الخيال الذي عوض الجهل بالحقائق الجغرافية بطبيعة الحال. وإذا تتبعنا سيرة البحر اليوسفي في المخطوط لوجدنا أن الخيال يسبق الواقع في وجوده لديها, خاصة فيما يتعلق بمنقطة البداية والنشأة والتكوين. تؤرخ الراوية لنشأته على يد النبي يوسف عليه السلام، حين بادر بحفره أو حفره له جبريل الأمين بأمر الله تعالى بعد أن عجز يوسف عليه السلام عن شقه، رغم استعانته بعشرة آلاف عبد، وقيل مائة ألف : ” فأوحى الله إِلَيْهِ : يا يُوسُف. استعنت برجالك وَأموالك وَلم تستعن بي. فوعزتي وَجلالي لو استعنت بي لأجريته لك فِي أقل من طرفة عين !. فخر يُوسُف ساجدا لله عز وَجل، وَهو يَقُول : سبحانك !. ما أَعْظَم شأنك !. وَأعز سلطانك!. ثُمَّ إنه لما أفاق من سجوده نزع أثوابه وَاغتسل، وَلبس المسوح وَخرج إلى البرية، وَخر ساجدًا متضرعًا إلى الله عز وَجل. فأوحى الله إِلَيْهِ : يا يُوسُف ارفع رأسك ؛ فقد قضيت حاجتك. ثُمَّ أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جِبْرِيلُ فشقه بخافقه من جناحه، وَقيل : بطرف ريشة من جناحه من فمه من الجهة القبلية إلى الفيوم فِي أقل من طرفة عين بقدرة الله تعالى، فعمر يُوسُف – عليه السَّلَام – القناطر “. ومن بركته : ” إنه وَمنها إذا انقطع عنه مدد زيادة النيل يتفجر من أصله عيون فتصير نهرا جاريا، وَهذا لا يوجد فِي غيره من الأنهار “.

وفي البهنسا غربًا بجوار مسجد « علي الجمام» تقع جبانة المسلمين التي يوجد فيها وحولها عدد كبير من القباب والأضرحة التي تنسب للصحابة والتابعين والعلماء الذين زاروا المدينة ومقابر (مقامات) لشهداء الجيش الإسلامي الذين شاركوا في فتح مصر واستشهدوا على هذه الأرض خلال حملتهم في فتح الصعيد المصري، ويفخر أهلها اليوم بهذه القرية لاحتواء ترابها على أجساد الشهداء من الصحابة.

تهفو إليها نفوس أهل مصر، ويفرحون بيوم زيارتها لما تضمه بين الثرى من أجساد قُتلت في سبيل نشر الإسلام فوق ارض مصر، وتحكي وثائق هيئة الآثار المصرية، أن مدينة «البهنسا» حظيت بهذا الشرف عندما أرسل إليها القائد عمرو بن العاص جيشاً بقيادة قيس بن الحارث لفتح الصعيد ونشر الإسلام به وكانت مدينة البهنسا تحت حامية رومانية قوية، وعندما وصل جيش الإسلام إلى «البهنسا» وجدها محصنة بأسوار عالية ومنيعة، ودارت المعركة بين المسلمين والحامية الرومانية مما أدى إلى سقوط عدد كبير من شهداء المسلمين الذين استبسلوا مع قائدهم وتم دفنهم في المدينة التي تحتوي على آثار من مختلف العصور التي مرت عليها.

 ويحكي التاريخ أن المسلمين عندما دخلوا المدينة حافظوا على الشجرة والبئر المجاور لها وعلى أثار العائلة المقدسة بالمدينة حيث عاش السيد المسيح وامه العذراء مريم – عليهما السلام – ومعهما يوسف النجار 12 عاماً.

 

من هنا مرت العائلة المقدسة وعاش سيدنا يوسف واستشهد 5 آلاف من الصحابة 

– مدفون بها محمد بن أبي ذر الغفاري وعبدالرحمن بن أبي بكر وعدد من أبناء عمومة رسول الله والصحابية خولة بنت الأزور و70 صحابياً شهدوا غزوة بدر !

 

– السلف الصالح يؤكدون : زيارة البهنسا استجابة للدعاء وخوض في الرحمة

– وخروج من الذنوب وذهاب للهموم وقضاء للحاجات !

– الأهالي يعتقدون أن المبيت في خلوة ” أبي سمرة ” حفيد رسول الله يشفي الأمراض.. و”الدحرجة” عند أضرحة السبع بنات تجلب الرزق !

– ” شجرة مريم ” التى استظلت بها العذراء وابنها المسيح فى أثناء رحلة العائلة المقدسة ما زالت باقية

– مسجد الحسن الصالح من أقدم مساجد مصر  .. وكانت كسوة الكعبة تأتي من البهنسا فى العصر الفاطمى !

– البهنسا في 2016: خارج خريطة السياحة  .. والقباب الأثرية مهددة بالأنهيار .. وتعديات بالجملة علي مقابر الشهداء !

– “بحر يوسف” إذا انقطع عنه مدد النيل تفجرت من أصله عيون فصارت نهراً جارياً .. وهذا لا يوجد بغيره من الأنهار في العالم!

– أهل الصعيد يعتبرونها أرضاً لا تأكل أجساد الموتي .. ومعجزة قبة الدكروري يعجز الكل عن تفسيرها !

 

هنا عاش الفراعنة واسسوا أعظم حضارات العالم ، ثم جاءاليونانيون والرومانيون  ، ومرت عليها رحلة العائلة المقدسة وتشرفت بقدوم سيدنا عيسي عليه السلام وأمه العذراء مريم وفي صحبتهم يوسف النجار ، كما عاش فيها سيدنا يوسف عليه السلام وأخوته ، ولأنها أرض مبروكة كما جاء في القرآن.. زادت قدسيتها بعد فتح مصر عندما استشهد علي ارضها 5 آلاف من كرام الصحابة والتابعين ، من بينهم  70 صحابياً حاربوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في موقعة بدر الكبري ، ولذلك أطلق عليها الكثيرون  ” بقيع مصر ” نسبة إلي أرض البقيع بالمدينة تشبها بكثرة الصحابة المدفونين بها ، كلامنا عن قرية البهنسا التى تبعد عن القاهرة 200 كيلو متر وتقع بمركز بني مزار في محافظة المنيا.. والشرط الوحيد قبل دخول المكان هو أن ” تخلع حذاءك ” .. فأنت في أرض مباركة !. 

 البحر اليوسفى

ترعة بحر يوسف تنسب إلى سيدنا يوسف عليه السلام ، وهي تصل محافظة الفيوم بالماء من نهر النيل ، و تنبع من النيل عند ديروط بمحافظة أسيوط ماراً بمحافظة المنيا و محافظة بني سويف ثم إلى الفيوم ، وتروي كتب التاريخ أن ” بحر يوسف  ” له عجائب كثيرة ، فهو غزير البركة لأنه يفيض حتى يروي ما حوله من القرى والبلدان حتى إذا لم تكن هناك زيادة في مياه النيل ، وإذا انقطع عنه مدد النيل تفجرت من أصله عيون فصارت نهراً جارياً .. وهذا لا يوجد بغيره أبداً من الأنهار في العالم ، ويقال أنه دفن فيه يوسف الصديق عليه السلام وظل جثمانه هناك حتى جاء سيدنا موسى عليه السلام ، كما يروي البعض أن سيدنا جبريل عليه السلام شق هذا البحر بخافقة من جناحه بأمر الله عز وجل لسيدنا يوسف عليه السلام  ، فحسبما تقول كتب الرواة فأنه كان بين سيدنا يوسف عليه السلام وبين عزيز مصر خلاف بعد نهاية السنوات السبع العجاف  ، ولما اجتمعت بنو إسرائيل عند سيدنا يوسف عليه السلام وحسدهم الهكسوس على ذلك  قال ملك مصر: يا يوسف رد علي ملكي ، فاجتمع رأيهم على الفرقة والقسمة ، فقسمت الأرض –أي أرض مصر- فوقع الجانب الغربي ليوسف عليه السلام، وكان قفراً رمالاً وتلالاً، فأراد أن يجري له نهرا من النيل، فجمع له مائة ألف عبد ودفع لهم الكثير وأمرهم بأن يحفروا من الجهة القبلية .. فحفروا 3 سنين ، فكان كلما جاء الليل ينسد ما حفروه ، ففعل من الجهة الشرقية واستمر الحال ، فأوحى الله إليه ” يا يوسف قد استعنت برجالك ومالك، ولم يستعن بي ، وعزتي وجلالي لو استعنت بي لحفرته لك في أقل من طرفة عين ” فخر ساجداً لله تعالى وهو يقول: سبحانك ما أعظم شأنك وأعز سلطانك، ثم قام من سجوده ونزع أثوابه واغتسل ولبس المسوح وخرج إلي الربوة وخر ساجداً متضرعاً إلى الله تعالى ، فأوحى الله إليه أن أرفع رأسك فقد قضيت حاجتك، ثم أمر الله سبحانه وتعالى جبريل عليه السلام فخرقه بخاطفه من جناحه، وقال بعضهم بطرفة ريشة من جناحه من فمه من الجهة القبلية إلى آخر الفيوم في أقل من طرفة عين بقدرة الله تعالى .

شجرة السيدة مريم

قال الله تعالى في سورة المؤمنون ” وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ” صدق الله العظيم ،  وأجمع كثير من المفسرين أنها البهنسا ومنهم المسعودي وأبو جعفر الطبراني والواقدي وابن إسحاق وابن هشام وأصحاب السير وأهل التفسير مثل سعيد بن جبير وسعيد ابن المسيب وابن عباس ، وتوجد بالقرية مزار شجرة مريم عليها السلام ، وهى شجرة استظلت بظلها السيدة مريم فى أثناء رحلة العائلة المقدسة، ذكر الواقدي في كتاب فتوح الشام أن المسلمين حينما دخلوا البهنسا وكانت الشجرة والبئر علي حالهما حافظ عليهما المسلمون وشربوا من البئر تبركا به فهو بئر كان يشرب منه نبي الله المسيح عيسي بن مريم واستظلوا بالشجرة كذلك وحافظوا عليها وراعوها وراعوا البئر وقيل إنهم عمقوه وحافظوا علي آثار العائلة المقدسة بالبهنسا  .

يوجد بها أقدم المساجد التى أنشأت فى مصر

فى قلب البهنسا فى أوقات الصلاة يتزاحم المصلون على أبواب مسجد الحسن الصالح بن على بن زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. هذا المسجد العامر يعد من أقدم المساجد التى أنشأت فى مصر،  عندما تدخل المسجد تشعر ان عجلة الزمن دارت للوراء لأكثر من ألف عام، حيث العمارة الإسلامية القديمة والأعمدة المثيرة للدهشة والتى تضم زخارف وتيجان فى غاية الروعة، هذا المسجد ترجع نشأته للعصر العباسى وتحديدا عام 323 هجرية وتم تجديده فى العصر الفاطمى، بعض الروايات الغربية تؤكد أن هذا المسجد بنى على أنقاض كنيسة قديمة تدل على ذلك الأعمدة التى يقام عليها المسجد .. لكن سلامة زهران ينفى هذه الرواية ويؤكد ان دراسات وأبحاث عديدة نفت صدق هذه الرواية كما أن الأقباط كانوا من اوائل الناس الذين دعموا الفتح الإسلامى ليتخلصوا من الإضطهاد الرومانى ، وبخلاف أضرحة أمراء الصحابة والتابعين .. توجد مأذنة مملوكية وموقعان لحفائر إسلامية وتلال أثرية 

يوجد بها اضرحة تخص الصحابة البدريين

فى هذا المكان يوجد ضريح سيدنا الحسن الصالح وعبيد بن عبادة ابن الصامت والأمير زياد وأضرحة عديدة تخص الصحابة البدريين ممن شاركوا الرسول عليه الصلاة والسلام فى موقعة بدر الكبرى.. أحد حراس المقام استوقفنا مصرا على أن نخلع أحذيتنا قبل الدخول حيث قد روى هذا الثرى المبارك بدماء الشهداء الأبرار.. فهي أرض كما يعتقد كل أهلها لا تأكل أجساد المدفونين تحت ترابها ، ويذكر الشيخ أحمد الدكرورى أحد أهالى البهنسا وأحد شيوخ الطريقة البيومية، أن تراب البهنسا الطاهر يشجع سكان القري المجاورة بالصعيد لدفن موتاهم فيها وهناك من يوصى بان يدفن بجوار شهداء الصحابة بالبهنسا، أيضا البلد فيها طرق صوفية عديدة منها الطريقة البيومية وهى أشهر الطرق ثم الطريقة الرفاعية والموالد وجلسات الذكر تعد شيئا معتادا فى البهنسا فهناك من يقوم بعمل جلسة ذكر فى مناسبات الأفراح والطهور والموالد والعقيقة وغيرها،  ومن أهم الموالد فى القرية مولد سيدى محمد أبو العودين نسبة لصحابى جليل حارب مع الرسول فى فتح الحديبيبة ، وسمى بالعودين لأنه كان يحارب بذراعيه الإثنين، أما أشهر المقامات التى تتمتع بقدسية فى البهنسا مقام سيدى على الجمام قاضى القضاة .

 

ففي عام «22 هجرية» أرسل «عمرو بن العاص» جيشا لفتح الصعيد بقيادة «قيس بن الحارث» وعندما وصل إلى البهنسا، كانت ذات أسوار منيعة وأبواب حصينة، كما أن حاميتها الرومانية قاومت جيش المسلمين بشدة، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء في صفوف المسلمين، وهو ما كان سببا في قدسية المدينة داخل نفوس أهلها الذين أطلقوا عليها ” مدينة الشهداء” تبركا والتماسًا للكرامات

دفنت بها الصحابية الجليلة خولة بنت الأوزر

دفنت هنا الصحابية الجليلة الفارسة الشجاعة التي كان لها صولات وجولات في معركة أجنادين خولة بنت الأزور ومقام وخلوة أبى سمرة حفيد الحسين بن على بن أبى طالب والذي يعتقد الناس أن من يبيت فيها وهو مريض شفى بإذن الله، ومدفون بها 70 صحابيًا ممن شهدوا غزوة بدر ويطلق عليهم في التاريخ “البدريون”.

 

وقيل الحسن بن صالح: لم اخترت هذه البلدة على غيرها. فقال: كيف لا آوي إلى بلد أوى إليها روح الله وكلمته “عيسى” وينزل على جبانتها كل يوم ألفرحمة ؟

واختم حديثى عن مدينة الشهداء بهذة الابيات الزجلية من قصيدة مطولة لى عن البهنسا وتاريخها وهى صفحة من صفحات كتابى الذى اعد لاصدارة الذى بعنوان ( خير الكلام فى ذكر أهل البهنسا العظام ) وهو عبارة عن مجموعة قصائد ومجموعة حكايات مروية على لسان اهالى قرية البهنسا الكبار

 

البهنسا ارض الفتوحات

شعر : محمد عبد القوى حسن

فى البهنسا ارض الفتوحات

الرب سبحانة نصــــــــرهم

اسود عظام ليهم بطولات

وربنا تولى امــــــــــــرهم

خاضو الحروب شقوا الدروب

ليهم تاريخ  كلة امجاد

نسمع تاريخهم نستعجب

ناخد عظة وليهم نشكر

امجاد عظيمة فتوحات مهيبة

بطولات ونصر ومجد وهيبة

رجال ونعم الله فيهم

حاضرنا عايش فى ماضيهم

تاريخنا كتبوه بدماهم

سبحانة ربنا أوحاهم

من شر حاسد نجاهم

واللى بدمة ضحى ومات

دخلها من اوسع جنات

ف البهنسا ارض الفتوحات

اسيادنا واسياد اهالينا

نشروا العطر هنا حوالينا

فى رملة البهنسا الطاهرة

هنا مدفونين احلى مافينا

ذكراهم العظرة السمحة

نشيلها جوة ف عنينا

دايماهنا ليكوا مفتكرين

وليكوا دايما هنا ذاكرين

ولا مرة ابدا ننساكم

طيب اللة ثراكم

نتمنى اننا نلقاكم

نتمنى نمشى على خطاكم

ياطيبين انتم رجالات

من خير سكان الجنات

على يدكم جاتنا الفتوحات

واحنا بنحكى ف سيرتكم

ونحكى دايما امجادكم

فى البهنسا ارض الفتوحات

.المراجع وكيبيديا .. موقع محافظة المنيا

 

 

 

تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

2 Replies to “البهنسا .. مدينة الشهداء وبقيع مصر”

  1. جزيل الشكر للشاكر المحترم والكاتب محمد عبد القوى عل مجهوداته المختلفه وخاصة تسليط الضوء على مدينة طاهرة وهي البهنسا…وعل قيمتها و قامتها التاريخية والدينية عند المسالمين والمسيحيين على حد سواء..

  2. اشكر حضرتك واشكر متابعتك الجيدة وان شاء الله هناك سلسلة من المقالات عن مدينتنا العريقة التى لم تأخذ حظها من تسليط الضوء عليها لما لها من منزلة عظيمة فى قلوب المصريين .. خالص تحياتى واحتراماتى لحضرتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

وفاة الشاعر العراقي عريان خلف إثر أزمة قلبية

وفاة الشاعر العراقي عريان خلف إثر أزمة قلبية  توفي، الشاعر العراقي الشعبي”عريان السي…