“الاستثناء في الإسلام”نظاما وليس مجرد دين

الجامع الازهر الشريف تصوير اشرف السعدني

“الاستثناء في الإسلام”نظاما وليس مجرد دين

بدا عالم ما بعد الثورات العربية أنه تحقيق لهذه التوقعات بقرب الحرب العامة على المسلمين، بل لقد كتب جورج فريدمان في 13 يناير 2015 أن الحرب قد بدأت بين عالم الإسلام وعالم المسيحية، وأن عالم المسيحية مضطر لأن يقاتل الجميع طالما أنه لم يخترع جهازا بعد يمكن أن يفرق بين المسلم الإرهابي وغير الإرهابي!

ولا تزال البيئة الأكاديمية الغربية تكرر فكرة أن المشكلة الرئيسية في كون الإسلام نظاما وليس مجرد دين، فهذا هو “الاستثناء الإسلامي” الذي قدمه شادي حميد، ولهذا فإن محاولة إنشاء دولة إسلامية في النظام الدولي العلماني المعاصر هي محاولة لإنشاء “الدولة المستحيلة” كما قدمها وائل حلاق.

فمع سقوط الشيوعية وضع فرانسيس فوكوياما يضع قسمته للعالم إلى قسمين: “عالم ما بعد التاريخ” الذي يسكنه “إنسان ما بعد التاريخ”، و”عالم التاريخ” الذي يسكنه “إنسان التاريخ”، ووضع فوكوياما حدودا صارمة تضمن أن يتمتع إنسان ما بعد التاريخ بثروات إنسان ما قبل التاريخ دون أن يستطيع هذا الأخير مضايقة الأول في أرضه أو تهديده بسلاح ما، وأعلن أنه يجب التعامل بالقوة مع عالم وإنسان التاريخ.

لكن تصدى هنتنجتون للرد عليه في “صدام الحضارات” فدعاه لأن يكون واقعيا وعقلانيا وأن يبصر أن العالم ينقسم إلى حضارات، كل قوم يعكفون على هويتهم التي تميزهم وينفخون فيها الروح والحياة ويتمسكون بها وينسجون حولها أحلامهم وآمالهم، ومن ثم فيجب علينا أن نحدد من نحن لنحدد من الذين ينبغي أن نكرههم ونعاديهم ونحاربهم!

وبالرغم ما بين الرجلين من اختلاف وتناقض إلا أنهما يتفقان أن العقبة الرئيسية التي تواجه الغرب هي الحضارة الإسلامية التي تبدي تصلبا كبيرا أمام التغرب كما أنها تهيمن على مركز الجغرافيا العالمية وأهم الموارد الاقتصادية وبالتالي فالحرب معها محسومة.

وهناك السؤالٌ القديم الجديد، سؤالٌ كان له جواب في السابق لكنه لم يعد كذلك.

الإسلام دين فريد في مدى ارتباطه بالسياسة، وهذه الفرادة يمكن إرجاعها إلى لحظة تأسيس الدين في القرن السابع الميلادي. الإسلام دين مختلف، وهذا الاختلاف له آثار عميقة على مستقبل الشرق الأوسط، وبالتالي، على العالم الذي نعيش فيه جميعًا، سواء كنا أمريكان أو فرنسيين أو بريطانيين، أو أي شيء آخر.

القول بأنَّ الإسلام، كعقيدة ولاهوت وممارسة،يعني شيئًا لا تعنيه به الأديان الأخرى هو زعمٌ مثير للجدل، حتى أنّه مثير للقلق، لا سيما في سياق تصاعد التعصّب الأعمى المعادي للمسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا. كمسلم أمريكي، فالأمر شخصي بالنسبة لي: تعليقات دونالد ترامب الخطيرة عن الإسلام والمسلمين تجعلني أخاف على بلدي. ولكنَّ «الاستثنائية الإسلامية» ليست جيّدة ولا هي سيئة. إنها استثنائية فحسب.

وبسبب هذه الاستثنائيّة، تُعدّ إعادة الشرق الأوسط للنموذج الغربيّ -أي نموذج الإصلاح المتبوع بتنويرٍ يُقحم الدين بداخله في المجال الخاص- إعادة غير محتملة. فالقول إنّ الإسلام، هذا الدين المختلف تمامًا مع أسس وجذور مختلفة، يجب أن يتبع مسارًا مماثلًا للمسيحية هو افتراض غريب في حد ذاته. نحن لسنا متشابهين، ولكنَّ الأهمّ من ذلك، لماذا يجب أن نكون كذلك؟.

وهذه الفكرة قديمة تكررت في كتابات المستشرقين، وبغض النظر عن أهداف قائليها فإن التوظيف العملي المعاصر يفضي إلى التعامل مع الإسلام والمسلمين تعاملا عدائيا كتهديد حضاري خطير.

وقد تفاعلت عوامل متعددة مثل الثورات العربية ونتائجها التي أبرزت التيارات الإسلامية (السياسية في التجارب السلمية، والجهادية في التجارب العسكرية)، وصعود الاتجاهات اليمينية والمتطرفة في أمريكا وأوروبا والهند والصين، لتجعل عالم ما بعد الثورات العربية عالما ساخنا يمور بالاضطراب والحركة والتغيرات اليومية.

وفي هذا الإطار يبدو عام 2019 وكأنه سيشهد واحدة من أكبر موجات التغيير الحاسمة في العالم الإسلامي، وهو الأمر الذي حاولت هذه الورقة تقديم تصور عام له، لا يستهدف التحليل والاستشراف بقدر ما يستهدف تقديم الرؤية العامة ووضع المشاهد إلى جوار بعضها لتبدو خريطة العالم الإسلامي متصلة كجسد واحد كما هي في الحقيقة لا كما تجبرنا الدراسات الجزئية المتخصصة على تقطيعها وتجزئتها.

تابع المزيد

ترامب وبوتين: تكريس إسرائيل شرطيّاً للمشرق

عرب فلسطين يصرون على عدم الاعتراف بشرعية الكيان الصهيونى

«النواب الأمريكي» يوافق على إنهاء دعم التحالف العربي باليمن

اليمن.. عام آخر من الحرب

 

اجزء من كتاب “شادي حميد زميل رفيع بمركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز” الذي صدر حديثا بعنوان: “الاستثناء الإسلامي”

 

 

اكتب تعليقك
تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.