‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

الأموال الساخنة «خادعة وغدّارة»

الأموال الساخنة «خادعة وغدّارة»

  • لا يمكن الوثوق بها والارتكان عليها فهي لا تعرف إلا المكاسب السريعة وقنص الفرص.
  • الأموال الساخنة خطر فاجتنبوه ورهان الحكومات عليها لتنمية حقيقية وبناء اقتصادات قوية رهان خادع.
  • الاستثمار الحقيقي يتطلب استقراراً سياسيا حقيقيا وفساد أقل وشفافية أكثر وقطاع مصرفي قوي ونظيف.

 

بقلم: مصطفى عبد السلام

طالما حذرت من الأموال الساخنة التي يستثمرها الأجانب داخل بلداننا، خاصة في الأدوات المالية التي تحقق أرباحا مرتفعة وشبه مضمونة أيضاً مثل أدوات الدين الحكومي كالسندات وأذون الخزانة، أو في البورصات وأسواق المال والأسهم، فهذه الأموال “غدارة” ولا يمكن الوثوق بها والارتكان عليها، ولا تعرف إلا المكاسب السريعة وقنص الفرص.

وقد تغادر هذه الأموال البلد التي تستثمر بها سريعا وفي أي لحظة، أما بحثاً عن أرباح وعائدات وأسعار فائدة أعلى وأسرع وأضمن، أو بسبب ظهور أزمات ومخاطر في الدولة حتى ولو كانت هذه الأزمات طارئة ويمكن للاقتصاد استيعابها.

حادث إرهابي مثلا، غموض سياسي أو خلاف بين دوائر الحكم، قرار حكومي برفع الأسعار، خسارة قطاع اقتصادي خاصة الحساسة منها كالسياحة، ارتفاع في كلفة الإنتاج والسلع الأساسية، قفزة في معدلات التضخم.

وبالتالي لا يجب أن تراهن الحكومات العربية على الأموال الساخنة في الاستقرار داخل الاقتصاد الوطني، أو تحول هذه الأموال لاستثمارات مباشرة تؤسس مشروعات إنتاجية وتوفر فرص عمل حقيقية وتساهم في الحد من البطالة داخل المجتمع الذي تتواجد به.

والأرقام التي كشفتها وزارة المالية المصرية يوم الخميس أكبر دليل. فحسب الارقام فإن مصر خرجت منها 9.1 مليارات دولار أموالا ساخنة خلال الستة شهور الأخيرة.

فاستثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي هبطت إلى 14 مليار دولار فقط بنهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، مقابل 23.1 مليار دولار بنهاية مارس/ آذار 2018، وهو ما خلق ضغوطا شديدة على الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي وعلى سعر الصرف الأجنبي.

وتكرر الموقف وبدرجة أعنف في تركيا، حيث هربت مليارات الدولارات من البلاد قبل شهرين عقب الحرب الاقتصادية التي قادها دونالد ترامب ضد الاقتصاد التركي وعملته الوطنية وحكومة أردوغان، ورغم عدم وقوع حدث خطير يتعلق بمؤشرات الاقتصاد التركي مثل انهيار الصادرات والسياحة والاستثمارات الأجنبية مثلا، إلا أن استثمارات الأجانب هربت لتلحق الأذى الشديد بالليرة التي فقدت أكثر من 60% من قيمتها خلال العام الجاري 2018.

كما تكرر الأمر في إيران التي تهاوت عملتها الريال خاصة عقب إعلان أميركا فرض عقوبات على البلاد، كما تكرر الأمر مع الأرجنتين التي رفعت سعر الفائدة إلى 60% نهاية شهر أغسطس الماضي لتحد من هروب الأموال الساخنة، وتعالج أزمة تهاوي عملتها البيزو، وتمتص اضطرابات سوق الصرف العنيفة.

وكذلك فعلت في فنزويلا وسورينام، كما تكرر السيناريو، وإن بدرجة أقل في عدد من الأسواق الناشئة منها الهند وروسيا وجنوب أفريقيا والبرازيل وأندنيسيا وفيتنام.

وبحسب الأرقام، فإن إجمالي حجم الأموال الخارجة من بورصات الأسواق الناشئة بلغ 60.34 مليار دولار منذ بداية العام الجاري 2018، وفي المقابل فإن صافي ما اجتذبته بورصات الأسواق المتقدمة 76.58 مليار دولار.

الأموال الساخنة خطر فاجتنبوه، ورهان الحكومات على هذه الأموال في إحداث تنمية حقيقية، وبناء اقتصادات وطنية قوية، هو رهان خادع!

الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الاستثمارات المحلية ونظيرتها الأجنبية المباشرة خاصة تلك التي تمثل قيمة مضافة للاقتصاد، وتتوجه لإقامة مشروعات حقيقة تعمل في أنشطة انتاجية وخدمية، وتساهم في الحد من البطالة، وزيادة إيرادات الدولة من النقد الأجنبي.

وهذا الأمر يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً حقيقيا لا مفتعلاً، فساد وبيروقراطية أقل، شفافية أكبر، قطاع مالي ومصرفي قوي ونظيف ولا تستنزف الحكومة معظم قروضه، قوانين تحمي حقوق المستثمرين في مواجهة تعسف الحكومة.

  • مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر: «العربي الجديد»

المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع ولكنها تعبر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *