‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

الأكاذيب اللاهوتية الصهيونية

الأكاذيب اللاهوتية الصهيونية

كما تدعى الأكاذيب اللاهوتية الصهيونية فإن استمرار الوجود الإنسانى منذ أن قرره الإله مرتبط باستمرار العهد الإلهى لبنى إسرائيل فى مستقبل محكوم بملك يهودى مقدس لا يحق مناقشته ولا ريب فيه ، لامتناهى ولا نهاية له ولا آخر فى حكمه الإزلى غير القابل للفناء بالنسبة لجميع الموجودات بعد التمكن فهو مطلق غير مشروط إلا بعودته وإقامته للمملكة العبرية التى تحدد وجوده الثابت المستقل والجازم القاطع القائم بذاته المطلقة ، والذى لا يرتهن بأى آخر فتتمثل حقيقته الأبدية فى تسلط مملكته بيهوديتها على المصير الإلهى والكونى والبشرى والذى لا وجود لهم إلا بهذا الملك اليهودى بهويته الخالصة الموسومة بالنقاء المزعوم تحقيقا لهذا العهد الإلهى الأبدى.

” يدور الفكر الصهيونى حول فكرة العهد هذه ، فأحقية اليهود فى أرض فلسطين حسب تصورهم مسألة لا تقبل النقاش بسبب هذا العهد الأبدى ، ويرى الصهاينة الدينيون أن العهد حقيقة تاريخية، ومن ثم فإنهم يرون أن مصدر المطلقية هو الإله ، أما بن جوريون فكان يرى ” أن أعضاء جماعة يسرائيل هم الذين اختاروا الرب إلهاً لأنفسهم وبدونهم فلن يكون إلهاً ” (1) وفكرة الاختيار هذه التى يشير بن جوريون إليها هى التى يدور عليها الفكر العنصرى الإسرائيلى منذ بدايته الأولية ، عندما أعلن الإله عهده لإبرام ” فإذا تنور دخان ومصباح يجوز بين تلك القطع ، فى ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً قائلاً : لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات (تكوين15 :7-18 ) ، فأمام إبرام أدى الإله الطقوس بكل دقة والتزام، “واستجاب للتقاليد الشرعية التى كان يتقبلها قانون العبرانيين القدماء للتصديق على العهد (2 ) وبين طرفين لا يبدوان متساويين فإبرام لم يؤدى هذه الطقوس أمام الرب وإنما أدها الإله أمامه ، وذبح الضحية ثم أن تقطيعها إلى أجزاء ترمز إلى الجزاء الذى سيحل بالشخص الذى يخون العهد أو يحنث باليمين ويصير مصير هذا الشخص كمصير الحيوان هو القتل (3 ) وليس القتل فحسب ولكن تمثيلا بالتقطيع ، هكذا أعطى الإله العهد على نفسه وألزم نفسه وحده بالمرور بين الذبيحة وبالتالى أوقع على نفسه العقاب إذا حنث هو بالعهد ، وأصبح هو الطرف غير الموثوق فيه ، وأصبح إبرام فى موقع يفوق موقع الرب ، ودون أدنى إلتزام عليه أو بمعنى آخر كما يقول بن جوريون ” بدونهم فلن يكون هناك إلهاً” ، ولن يكون هناك عهد أو ميثاق ، وبالتالى فإن حتمية وجودهم هى الضرورة الوجودية للعهد وللإله والأرض.

 

اقرأ/ي أيضا: هل يصبح الخليج بديلا عن مصر؟

هكذا تصير العناصر الثلاثة الإله/ الشعب/ الأرض ميثاقاً أبدياً قطعياً ذات طبيعة لاهوتية ، تُدرك من خلاله الدعاوى العنصرية الإسرائيلية التى يرتفع فيها قدر الشعب فوق قدر الإله ، وعليه فمن يقدر على حساب شعب تفوق على الإله وحل بدلاً منه فى العالم وأصبح يحدد مصير البشرية !! ولا عجب من ذلك فقد صورت التوراة الرب على هيئة إنسان وجعلت الإنسان على هيئته ، وخلعت على الرب صفات إنسانية محببة إلى النفس البشرية ، فقد طرد الرب آدم وحواء وفقاً لقصة التوراة لا لمجرد مخالفتهما للمحظور الذى حذرهما منه الرب ، ولكن لأنهما سلباه صفة كان يود أن يستبقيها لنفسه دون البشر وهى معرفة الخير والشر ، ومن ثم فقد أسرع الرب وطردهما من الجنة قبل أن يتمكنا من أن يسلباه صفات إلهية أخرى وبصفة خاصة صفة الخلود ، وذلك إذا ما تهورا وأكلا من الشجرة الثانية المحرمة وهى شجرة الحياة ، ولكن الذى يفصح عنه النص أن هذه الصفة قد اكتسبوها رغماً عن أنف الإله فقد رأوا وجهه ولم يموتوا ، وأكلا من الشجرة ولم يموتا ثم يعطيهم الرب عهداً أبدياً بعد أن صار الأجداد من الآلهة ” وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا ” بل وقد عمل الإنسان على صورته ، ” سأسفك دم الإنسان ، بالإنسان يسفك دمه لأن الرب الإله على صورته عمل الإنسان (تكوين 9 : 5/6) هكذا انحدر الشعب المختار من الإله وحلت فيه الإلوهية التى ورثها هو ، ليخلص الميثاق الأبدى ، بين الإله وبين كل نفس حية فى كل جسد على الأرض (تكوين 9 : 16) ، إلى الحفاظ على شعبه المختار وحده بعد أن لعن كنعان وجعله عبد العبيد لإخوته ، فقال : مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم (تكوين 9 :20- 27).

وهكذا أصبح سفك الدماء طبقاً للشريعة خصيصة ورثها الشعب المختار من أجداده ولازمة وجودية لبقائة وتكتسب منها العقيدة العنصرية الإسرائيلية شرعيتها الدموية وتتشكل منها الخلفية الدافعية التى تقف خلف هذه العقيدة وسلطتها وشعائرها ، وهى تصبح بذلك أحد العناصر الأولية المشكلة لبنى الميثاق الأبدى الذى اكتسب سلطة الإله وتفوق عليه وأدى الرب طقوس العهد أمامه وحده ، وأصبح بذلك السلطة الدينية التى تتحقق فيها صفات الوجود (من وجهة النظر اليهودية) والتى بنيت على الانتقاء والاختيار بين المخلوقات والشعائر والتصرفات والتزم الإله أن يعتنى بهذه الأرض التى وعد بها إبراهيم ” الأرض التى أنتم عابرون إليها لكى تمتلكوها أرض جبال وبقاع من مطر السماء تشرب ماء ، أرض يعتنى بها الرب إلهك ، عينا الرب إلهك عليها دائماً من أول السنة إلى آخرها ” ( تثنية 11 : 12) ” ، أحفظوا كل الوصايا التى أنا أوصيتكم بها اليوم كى تنشدوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التى أنتم عابرون إليها لتمتلكوها ولكى تطيلوا الأيام على الأرض التى أقسم الرب لآبائك أن يعطيها لهم ولنسلهم أرض تفيض لبناً وعسلاً ” ( تثنية 11 : 8- 9) ويكون الرب لها سور نار من حولها ومجداً فى وسطها ” والرب يرث يهوذا نصيبه فى الأرض المقدسة ويختار أورشاليم بعد “( زكريا 2 : 5-12) ” ويقوم فى الأرض البهية وهى بالتمام بيده” ( دانيال 11 : 16).

 

اقرأ/ي أيضا: كيف ظهرت «صفقة القرن»؟

 

هكذا الأرض بالعهد الإلهى تقع تحت الامتلاك والسيطرة والتشدد ويرث الشعب المختار نصيب الرب فيها، فهو الوريث الشرعى الذى يلتزم الإله أمامه فى هذه الأرض المقدسة البهية التى امتلكها الإله بالتمام ، وأعطاها لورثته الذين عليهم أن يتشددوا ويسيطروا ويمتلكوها إلى الأبد كخصائص بنائية للميثاق الأبدى ، وطبقاً لهذا العهد الإلهى يلتقى الإله بشعبه المختار كاملاً بعد حفلة العهد التى أقامها موسى وقص على جموع الشعب جميع كلام الرب وجميع الأحكام “فأجابه جميع الشعب بصوت واحد وقالوا: جميع ما تكلم به الرب نعمل به، فكتب موسى جميع كلام الرب وبكر فى الغداة وبنى مذبحاً فى أسفل الجبل ونصب إثنى عشر نصباً لإثنى عشر سبط إسرائيل، وبعث فتيان بنى إسرائيل فأصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة من العجول للرب فأخذ موسى نصف الدم وجعله فى طسوت ورش النصف الآخر على المذبح ، وأخذ كتاب العهد فتلا على مسامع الشعب ، فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعله ونأتمر به، فأخذ موسى الدم ورشه على الشعب وقال هو ذا دم العهد الذى عاهدكم الرب عليه فى جميع هذه الأقوال ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شية صنعة من بلاط سمنجونى وشئ أشبه بالسماء فى النقاء ، فعلى مختارى بنى إسرائيل لم يمدد يده فرأوا الإله وأكلوا وشربوا فتشارك الرب الإله والشعب فى الدم واللحم والرؤيا وأصبح المصير واحد ، وتآخوا فى العهد الواجب الاحترام منهما.

هكذا توحد الإله فى الشعب وتوحدا معاً فى الأرض ومن هذا التوحد، كخصيصة بنائية للميثاق الأبدى، تنطلق الدعاوى العنصرية الإسرائيلية من إلوهيته وأبديته وقطعيته وإكثار نسله المقدس ، الذى سيكثر حتى نزول الماشيح فى آخر الأيام، ويصبح التملك والسيطرة والتشدد قوانين أبدية قطعية، تصنع القداسة وتبرر غزو الأرض والأعمال الهمجية الدموية ضد السكان ويرى إلبرت دوبورى أن أكثرية المفسرين اعتبروا الوعد الأبوى فى صورته التقليدية مجرد تبرير لما وقع فى الغزو الإسرائيلى لفلسطين أو بصورة أوضح لاتساع السيادة أو الهيمنة الإسرائيلية أيام حكم داود وبتعبير آخر فإن العهد الذى أدخل فى القصص البطريركية تم بغية أن تجعل “ملحمة الأجداد” مقدمة وإعلانا عن العهد الذهبى أيام داود وسليمان لإعادة مملكة داود وسليمان المزعومة إلى الوجود مرة أخرى.

 

اقرأ/ي أيضا: إشكالية الاجتثاث في السياسات العربية

المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع ولكنها تعبر عن آراء أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *