الأفكار المخالطة للواقع

الأفكار المخالطة للواقع

  • الأفكار تختبر في ميدان الواقع وهناك فقط تتحول إلى أدوات للارتقاء بالبشرية
  • الفكرة تبقى جوفاء حتى يمسها الواقع بتعقيداته وصعوباته فتدب فيها الحياة وحين تنضج تكون قادرة على التفاعل مع محيطها.

 

بقلم: ماجد الأنصاري

في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”. رواه الترمذي وابن ماجه.

هذا الحديث له دلالات مهمة نحو فهم الطبيعة البشرية والتعامل معها، يقرر الحديث أن الانعزال والنأي بالنفس عن إكراهات التفاعل البشري لا يؤدي إلى الخيرية بل على العكس، الانغماس في هذا التفاعل هو الذي يقودك إليها.

كما يقرر الحديث أن هناك أذىً متوقعاً من التفاعل الإنساني، أي أنه لا يمكن افتراض حالة طوبائية يكون فيها التفاعل الإنساني إيجابياً بالمطلق ولكن الانعزال ليس حلاً ولن يؤدي إلى ما فيه خير البشرية.

 

اقرأ/ي أيضا: هل زيارة البابا للإمارات هي استمرار لأساسيات وسياسات الحروب الصليبية الغربية

 

أستحضر هذا الحديث في إطار عالم الأفكار، الأفكار كذلك من الممكن أن تنشأ في العالم الانعزالي الهادئ ما يوفر لأصحابها فرصة لتشكيل هذه الأفكار بعيداً عن إكراهات الواقع ولكنها في تلك الحالة تكون عبارة عن تنظير أجوف.

الأفكار تختبر في ميدان الواقع وهناك فقط تتحول إلى أدوات للارتقاء بالبشرية، بمعنى آخر، الفكرة تبقى جسداً أجوف حتى يمسها الواقع بتعقيداته وصعوباته فتدب فيها الحياة، لذلك تجد الكثير من الأفكار التي تبقى لفترات طويلة من الزمن تأسر هواة التنظير حينما تتعرض للواقع يتم إما تجاوزها أو إعادة إنتاجها.

ولنا عبرة في الفكرة الماركسية مثلاً، فما طرحه ماركس وإنجلز في “البيان الشيوعي” أصيب بالشلل أمام الواقع ما حدا بلينين إلى تطويع الفكرة وتحويلها لصورة مخالفة لأصلها حتى تتحول لممارسة سياسية.

 

اقرأ/ي أيضا: تعريف الطائفية والزعماء الطائفيين

 

الأفكار التي لا تتعرض لاختبار الواقع يكون أحياناً ضررها أكثر من نفعها، لأن للأفكار بريقها حين تكون مختلفة وحين تتحدى ما هو قائم وتتمرد على قيود المجتمع وواقعه مما يجذب إليها الكثيرين.

لكن دون وجود تفاهم بين الفكرة والواقع قد نجد الأفكار تدور بأصحابها في حلقة مفرغة بل قد تقود إلى حالة من الانفصال التام عن المحيط، فيصبح السخط على الواقع والكفر بالمجتمع والإحباط هو سمة المرتبط بهذه الأفكار.

هذا لا يعني أن على الأفكار أن تتقيد بقيود ما هو موجود فقط، على العكس تماماً، يجب أن يكون التفكير حرًا من القيود، قادرًا على تجاوز الواقع ولكن الفكرة حين تنضج لا بد أن تكون قادرة على التفاعل مع محيطها.

 

اقرأ/ي أيضا: “برج العرب” فضائح ومشاهد وأسرار ورموز خفية في رؤوس أسياد جزيرة العرب والأعراب!

 

وأن تقود أصحابها إلى طريق واضح لمخالطة هذا المحيط، تماماً كما يحدث مع الاختراعات الجديدة، هناك مئات الآلاف من الاختراعات التي تسجل براءاتها سنوياً ولكن القليل منها هو ما يصل إلينا، لماذا؟

لأن الاختراع يحتاج أن ينطلق من حاجة واقعية وقدرة على التطبيق وإلا لن يستخدمه أحد، والفكرة هي بحاجة لأن تنطلق من حاجة معرفية أو واقعية وأن تكون الفكرة قابلة للتوظيف في الواقع الحالي أو على الأقل في واقع ما متصور.

وهنا نشير إلى الفرق بين المدرستين الواقعية والمثالية في العلوم الاجتماعية، بتبسيط مخل، المدرسة الواقعية تنطلق مما هو قائم والمثالية تنطلق مما ينبغي أن يكون.

لكن هناك مساحة في الوسط هي تلك التي تطمح نحو ما ينبغي أن يكون مع إدراك للواقع، وفي تلك المساحة تظهر الأفكار المخالطة للواقع، هي التي تتحدى الواقع دون أن تغفله.

 

اقرأ/ي أيضا: وزيرة التربية الجزائرية تقود حملة صليبية في المدارس

 

الفكرة هي أساس التطور البشري، القدرة على النظر في الواقع وفهمه ثم تصور واقع مختلف ممكن هو ما يجعل لهذه الحياة معنى، ولذلك فالفكرة لا بد أن تعيش بين الناس لا في معزل عنهم، أن تقبل التجربة والخطأ وأن تكون مرنة أمام صلابة الواقع.

أما الفكرة التي تتعالى على واقعها ويعتبر صاحبها أنها في غير حاجة لأن تختبر واقعياً، فهي زينة جيدة لرفوف المكتبات ومادة مشوقة لمحاضرات النخبة ولكنها لن تكون يوماً علامة فارقة في تاريخ البشرية.

 

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر

المصدر: الشرق – الدوحة

اكتب تعليقك