أولوية العمل على النظر

أولوية العمل على النظر

  • يسبق العمل النظر في مواقف الخطر، وتهديد الوجود والبقاء.
  • المنزل يحترق، فمن يطفئ النار؟ والوجود مهدد فمن يصارع من أجل البقاء؟
  • من يحمي الدار ويذبُّ عن الحياض؟ ما دور الفيلسوف والمفكر والمثقف؟ أيقبع في فلسفته يعلِّمها صنعةً لجيل قادم من الحرفيين؟
  • يسهل الكلام ويصعب الفعل ويهيمن الصمت إذا ما توقف الفعل. إن معظم كلامنا تعويض نفسي، وإبراء للذمة، وتخفيف من عذاب الضمير.
  • أين الفعل في مواجهة الفعل؟ والألم في مواجهة الألم؟ أين «إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله»؟

بقلم: حسن حنفي

أولوية العمل على النظر أحد متطلبات الواقع العربي المعاصر.. المنزل يحترق، فمن يطفئ النار؟ والوجود مهدد فمن يصارع من أجل البقاء؟
المشروع الصهيوني يتحقق يوماً بعد آخر؛ من احتلال أربعة أخماس فلسطين عام 1948 إلى ابتلاع الخُمس الآخر في 1967، ومن احتلال جنوب لبنان إلى احتلال الجولان في سوريا، ومن الهجرات الروسية والأوروبية إلى تأسيس إسرائيل الكبرى..

فمن يحمي الدار ويذبُّ عن الحياض؟ وما دور الفيلسوف والمفكر والمثقف؟ أيقبع في فلسفته يعلِّمها صنعةً لجيل قادم من الحرفيين؟ أينظر بفكره إلى أعمال الحرق والهدم وتجريف الأراضي واغتيال الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن وتصفية الرجال؟ أيبقى في ثقافته، والثقافة شيء والعالم شيء آخر، وما شأن عالم الأذهان بعالم الأعيان؟

لذلك قال محمد الغزالي من قبل: لو أني أشعر بثعبان تحت الجبة فهل أسأل: ما طوله؟ ما عرضه؟ ما شكله؟ ما لونه؟ سام أم غير سام؟ أم أني أقذفه أولاً خارج الجبة ثم بعد ذلك أنظر إليه وأصفه؟ هنا يسبق العمل النظر في مواقف الخطر، وتهديد الوجود والبقاء.

يشعر العرب بمدى الامتهان عندما يواجهون الاحتلال بالبيان، والاجتياح بالاجتماع، والعدوان بالشجب والإدانة. فأين الفعل في مواجهة الفعل؟ والألم في مواجهة الألم؟ «إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله».

يسهل الكلام ويصعب الفعل ويهيمن الصمت إذا ما توقف الفعل. إن معظم كلامنا تعويض نفسي، وإبراء للذمة، وتخفيف من عذاب الضمير.
لذلك اتُّهِمنا في ثقافتنا وتراثنا وقيل إن العرب ظاهرة صوتية، وإن بضاعتهم بضاعة كلام فحسب.. هذا رغم أن الشعر العربي خيال وكرامة، عزة ونخوة، سمو ورفعة. وفي تاريخ العرب أن امرأةً في عمّورية صرخت «وامعتصماه» مستنجدةً بالخليفة في بغداد حين انتهك الروم حرمتها. وفي شعرهم أيضاً أن الشاعر امرؤ القيس قال «اليوم خمر وغداً أمر» متعهداً بالثأر لمقتل والده.

ونظراً لغياب الفعل، فالكل يريد أن يضع الكرة في ملعب الآخر، ويعيب عليه سكونه وصمته؛ فيقول أحد العرب لإخوانه: اقطعوا العلاقة مع إسرائيل واسحبوا السفير، ويقول آخر: افتحوا جبهة الجولان فهي ليست أقل من الجنوب اللبناني.

ويقال للمصريين: لماذا لا تفتحوا جبهةً في سيناء للتخفيف عن الفلسطينيين؟! ويكون الرد: احضروا جيوشكم إلى سيناء، وتعالوا لتحرير فلسطين.
ويقول العرب للأوروبيين: لماذا لا تناصرون الحق الفلسطيني ضد العدوان الصهيوني، وتقطعون عنهم المعونات وتوقفون التجارة معها، بدل جعلها إحدى الدول الأكثر رعاية؟

ويقول الأوروبيون للعرب: ولماذا لا تقومون بواجبكم تجاه إخوانكم في فلسطين؟ لماذا لا تمدونهم بمستلزمات الحياة والبقاء؟ ولماذا لا تقاطعون إسرائيل تجارياً؟

ويطالب العربُ الأميركيين بأخذ موقف الحَكَم العادل، والشاهد المنصف، والضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة والعودة إلى حدود الرابع من يونيو 1967..

وتقول أميركا للعرب: ولماذا لا توقفون العنف والعمليات الانتحارية ضد إسرائيل، وتوقفون دعايتكم العدوانية ضد «شعب إسرائيل»؟
وتطالب روسيا أميركا بالتدخل لصالح العدل في المنطقة.. وتطالب أميركا روسيا بالتعقل دفاعاً عن شعب إسرائيل من «الإرهاب العربي»!

وفي غياب أي فعل ذاتي من أي طرف، بداية بالطرف العربي نفسه لصالح قضيته، يتم اجتياح الأراضي وتدمير المدن والقرى، وتسوية المخيمات بالأرض.. والكل يستصرخ أخاه، بل عدوه أحياناً. لذا لم يبق أمام الفلسطينيين إلا استجداء «الخصم والحكم».

ونظراً لما نحن فيه من مآسٍ وأحزان، وإحساس بالعجز والامتهان، وشعور بالضعف والهوان.. فإن الحاجة إلى الفعل تبدو ملحة بينما يتساءل الجميع: أين العرب؟

* د. حسن حنفي مفكر وأكاديمي مصري، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة .
المصدر: الاتحاد – أبوظبي

موضوعات تهمك:

خطوة (إسرائيل) التالية ضم الضفة الغربية

خفايا الحملة الصليببية لترامب

أسباب وماهية استمرارية خوف الكيان الصهيونى

عداء اليهود وليس معاداة السامية