17 أغسطس، 2018

أميركا وخطر خسارة الحرب التجارية مع الصين

إذا صمدت الهدنة المتفق عليها بين أوروبا والولايات المتحدة، ستخوض الولايات المتحدة المعركة أساسا مع الصين ثم كندا والمكسيك.

ولكن ما الذي يمكننا أن نقوله عن العواقب المحتملة التي قد تترتب على حرب ترامب التجارية؟

استجابة ترامب عندما تنفضح أكاذيبه أو تفشل سياساته: إنه يضاعف جهوده في نفس الاتجاه.

ثلاث من سمات ترامب الشخصية: تركيزه على المظهر قبل الجوهر، وعدم إمكانية التنبؤ بتصرفاته، وعشقه لسياسة “الرجل الكبير”!

 

بقلم: جوزيف ستغلتز

 

يبدو أن ما بدأ أولاً كمناوشات تجارية -عندما فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوما جمركية على الصلب والألومنيوم ــ يتحول الآن وبسرعة إلى حرب تجارية كاملة مع الصين.

وإذا صمدت الهدنة المتفق عليها بين أوروبا والولايات المتحدة، فستخوض الأخيرة المعركة أساسا مع الصين وليس العالَم. ولكن سيظل الصراع التجاري مع كندا والمكسيك يختمر على مهل بطبيعة الحال، نظرا للمطالب الأميركية التي لا تستطيع أي من الدولتين -ولا ينبغي لها- أن تقبلها.

ولكن بعيدا عن التأكيد الصادق -الذي بات مبتذلا الآن- على أن الجميع سيخرجون من هذه الحرب خاسرين؛ ما الذي يمكننا أن نقوله عن العواقب المحتملة التي قد تترتب على حرب ترامب التجارية؟

أولاً، الغَلَبة تكون دوما للاقتصاد الكلي: فإذا ظل الاستثمار المحلي في أميركا أكبر من مدخراتها فستضطر إلى استيراد رأس المال، وستتحمل عجزا تجاريا ضخما.

الأسوأ من ذلك أنه بسبب التخفيضات الضريبية التي فرضت في نهاية العام المنصرم فقد سجل العجز المالي في أميركا أرقاما قياسية غير مسبوقة (من المتوقع أن يتجاوز تريليون دولار أميركي بحلول عام 2020)، وهذا يعني أن العجز التجاري سيزداد بكل تأكيد، بصرف النظر عن نتائج الحرب التجارية.

إن الطريقة الوحيدة التي قد تضمن عدم حدوث هذا السيناريو هي أن يقود ترامب الولايات المتحدةإلى الركود، حيث تنخفض الدخول إلى الحد الذي يفضي إلى انهيار الاستثمار والواردات.

والنتيجة “الأفضل” لتركيز ترامب الضيق على العجز التجاري مع الصين هي أن يتحسن التوازن الثنائي، الذي تقابله زيادة بنفس القدر في العجز مع دولة أخرى (أو عِدة دول).

وربما تبيع أميركا للصين المزيد من الغاز الطبيعي وتقلل من مشترياتها من الغسالات؛ لكنها ستبيع كميات أقل من الغاز الطبيعي لدول أخرى وتشتري الغسالات أو أي شيء آخر من تايلند، أو أي دولة أخرى تجنبت سخط ترامب السريع الغضب.

ولكن لأن أميركا تدخلت في السوق فإنها ستدفع ثمنا أكبر لوارداتها وتحصل على مقابل أقل لصادراتها، مقارنة بما كانت ستصبح عليه الحال لولا ذلك. وباختصار؛ النتيجة الأفضل تعني أن أميركا ستكون أسوأ حالا مما هي عليه اليوم.

والحق أن أميركا لديها مشكلة، لكن هذه المشكلة ليست مع الصين، بل هي في الداخل: فقد كان ادخار الأميركيين أقل مما ينبغي. وترامب -مثله كمثل العديد من أبناء وطنه- قصير النظر إلى حد بعيد.

ولو كان يتمتع بذرة من الفهم للاقتصاد ورؤية طويلة الأجل لبذل قصارى جهده لزيادة المدخرات الوطنية، وكان هذا سيُفضي إلى تقليص العجز التجاري المتعدد الأطراف.

ولا يخلو الأمر من حلول سريعة واضحة؛ فبوسع الصين أن تشتري المزيد من النفط الأميركي الذي يمكنها أن تبيعه لدول أخرى. وما كان هذا ليحدث أدنى فارق، ربما باستثناء زيادة طفيفة في تكاليف المعاملات، لكن ترامب يستطيع أن يتباهى بأنه قضى على العجز التجاري الثنائي.

الواقع أن خفض العجز التجاري الثنائي بدرجة كبيرة أمر بالغ الصعوبة؛ فمع انخفاض الطلب على السلع الصينية يضعف سعر صرف الرنمينبي (العملة الصينية) حتى بدون أي تدخل حكومي.

وسيعوّض هذا جزئيا تأثير التعريفات الأميركية؛ وفي الوقت نفسه سيزيد قدرة الصين التنافسية مع دول أخرى، ويصدق هذا حتى ولو لم تستخدم الصين أدوات أخرى متاحة تحت تصرفها، مثل ضوابط الأجور والأسعار أو الدفع بقوة في اتجاه زيادة الإنتاجية.

أما ميزان الصين التجاري الكلي -مثله في ذلك كمثل نظيره في أميركا- فإنه يتحدد عبر اقتصادها الكلي. وإذ تدخلت الصين بقوة أكبر وانتقمت بشكل أكثر عدوانية؛ فقد يكون التغيير في الميزان التجاري أصغر بين أميركا والصين.

من الصعب التأكد من الألم النسبي الذي قد تنزله كل من الدولتين بالأخرى؛ فالصين تفرض قدرا أكبر من السيطرة على اقتصادها، وكانت راغبة في التحول إلى نموذج نمو يقوم على الطلب المحلي بدلا من الاستثمار والصادرات. وتساعد أميركا ببساطة الصين في القيام بما كانت تحاول تنفيذه بالفعل.

ومن ناحية أخرى؛ تأتي تصرفات أميركا في وقت تحاول فيه الصين إدارة الروافع الفائضة والقدرة الزائدة، وفي بعض القطاعات -على الأقل- ستجعل أميركا هذه المهام أشد صعوبة.

إذا كان الهدف الذي يسعى ترامب إلى تحقيقه هو منع الصين من اتباع سياسة “صُنِع في الصين 2025″، التي تبنتها عام 2015 لتعزيز هدف الأربعين عاما الذي يتلخص في تضييق فجوة الدخل بين الصين والدول المتقدمة؛ فيكاد يكون مؤكدا أن مصير محاولاته هو الفشل.

بل إن تصرفات ترامب لن تفضي إلا إلى تقوية عزيمة قادة الصين فيما يتصل بتعزيز الإبداع وتحقيق التفوق التكنولوجي، مع إدراكهم لحقيقة مفادها أنهم لا يمكنهم الاعتماد على آخرين، وأن أميركا معادية لهم بقوة.

إذا دخلت دولة ما حربا -تجارية أو غير ذلك- فينبغي لها أن تتأكد من أنها أوكلت المسؤولية إلى جنرالات بارعين: أهدافهم محددة بوضوح، وإستراتيجيتهم قابلة للتطبيق، ويحظون بالدعم الشعبي.

وهنا تبدو الفوارق بين الصين وأميركا عظيمة للغاية؛ فلا يمكن لأي دولة أن تجد فريقا اقتصاديا أسوأ تأهيلا من فريق ترامب، هذا فضلا عن عزوف غالبية الأميركيين عن دعم الحرب التجارية.

وسيتضاءل الدعم العام بشكل أكبر عندما يدرك الأميركيون أنهم خسروا بشكل مضاعف بسبب هذه الحرب؛ إذ ستختفي الوظائف ليس فقط بسبب التدابير الانتقامية من قِبَل الصين، بل وأيضا لأن الرسوم الأميركية تزيد من سعر الصادرات الأميركية وتجعلها أقل قدرة على المنافسة؛ كما سترتفع أسعار السلع التي يشترونها.

وربما يدفع هذا سعر صرف الدولار إلى الهبوط، مما يزيد من التضخم في الولايات المتحدة فيتسبب بالتالي في استفزاز المزيد من المعارضة. ومن المرجح أن يقوم بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي عندئذ برفع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى ضعف الاستثمار والنمو والمزيد من البطالة.

لقد أوضح ترامب كيف تكون استجابته عندما تنفضح أكاذيبه أو تفشل سياساته: إنه يضاعف جهوده في نفس الاتجاه. والواقع أن الصين عرضت على نحو متكرر العديد من الطرق الكفيلة بإنقاذ ماء وجه ترامب، والتي تسمح له بترك ساحة المعركة وإعلان النصر. لكن ترامب يرفض هذه العروض.

وربما نتلمس الأمل في ثلاث من سماته الشخصية الأخرى: تركيزه على المظهر قبل الجوهر، وعدم إمكانية التنبؤ بتصرفاته، وعشقه لسياسة “الرجل الكبير”.

وربما في اجتماع كبير مع الرئيس شي جين بينغ يمكنه أن يعلن أن المشكلة قد حُلَّت، مع إدخال تعديلات طفيفة على التعريفات هنا وهناك، وإعطاء إيماءات جديدة بشأن انفتاح السوق الذي خططت الصين لإعلانه بالفعل، وبهذا يعود كل طرف إلى بيته سعيدا.

في هذا السيناريو؛ “يحل” ترامب على نحو منقوص مشكلة خلقها بنفسه. لكن العالَم بعد حربه التجارية الحمقاء سيظل مختلفا: فهو أشد تقلبا، وأقل ثقة في حكم القانون الدولي، وحدوده أكثر صرامة.

لقد غير ترامب العالَم -بشكل دائم- إلى الأسوأ. وحتى في ظل أفضل النتائج الممكنة؛ فإنه لن يربح أحد غير ترامب الذي تكتسب ذاته الأنانية قدرا أكبر قليلا من التضخم.

  • د. جوزيف ستغلتز حائز لجائزة نوبل في الاقتصاد وكبير خبراء الاقتصاد في معهد روزفلت.

المصدر : بروجيكت سينديكيت – ترجمة الجزيرة نت

تنويه هام: الموقع يقوم بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية العربية والعالمية لتقديم خدمة إعلامية متكاملة، لذا فالموقع غير مسؤول عن صحة ومصداقية الأخبار المنشورة والتي يتم نقلها عن مصادر صحفية أخرى،كما أن المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع، وعليه فالموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر او كاتب المقال.

إكتب تعليقك هنا

‫شاهد أيضًا‬

هل حسم الأمر في مصير بن سلمان؟

هل حسم الأمر في مصير بن سلمان؟ هل ستسعى واشنطن إلى الإطاحة بمحمد بن سلمان؟ كيف يمكن ذلك، ف…