23 أغسطس، 2018

أصداء معركة الهوية في تونس

  • منظومات تغريبية تريد ربط المجتمع بقيم غربية دخيلة وفصله عن حاضنته العربية المسلمة بما يهدد البناء الاجتماعي.
  • صراع بين القوى القديمة القابضة على مؤسسات الدولة وبين النفس التحرري الجديد بتونس منذ سقوط النظام الاستبدادي.

 

بقلم: محمد هنيد

لا يدور الحديث في تونس منذ أشهر إلا عن «تقرير لجنة الحقوق والحريات» الذي رُفع إلى رئاسة الجمهورية من أجل المصادقة عليه وإعطائه الصبغة القانونية الإلزامية.

وهو التقرير الذي أثار ولا يزال يثير جدلا كبيرا في تونس بسبب ما تضمنه من مطالب تمس هوية الدولة والمجتمع وتفتح الباب على مصراعيه أمام فوضى قانونية وتشريعية هي آخر ما يمكن أن يتحمله المجتمع اليوم.

فبقطع النظر عن التوقيت المريب للتقرير فإن المضامين التي وردت في نصه تبدو أبعد ما يكون عن الاستحقاقات الملحة للدولة التونسية في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.

يتضمن النص دعوات صريحة إلى المس بثوابت مصادر التشريع وعلى رأسها النص القرآني إضافة إلى الدعوة إلى تقنين المثلية الجنسية وتشريع الزواج من غير المسلم والمساواة في الميراث وغيرها من البنود المغلفة بغلاف الحرية والمساواة.

هذا النص ليس جديدا بل يمثل امتدادا طبيعيا «لمجلة الأحوال الشخصية التونسية» الشهيرة التي وضعها «بورقيبة» والتي لا يزال أثرها على المجتمع التونسي قائما.

أما اليوم فتسعى اللجنة التي صاغت التقرير إلى إحياء النزعات القديمة وتعميق أثرها والتحكم في بنية المجتمع والأسرة مستفيدة من المرحلة الانتقالية الجديدة ومن انشغال الأحزاب ببرامجها السياسية.

لا يخفى على أحد في تونس اليوم ارتباط التقرير المريب بأجندات خارجية خاصة وأن سفارات كثيرة ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في صياغته بعيدا عن أعين المختصين وعن مجلس نواب الشعب بما هو الممثل الحقيقي والقانوني لإرادة الشعب وخياراته.

تتعلق أغلب بنود التقرير ومقترحاته بوضعية المرأة التونسية المستهدفة رأسا بهذا التقرير لكنها بنود لا تتعرض لوضع المرأة العاملة والمرأة الريفية التي لا تزال تعاني أبشع أنواع الاستغلال الاقتصادي من قبل رجال الأعمال والشركات الخاصة والعمومية.

هذا الخلل في بنية التقرير ومضامينه يكشف بجلاء أنه صيغ من أجل هدف أساسي يتمثل في تهديد البنية القائمة للأسرة التونسية بما هي خلية مسلمة ومحافظة في الغالب الأعم من الحالات.

إن صراع القيم والهوية يكاد يمثل واجهة أساسية من واجهات الصراع القائم في تونس كما هو الحال في أغلب الدول العربية. وهو صراع بين منظومات تغريبية تعمل على ربط المجتمع بقيم غربية دخيلة وفصله عن حاضنته العربية المسلمة بشكل يهدد البناء الاجتماعي ويفتحه أمام المجهول.

إنه صراع بين القوى القديمة القابضة على مؤسسات الدولة وبين النفس التحرري الجديد الذي تعرفه تونس منذ سقوط النظام الاستبدادي عقب ثورات الربيع.

  • د. محمد هنيد أكاديمي تونسي أستاذ السياسة بجامعة السوربون – باريس

المصدر: «الوطن» القطرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *