أذرع إيران.. حدود الاستخدام

أذرع إيران.. حدود الاستخدام

  • تتعامل العواصم كافة مع فرضية التفاوض على أنها قيد البحث، بل رشّحت أماكن عدّة لاستضافته!
  • طهران تتعامل مع العراق كساحة خلفية تصفّي فيها حسابات مع أطراف أخرى، أميركية وغيرها.
  • هددن طهران منذ تشديد العقوبات بأن ردّها سيكون مواجهة عسكرية، متوعّدةً بأن الثمن لن يقلّ عن «طرد الأميركيين» من المنطقة.
  • بغداد تدافع عن حقّها في الحياد ورفض لأي مغامرة ينفذها «الحشد» ولكلّ مخاطر يتعرّض لها الاقتصاد أو الجيش العراقي ولكلّ مجازفة تتحدّى الوجود الأميركي.

* * *

بقلم | عبد الوهاب بدرخان

تواصل الولايات المتحدة وإيران استبعاد حرب بينهما، كلٌّ بصيغ ومصطلحات مختلفة وإن كانت تلتقي على خلاصة واحدة.

إذ كرّر الرئيس دونالد ترامب في الأسبوع الماضي أنه لا يرغب في حرب، لكن علّق على تهديدات الإيرانيين بأنهم «سيرتكبون خطأً كبيراً» إذا نفّذوا هجمات على القوات الأميركية و«سيتألمون كثيراً».

من جهته اعتبر المرشد الإيراني علي خامنئي أن المواجهة الحالية «اختبار إرادة» وليست عسكرية «لأنه لن تندلع أي حرب، فلا نحن ولا هم يسعون إلى حرب» مستخلصاً «أنهم يعرفون أنها ليست في مصلحتهم».

وهكذا حافظ الطرفان على أجواء «حرب نفسية» تواكبها تسريبات بأن ثمة اتصالات بينهما عبر قنوات سرّية تحضيراً للتفاوض الذي يدعو إليه ترامب ومساعدوه في كل مناسبة، وينتهز خامنئي ومسؤولون آخرون كل فرصة لرفضه.

مع ذلك تتعامل العواصم كافة مع فرضية التفاوض على أنها قيد البحث، بل رشّحت أماكن عدّة لاستضافته، وأدرج استقبال ترامب للرئيس السويسري في سياق بلورة ظروف التفاوض باعتبار أن سويسرا ترعى المصالح الدبلوماسية للولايات المتحدة في طهران ولإيران في واشنطن.

كل ما قامت به إيران بعد التعزيزات الأميركية العسكرية في المنطقة عزّز عملياً كل الاتهامات بأنها دولة عدوانية ومزعزعة للاستقرار. فلا أحد يعتبر الهجوم بطائرات مسيّرة على أنابيب ضخ النفط في السعودية اعتداءً «حوثياً» فحسب بل إنه اعتداء إيراني.

ولا أحد يرى في تفجير السفن التجارية الأربع في عرض البحر بالقرب من ميناء الفجيرة سوى أنه تهديد يستهدف سلامة الملاحة الدولية والإمدادات النفطية. ولم يستغرب أحد التقارير التي أفادت بأن قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» جمع قادة ميليشيات «الحشد الشعبي» ودعاهم للتعبئة من أجل الحرب.

فهذه خطوة أخرى تبرهن على أن طهران تتعامل مع العراق كساحة خلفية تصفّي فيها حسابات مع أطراف أخرى، أميركية وغيرها. وحتى الإعلان عن خفض جزئي لالتزام بنود الاتفاق النووي، وإمهال الدول الأوروبية الموقعة عليه شهرين لمساعدتها على كسر العقوبات.

تعرف طهران قبل سواها أنهما إجراءان لا يحققان أي مصلحة، إذ أنها تلوّح بإسقاط الاتفاق فيما يجوب وزير خارجيتها العواصم سعياً إلى إنقاذه، كما أن الأوروبيين بذلوا ما يستطيعون وليس وارداً أن يتحدّوا أميركا من أجل إيران.

كانت طهران بادرت منذ تشديد العقوبات عليها إلى التهديد بأن ردّها عليها سيكون بالمواجهة العسكرية، متوعّدةً بأن الثمن لن يكون أقلّ من «طرد الأميركيين» من المنطقة.

وقبل إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، كانت لدى إيران خيارات للمواجهة. فإلى جانب العراق، كانت لديها مشاريع كثيرة في سوريا سواء لإشعال حرب مع إسرائيل في جبهة الجولان.

وقد أقنعت حليفها النظام السوري بأن هذه الحرب ستجبر الولايات المتحدة على التفاوض معهما مباشرة أو في إطار يضمّ روسيا وسيكون بإمكان طهران ودمشق أن تنالا «شرعية» دولية لتحالفهما وللمحور الذي تشكّلانه.

غير أن التنسيق الأميركي الروسي الإسرائيلي عرقل هذا المشروع، وما لبثت الضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية أن أحبطته. وإلى سوريا، لا يزال استخدام ترسانة صواريخ «حزب الله» في لبنان لضرب إسرائيل احتمالاً قائماً.

إلا أن اكتشاف الأنفاق الحدودية المحفورة لتدفّق مقاتلين إلى داخل إسرائيل أفقد «حزب الله» والإيرانيين عنصراً استراتيجياً مهمّاً في أي مواجهة، فالأهداف التي يمكن أن تحقّقها الصواريخ لا تتناسب مع نتائج الاستهداف الإسرائيلي للبنان، إذ أنه سيرتدّ سلباً على «الحزب» نفسه.

لذلك ستعوّل إيران على الميليشيات العراقية، بالإضافة إلى «الحوثيين» لكن الحرب الدائرة في اليمن لا تمنح هؤلاء أكثر من فرصة إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة على الأراضي السعودية، وهذه تبقى في إطار الأضرار التي تتوقّعها السعودية مدركةً أنها تغيّر شيئاً في المعادلة الإقليمية التي أجهضت المشروع الإيراني في اليمن.

أما الاعتماد على ميليشيات «الحشد الشعبي» فسيكون للمرّة الأولى على أكثر من محك عراقي داخلي. فبغداد تدافع الآن عن حقّها في الحياد، وهذا يعني رفضاً مسبقاً لأي مغامرة يقدم عليها «الحشد» ولكلّ مخاطر مفتعلة يتعرّض لها الاقتصاد أو الجيش العراقي ولكلّ مجازفة تتحدّى الوجود الأميركي…

كل هذه المحدّدات التي فرضت نفسها على خيارات إيران في مختلف الأماكن أشعرتها باقتراب الخطر من أراضيها، وهو ما سعت دائماً إلى تجنّب حدوثه. لكنها أشعرتها أيضاً بصعوبة الذهاب إلى التفاوض مع أميركا، إذ أنه لن يقتصر على تحسين الاتفاق النووي الحالي وسيشمل بالضرورة كل السياسات الإيرانية التخريبية للاستقرار الإقليمي.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب وصحفي لبناني
المصدر | الاتحاد – أبوظبي

موضوعات تهمك:

الخليج العربي.. هل تعود فوضى التاريخ؟

هل ستقع حرب خليجية جديدة؟ 

ترامب وحلم تغيير النظام فى طهران

الجبروت الأمريكي والدهاء الإيراني

اكتب تعليقك
تنويه هام 
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه الموقع، كما أن الموقع يعمل على تقديم خدمة إخبارية متكاملة للقراء معتمدا على ما يتم تداوله في المواقع والصحف ووكالات الأنباء العربية والعالمية، وبذلك لا يتحمل الموقع أية مسؤولية جراء ما ينقل عن تلك المصادر.